الرجاء مساعدة عاجلة في الفلسفة bac blanc 2009

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة THE_KiNG_OF_MiX, بتاريخ ‏5 ماي 2009.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. THE_KiNG_OF_MiX

    THE_KiNG_OF_MiX عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏22 مارس 2006
    المشاركات:
    962
    الإعجابات المتلقاة:
    2.360
      05-05-2009 11:04
    :besmellah1:

    الرجاء هل ممكن دروس هو تلخيص للنمذجة،الدولة و السعادة

    عاجل شنعدي غدوة
     
    4 شخص معجب بهذا.
  2. salah.hlam

    salah.hlam عضو نشيط

    إنضم إلينا في:
    ‏20 نوفمبر 2005
    المشاركات:
    256
    الإعجابات المتلقاة:
    60
      05-05-2009 11:46
    هذا تصوّر عام لمسألة العلم بين الحقيقة والنمذجة
     

    الملفات المرفقة:

    4 شخص معجب بهذا.
  3. hbjbjm

    hbjbjm عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏16 ديسمبر 2008
    المشاركات:
    1.045
    الإعجابات المتلقاة:
    368
      05-05-2009 12:15
    il y a un probleme dans le fichier
    s'il vous plait résumé de philo pour les branches scientifiques et merci d'avance
     
    1 person likes this.
  4. foreverkais

    foreverkais عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏24 أوت 2008
    المشاركات:
    1.489
    الإعجابات المتلقاة:
    2.815
      05-05-2009 21:12
    الاخلاق : الخير و السعادة


    إن المشاكل التي تطرحها المسائل العملية سواء في مسألة العمل وما تفتح عليه من أشكال الاغتراب و ربما حتى استغلال و استعباد, أو في المسالة السياسية وما تفتح عليه من اغتراب سياسي و من فساد يجعل المواطنة مجرد فكرة صورية أو مثال أعلى يُشرَّع له قانونيا، في مقابل ممارسة سياسية تحول المواطن إلى مستهلك و تجعل الدولة تستبد بالسيادة فتقضي على المواطنة كما السيادة في واقع العولمة الموجهة من قبل القوى الامبريالية في العالم, أو حتى في مستوى الممارسة العلمية التي تمثلها النمذجة النسقية و ما تفتح عليه من تهميش لمطلب الحقيقة كقيمة معرفية و العلاقات المشبوهة بين المعرفة و السلطة, و التدخل العلمي في التركيبة الجينية للنباتات و الحيوانات و حتى الإنسان من اجل تحقيق النجاعة والمردودية...

    كل هذه المشاكل و ما تطرحه من احراجات و مفارقات بالنسبة لفكر كائن يتحدد باعتباره قيمة، تجعل الفلسفة الأخلاقية اليوم، و أكثر من أي وقت مضى, ضرورة حياتية إذا ما رام الإنسان الحفاظ على إنسانيته و تحقيق كونية أصيلة تصالح بين الإنسان و الإنسان, وبين الإنسان و الطبيعة في زمن الحد الأقصى من التواصل الذي غدى هو ذاته في حاجة إلى إيتيقا تنير له السبيل الأصيل لتواصل حقيقي. إن واقع الإنسان اليوم، يعلن الحاجة الملحة لعودة الفلسفة الأخلاقية و الإيتيقية، فطلب الأخلاق يبدو متزايدا اليوم, و لكن ماذا نعني بالأخلاق و ماذا نعني بالإيتيقا؟


    إن كلمة إيتيقا Ethique الفرنسية من أصل يوناني، و تعني البحث عن نسق مبادئ تهدف إلى وجود خير و سعيد, في حين أن كلمة أخلاق Morale الفرنسية من أصل لاتيني، و تتحدد كنظرية في الجبر، نظرية في القانون و الواجب الأخلاقي باعتباره لا مشروط و كوني. و يجب أن نلاحظ أن الإيتيقا تشهد اليوم أكثر حظوة في مقابل احتشام الاهتمام بالأخلاق. و الإيتيقا اليوم تفيد عموما النظرية العقلانية حول الفعل و الحياة الخيرة و بالتالي تتمثل في دراسة مشاكل القيم التي تطرحها مسائل المحيط (إيتيقا المحيط) و الممارسات الطبية (البيوايتيقا)... ذلك أن القانون الأخلاقي و الـجبر الأخلاقي يشهد اليوم تراجعا أمام الحياة الخيرة. و من هذا المنطلق يبدو من المشروع بالنسبة إلينا أن نطرح المشكل الإيتيقي الذي يتعلق بالخير و السعادة و إذا كان الخير الأسمى هو المطلب الأساسي في الفعل الأخلاقي , ففيما يتمثّل هذا الخير الأسمى؟ هل يتمثل في الخضوع لأوامر الواجب أم في تحقيق السعادة ؟ أليس الإقرار بأن السعادة هي الخير الأسمى هو نفي لصفة الأسمى على الخير مثلما بيّن ذلك كانط؟ ألا تمثّل نسبية السعادة حاجزا يعوق توحّدها مع الخير الأسمى و بالتالي تقضي بضرورة الفصل بين الخير و السعادة و بين الأخلاقية و السعادة على أساس لا تحدد السعادة؟ و بهذا المعنى ألا يكون الخير الأسمى باعتباره الأخلاقية شرط السعادة دون أن يتماهى معها ؟ ثم كيف نعرف ما هو خير، هل يتعلق الأمر بالخيرات أي بما يريد الفرد تحقيقه لذاته آو حتى ليتقاسمه مع الآخرين؟ أم هل يتعلق الأمر بخير فعل ما سنفعل, وهو ما يحدد الفضيلة عند الرواقيين؟ أم هل يتعلق بمثال الخير، الخير في ذاته باعتباره الغاية القصوى لكل فعل ممكن مثلما ذهب إلى ذلك أفلاطون؟ و كيف يمكن أن نحدد الخير خارج علاقته بالسعادة؟ ثم قبل ذلك ما هو مصدر القيم الأخلاقية، هل هي واردة من أفق متعال أم أن الإنسان واضعها ؟


    I مصدر القيم الأخلاقية:


    إن القيم الأخلاقية، من الزاوية المنطقية، يمكن أن تكون صادرة إما عن كائن متعال وهو موقف شائع تربط فيه الأخلاق بالدين، موقف بينت المقاربات الموضوعية تهافته، وإما الإنسان وهو الأصل الذي يعترف به الفلاسفة و المفكرين. غير أن المفكرين والفلاسفة وإن اتفقوا على كون مصدر الأخلاق هو الإنسان فقد اختلفت رؤاهم فمنهم من اعتبره الإنسان كعقل ومنهم من اعتبره الإنسان كرغبة ومنهم من اعتبره الإنسان كمجتمع.


    1) كانط: العقل:


    يريد كانط أن يحدد المبدأ الأساسي لكل فعل أخلاقي أي المبدأ الصوري الذي تستمد منه القواعد الأخلاقية, فهو إذن على خلاف الفلاسفة لا يقدم نسقا أخلاقيا يضبط فيه الواجبات الأخلاقية وإنما يبحث في المبدأ الأساسي لكل فعل أخلاقي, لذلك يطرح كانط سؤال يتعلق بالمفهوم المركزي الذي تدور حوله الأخلاق ليجيب بأن الواجب هو هذا المفهوم, فالواجب عند كانط هو جوهر التجربة الأخلاقية. والواجب يمثل الجبر الأخلاقي في ذاته بقطع النظر عن تطبيقاته وعلى هذا الأساس يتحول سؤال ما هو مصدر الأخلاق؟ مع كانط إلى ما هو مصدر الواجب؟

    الواجب كمفهوم يتسم بالكونية والضرورة لا يمكن أن يكون حسب كانط نتيجة للتجربة والخبرة ذلك أن الكونية والضرورة هي ميزات ما هو قبلي فالواجب عند كانط هو إذن مفهوم قبلي. كمفهوم قبلي لا يمكن أن يكون الواجب صادرا إلا على العقل، لذلك يميز كانط بين الأمر الشرطي والأمر القطعي, فالأول هو أمر يربط بين الفعل والمنفعة التي تتحقق منه وهذا يعني أن الفعل وفق الأمر الشرطي لا يكون ضروريا بصفة محضة فهو ضروري لتحقيق غاية ولذلك لا يعبر الأمر الشرطي عن الواجب باعتباره كوني وضروري. فالواجب ككوني وضروري لا يمكن أن يكون إلا أمرا قطعيا يأمر دون شرط فهو يضبط الإرادة بالقانون وهذا يعني أن الأمر القطعي وحده يمثل قاعدة أخلاقية بالنسبة لكانط.


    2) دوركايم: المجتمع :


    أما في المنظور السوسيولوجي فإن مصدر الواجب والأخلاق هو المجتمع، إذ ينفي دوركهايم أن يكون الواجب صادرا عن العقل أو عن الدين, فمن هذا المنظور تجد الأخلاق مصدرها في المجتمع. وتناول دوركهايم للمسألة الأخلاقية يجد منطلقه في تحليل الضمير باعتباره ملكة الحكم القيمي على أفعالنا, فالضمير يمثل صوت الواجب ويعبر عن الخاصيتين الأساسيتين للواجب:

    - كون الواجب خارج عن الفرد والدليل على ذلك أن الواجب لا يتطابق في كل الحالات مع طبيعة الفرد ومزاجه.

    - القهر والإلزام ( ضد كانط لأنه يفصل بين الواجب والعقاب فالقيام بالواجب لتجنب العقاب هو خضوع لأمر شرط في حين أن الواجب أمر قطعي) وهذه الميزة تظهر فينا بتأنيب الضمير عندما لا نخضع للواجب وتأنيب المحيطين بنا. ويجب أن نلاحظ أن صفة القهر والإلزام هي في الحقيقة صفة ملازمة لكل الظواهر الاجتماعية بالنسبة لدوركهايم.

    الواجب بما هو خارج عن الفرد وبما هو متميز بالقهر يجد مصدره في المجتمع, فالمجتمع هو الذي وضعه فينا بالتربية والتنشئة. وهكذا يرجع دوركهايم الأخلاق كظاهرة اجتماعية إلى الضمير الجمعي وتتحدد في نهاية الأمر باعتبارها وظيفة في المجتمع , فالأخلاق تقوم بوظيفة خلق التماسك والوحدة الاجتماعية لذلك يحدد دوركهايم الخير باعتباره الأخلاق وقد تمثلت شيئا حسنا والمجتمع هو الخير باعتبار أن المجتمع حقيقة أثرى من حقيقة الفرد, إذ بالاجتماع يحقق الإنسان إنسانيته.

    لكن إذا كان كانط أسس أخلاق صورية قال عنها هيجل أنها غير صالحة ولا تجعل الفعل ممكنا فإن دوركهايم قد أهمل- عندما حدد مصدر الواجب باعتباره المجتمع-التفاعل بين الوعي الفردي والوعي الاجتماعي إذ تبين لنا التجربة أن الفرد، و في كثير من الحالات، هو الذي يبادر بإرساء قيم تصبح عامة بموجب التكرار والتعود.


    3) نيتشه: إرادة القوة:


    الأخلاق الحق عنده تتجاوز حقل الواجب لأن الواجب هو تقنين السلوك الموجه ضد الحياة. فالإنسان عند نيتشه هو قبل كل شيء إرادة القوة لذلك يسعى إلى تفسير نشأة الأخلاق المثالية جينيالوجيا بإرجاعها إلى أصلها لكن إذا كانت الأخلاق صادرة عن إرادة القوة فكيف تكون أخلاق الفلاسفة المثاليين موجهة ضد الحياة؟

    إن إرادة القوة عند نيتشه منشطرة إلى إرادة حياة وإرادة عدم وهذا الانشطار ناتج عن دينامية الرغبة ذاتها بما هي ماهية الإنسان, فالرغبة كرغبة تسعى إلى الإشباع وبالتالي تفتح على اللذة فتتحدد باعتبارها إرادة حياة، فالإشباع هو تمجيد للحياة و إقرار لها، و لكن أيضا، الرغبة كرغبة تبحث عن الإشباع تنفي موضوعها و بالتالى تفتح على الموت فتتحدد كإرادة عدم.

    إرادة القوة عندما تكون في أوجها وصاعدة تناشد الحياة وتمجدها لأنها قادرة على فرض سلطانها وقوتها لكن بما أن كل قوة مآلها الضعف و بالتالي الانحطاط فان إرادة القوة الواهنة تنتج القيم والأخلاق, أخلاق الشفقة كحيلة للمحافظة على بقائها فتنقد اللذة والرغبة وتحاصرها ومن هنا تظهر حسب نيتشه نقمتها على الحياة, هذا يعني أن نيتشه يرجع كل وجود إما إلى القوة وإما إلى الضعف والضعف هو مصدر أخلاق الشفقة لذلك ينظر نيتشه لأخلاق الأقوياء, الأخلاق التي تقوم على القوة وإرادة الحياة، ذلك أن أخلاق الشفقة تمنع الإنسان من بلوغ أعلى درجات القوة و البهجة و بالتالي السعادة.

    و هكذا نتبيّن اتفاق كل المقاربات الفلسفية حول اعتبار القيم جوهرية وأولية في الأخلاق, فحتى المقاربة الجينيالوجية التي طرحت قيمة القيمة ونقدت القيم انتهت إلى وضع القوة كقيمة. والفعل الأخلاقي عند الفلاسفة هو الفعل الذي يتطابق مع مبادئ الخير. لكن فيما يتمثل هذا الخير؟ في الواجب أم في السعادة؟ وما هي طبيعة العلاقة بين الخير والواجب والسعادة؟



    II الخير و السعادة:


    1) السعادة كواجب :


    إن الأنساق الأخلاقية السابقة لكانط ترى في السعادة غاية كل فعل إنساني، فهي الخير الأسمى لذلك تسمى أخلاق أودونية. في حين يعتبر كانط أن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يقوم بالواجب من أجل الواجب .فهل يعني ذلك أن القيام بالفعل من أجل تحقيق السعادة هو فعل لا أخلاقي؟

    يلاحظ كانط أن السعادة بما هي حالة كمال هي مفهوم غامض لأنه يرتبط بالتجربة فالسعادة عنده هي مثل أعلى لا للعقل بل للتخيل يقوم على مبادئ خبرية فحسب. فالسعادة إذن، ليست مفهوما عقليا وترتبط برغد العيش، لذلك لا يمكن تحديدها, فرغد العيش يختلف من شخص إلى آخر بحسب خبرته وميولا ته لذاك يرى كانط أن السعادة ليست من مجال الأخلاق, فمجال الأخلاق هو مجال ما هو عقلي, كوني وضروري أي واجب. ومجال السعادة حسب كانط هو الدين لأن السعادة هي موضوع أمل و من حق الإنسان ككائن رغبة أن يأمل في أن يكون سعيدا دون أن يناقض ذلك الواجب. فما هو أولي بالنسبة لكانط هو الأخلاق الكونية ولا يهدف أي فعل في المجال العملي إلا إلى تحقيق الفضيلة باعتبارها طاعة الأمر القطعي. لكن ذلك لا يمنع من أن تكون مقولات العقل العملي مقبولة في حقل الأخلاق وهو ما يضفي مشروعية على البحث عن السعادة. يقول كانط: «الأخلاق ليست إذن نظرية تعلمنا كيف يجب أن نكون سعداء ولكن تعلمنا كيف يجب أن نكون جديرين بالسعادة, ذلك أننا لا نأمل في تحقيق السعادة إلا بتدخل الدين». وهكذا يكون البحث عن السعادة عند كانط أمرا مشروعا وواجبا في معنى ما بما أن التعاسة ليست ظرفا مناسبا للقيام بالواجب. السعادة كموضوع أمل بالنسبة لكانط لا تتحقق في الأرض و تبقى موضوع أمل مشروع ليس إلا. و هكذا يرتبط كانط الحرية بالعقل، فالإرادة الخيرة هي التي تخضع لإرادة القانون العقلاني والكوني أما الإرادة التي تخضع للرغبات الحسية فهي إرادة مرضية بالمعنى الكانطي أي لا تخرج عن تأثير الحواس, فالحرية والعقل لا ينفصلان عند كانط الذي يقول : "الحرية هي خاصية إرادة كل كائن عاقل"، وبالتالي لا تكون السعادة بالنسبة لكانط شأنا سياسيا.


    2) في تضايف الخير و السعادة :


    غير أن أرسطو على خلاف كانط يرى أن تحديد الخير يقتضي اعتباره من جهة كونه غاية جماعية لا فقط كغاية فردية, ذلك أن الإنسان عنده هو حيوان اجتماعي, و من هذا المنطلق تعتبر الإيتيقا بالنسبة إليه معرفة متعلقة بالفعل, و ترتبط بالخير الأسمى الذي يمثل غاية كل فعل إنساني, والخير الأسمى هو السعادة, و هكذا فإن السعادة عند أرسطو تتمثل في فعل عقلي يتحدد في التأمل كنشاط عقلي, الذي يتماهى و الفضيلة. يقول أرسطو "إذا لم تكن السعادة حقا إلا الفعل المطابق للفضيلة، فمن الطبيعي أن يكون الفعل المطابق للفضيلة التامة، أعني فضيلة الجزء الأعلى من الإنسان". وهو ما يعني أن السعادة هي نتيجة الحياة الفاضلة. وبما أن الفضيلة ترتبط بالتأمل العقلي الذي يمثل ما هو أعلى في الإنسان، فإن السعادة تتجاوز اللذة الحسية البسيطة من جهة كون اللذة مؤقتة في حين أن السعادة لا زمنية ودائمة، والتأمل العقلي هو الذي يحقق ثباتها دوامها. وبالتالي فإن الحكيم الذي يتأمل الخالد في حياة رفاه يجسد الإنسان السعيد. وهذا الموقف الأرسطي ينخرط في التصور الإغريقي الأودوني Edémoniste الذي يقر بأن السعادة هي غاية كل فعل، وتتحدد السعادة باعتبارها تطابق بين الإنسان ونظام الطبيعة. ولكن يجب أن نلاحظ أن أرسطو يربط بشكل صريح البحث عن السعادة بالتنظيم العقلاني للحياة الاجتماعية. فالإيتيقا ترتبط بالسياسة، وخير الفرد يتوقف على الخير الأسمى للمدينة وبالتالي للدولة. وبما أن السعادة هي مثال أعلى وهدف، فإنه من الضروري تعميمها وأنسنتها وبالتالي تسييس البحث عن السعادة.

    تلك هي أيضا وجهة نظر الموقف النفعي. ذلك أن اشباع اللذات لا يقود إلى السعادة إلا في إطار المصلحة العامة. والنفعية هي موقف جيريمي بنتام Jeremy Bentham الذي انتهى إلى تجريد القيم الأخلاقية من كل أساس مرجعي متعال، بما أن المبدأ الأخلاقي الوحيد عنده هو مبدأ المنفعة بمدلولها الخاص و الفردي. و رغم تأكيده على دور الدولة في ضمان النفع لأكبر عدد من الأفراد، فإن بنتام يخلص إلى أنه يجب على الفرد أن يتحقق من المنفعة التي تعود عليه هو ذاته من الفعل قبل أن يقوم به. ومن هذا المنظور المادي يذهب بنتام إلى التأسيس "لعلم حساب اللذة والآلام"، قاصدا أن يكون معيارا لقياس السلوك الأخلاقي والعملي قياسا كميا. وبما أن المبدئية الأخلاقية هي المنفعة، فقد كان لازما على هذا العلم أن يؤسس لطريقة تمكن من قياس اللذة، تلك التي يصنفها بنتام إلى نوعين "متجانسة" و"غير متجانسة ويحرص بنتام على التأكيد على أن مقياس الكم قابل لقياس ما يسميه باللذات المتجانسة، غير أنه عندما يبحث اللذات غير المتجانسة، كلذة القراءة مثلا وغيرها فإنه اعترف بصعوبة حسابها كميا. لذا نجده يبحث عن مقياس آخر يقاربها به والمقياس البديل الذي وضعه لا يخرج عن الرؤية الكمية النفعية التي تحكم منظوره ككل؛ ذلك أنه رأى أن هذه اللذات غير المتجانسة يمكن قياسها بـالمال أي أنه يجب على الفرد أن يقيس تلك اللذة بمقدار ما يصرفه من مال لتحصيلها، فإذا كان المبلغ المالي الذي تحتاجه مكلفا يجب أن يعرض عنها إلى لذة أقل منها كلفة.

    و جون ستيوارت ميل John Stuart Mill، الذي يحدّد السعادة من زاوية مادية وجماعية، والذي يستعمل مفهوم الخير باعتباره مجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها يسير في نفس اتجاه بنتام عندما أقر : "نعني بالمنفعة امتلاك أي شيء ننحو بفضله إلى تحقيق مصلحة، مكسب، لذة، خيرا او السعادة". وهو موقف غير بعيد على التصور الابيقوري، الذي يحدّد السعادة باعتبارها اللذة وغياب الالم تماما مثل التعاسة باعتبارها "الالم والحرمان من اللذة". إذ يعتبر أبيقور أن اللذة هي بداية الحياة السعيدة وغايتها فهي الخير الأول ومعيار الخير, فاللذة عنده هي إذن شرط الخير والخير شرط السعادة لكن بالتوازي اللذة هي الخير وهي السعادة بما أنها طبيعية في الإنسان. لكن عندما يعتبر أبيقور أن اللذة هي الخير لا يجعل من اللذة غاية كل فعل أخلاقي أي أنه رغم كونه يعتبر اللذة هي الخير الأول لا يقدم نظرية هيدونية لأنه يقدم اقتصادا كاملا في اللذة. فنحن لا نبحث عن اللذة إلا لندفع الألم لذلك فالسعادة عند أبيقور لا ترتبط باللذة الحسية فحسب وإنما تقتضي الحكمة التي توجهنا في إشباع اللذات.الحكمة واللذة هي طريق للسعادة التي تمثل عند أبيقور حالة تتميز بغياب الألم وبالتالي بغياب اللذة يسميها الأتراكسيا..


    3) السعادة و الرفاه :


    إن ما يجعل السعادة مثال أعلى، بالنسبة للنفعية، هو كونها مقصودة وفق إستراتيجيا جماعية و كونها ترتكز على الاعتقاد في التقدم التقني و الاقتصادي. ذلك أن تفاؤل فلاسفة الأنوار، جعلهم يربطون السعادة بتطور المعرفة و الذكاء الإنساني، تفاؤل يجد في إقرار روسو بخيرية الإنسان سندا له، مما جعل روسو يؤكد في كتابه «إيميل» على دور التربية في تحقيق سعادة الطفل، إذ ينادي روسو بضرورة ترك الطفل يتطور وفق طبيعته الخيرة. وهو ما يؤكد أن السعادة هي أساسا مثال أعلى، فكرة، شيء علينا تحقيقه لا فقط بالنسبة للأفراد بل لكل الناس، و من هنا بالذات يحصل الإنزلاق الذي يجعلنا نتحول من الإنسانية إلى النفعية كما تجلت عند بنتام وميل، ثم إلى المادية الصرفة و الفردانية التي غدت فيها السعادة اليوم مرادفة للرفاه.

    فأن نعتبر الخير كمجموع الخيرات التي يمكن الحصول عليها، و أن يبحث كل فرد عن أكثر لذة و أقل عناء، هو أن نعتبر سعادة الفرد جزءا من الرفاهة العامة. ذلك أن النفعية تتحدث عن السعادة في المستوى الاجتماعي، و بالتالي السعادة لكل الناس رغم كونها تختزل الخير في النافع. فالنافع هو ما يمكن من تحقيق الخير، وهو مفهوم سبق أن تحدث عنه أبيكتات و حتى سبينوزا، فالحكيم الرواقي يبحث عن النافع. غير أن النافع عند إبيكتات كما عند سبينوزا لا يرتبط بما هو مادي، في حين ننظر اليوم إلى النافع باعتباره نافعا ماديا. ذلك أنه بالنسبة للنفعية، لكي تكون السعادة شيئا يمكن توزيعه بطريقة عادلة بين الناس، يجب أن تكون مادية، فلكي تكون قابلة للقسمة يجب أن تكون قابلة للقياس، و بالتالي تتماهى السعادة مع الرفاه في المجتمعات الاستهلاكية.


    4) في تجاوز النفعية و سعادة الرفاه :


    إن الفردانية ليست فقط واقع ولكنها أيضا مثال أعلى، وإتباع حاجات الفرد كعنصر في المجتمع ليست فقط أمرا مقترحا بل يقدم كخير مطلق. فالمجتمع الاستهلاكي ليس فقط مادي، وذو نزعة مادية لأنه يكرس خطابا يسعى من خلاله لإقناع كلّ الأفراد، بل انه مثالي بطريقته، بما انه يقدم الرفاه كمثال أعلى، رفاه فردي ولكن رفاه فردي لكلّ الناس. وخطاب السوق هذا، ككل خطاب أيديولوجي، يزعم انه يقدم أجوبة لكل التساؤلات. وحول السؤال الذي قد يطرحه كلّ واحد منا: ما السعادة؟ يجيب يجتمع مجتمع السوق بدلا عنا. وإجابة المجتمع الاستهلاكي تقدم لنا مثالي السعادة كرفاه، وبهذه الكيفية يكون لكلّ الناس نفس مثالي السعادة. في حين أن كانط عندما أقرّ بان السعادة هي مثال أعلى للتخيل، كان يؤكّد على كون السعادة شأن شخصي. ولا يجب بالتالي أن نخلط بين تحقيق الرفاه وتحقيق السعادة. ثم إن المجتمع الاستهلاكي عندما يقدم مثال أعلى للسعادة الفردية كرفاه، ينولّد عن ذلك اغتراب الأفراد بالنسبة للاجتماعي، إذ يصبح لهم نفس المثالي الشخصي. والمجتمع الاستهلاكي الذي يدفعنا للفردانية، يدفعنا جميعا كالقطيع، وهذا النوع من الفردانية ليس مرادفا بالضرورة للتسيير الذاتي وللحرية.

    لذلك لابدّ من مراجعة طرح مسألة السعادة، بالعودة أولا إلى الفصل بين الايتيقيا والأخلاق، إذ لماذا تكون السعادة مسألة ايتيقية؟ لماذا علينا أن نختار بين أخلاق واجب وإيتيقا سعادة؟ لماذا لا يمكن التفكير فيهما معا؟ وبالتالي المصالحة بين الواجب والسعادة، بين الحرية وبالتالي الفردانية الحقة والخضوع للجبر الأخلاقي من جهة كونه طريق الكونية والانسانية.

    إن السعادة تطرح باعتبارها مثال أعلى وبالتالي لا كشيء معيش، وذلك ليس غريب بما ان السعادة تتحدّد كحالة اشباع كامل ومتواصل في الزمن، و كحالة اكتمال لا يمكن أن تكون السعادة شيئا معاشا، ولكن مع ذلك لا يجب الزهد في طلبها مثلما بين ذلك فرويد. إن السعادة هي حالة الرضاء التام والامتلاء لذلك تختلف عن اللذة التي هي رغد مستحب من طبيعة حسية. وإذا كانت السعادة تعني راحة تامة وتتقدم باعتبارها الخلود ذاته فإن اللذة زمانية فهي حركة ودينامية قد تطيلها وتضخمها الذاكرة والخيال, لكن السعادة تختلف أيضا عن الفرح ففي حين أن اللذة مجزأة فإن الفرح هو حالة وجدانية إجمالية إذ تمثل كما بين ذلك سبينوزا التحول من حالة كمال منقوصة إلى حالة أرفع منها, حالة تزيد فيها قوة فعل الجسد,أما السعادة فإنها ليست تحولا فالفرح ديناميكي في حين أن السعادة ستاتيكية فالسعادة التامة تبدو إذن مسألة يصعب تحقيقها رغم كون الأنساق الهيدونية كانت تقدم طرائق يفترض أنها تحقق السعادة كذلك الشأن الأبيقورية مثلا. و إذا كانت السعادة هي حالة الإشباع التام لكل الرغبات فإن ذلك يعني أن سبيل تحقيقها هو القضاء على كل ألم وإذا كان أبيقور ينظّر في أخلاقه إلى طرق تمكن من تجاوز الألم حتى وإذا كان ذلك بطريقة واهمة عبر الخيال والتخيل والتذكر فإن فرويد ينفي ذلك إذ يبدو أن الألم يتمادى مع الوجود الإنساني، إذ يجد مصدره في قوة الطبيعة وشيخوخة الجسد بل حتى في سلاح الإنسان ضد هذين المصدرين أي الحضارة, فالألم إذن يوجد في التركيبة النفسية للإنسان لكن إذا كان الألم متماد مع الوجود الإنساني فإن ذلك لا يجب أن يؤدي بنا إلى الزهد في الحياة وفي طلب السعادة إذ يبدو حسب روسو أن سعادة الإنسان لا تتحقق في السكينة التامة واستكمال الملذات بل تتحقق بالمكابدة والمجاهدة لأن الحياة التامة التي تتحقق فيها كل آمالنا و أحلامنا تعني الموت لأننا عندها كون محرومين من لذة الرغبة.

    و هكذا يمكن القول أنه، وفي مقابل السعادة، يتقدم الفرح كشيء معيش. وبالتالي كحالة ديناميكية غير ستاتيكية مثلما هو شأن السعادة. ولعلّ تفكير سبينوزا في الفرح وعلاقته بالمعرفة يمكننا من الجمع بين الواجب والسعادة فالمعرفة هي مجال الحرية الحقة بالنسبة إلى سبينوزا، والفعل الحسن عند سبينوزا هو البحث عما يسميه بالنافع الخاص، ولا يتعلق الأمر بالخيرات الخبرية التي تؤدي إلى الاغتراب مثل اللذة والشرف والثراء، بل على العكس من ذلك النافع الخاص يزيد من قوة فعل الفرد وقوة فعل المجموعة، والعقل هو الذي يحدّد هذا النافع الخاص، إذ المعرفة هي التي تمكن الفرد من أن يحقق ذاته بحسب رغبته، فالإنسان الحر حسب سبينوزا هو من يرغب في الخير. يقول سبينوزا "إن الإنسان الحر يرغب في العقل، في الحياة، في المحافظة على كيانه على أساس البحث عن النافع الخاص، هو ذاك الذي لا يفكر في الموت بل إن حكمته هي تأمل في الحياة"، وهذا الوجود الحر والسعيد والعقلاني هو جائزته، وليس هو نتيجة حساب، انه التعبير من الفرد ذاته عندما يحقق ذاته ذلك أن "الغبطة ليست جائزة الفضيلة ولكن الفضيلة ذاتها، ونحن لا نعيش الفرح لأننا نمنع رغباتنا الحسية، بل عكس ذلك لأننا نعيش الفرح نستطيع منع هذه الرغبات" والغبطة باعتبارها أرقى درجات الفرح تتقدم كحكمة ثابتة، والإنسان الحر يحقق الغبطة لأنه يحقق كمال ذاته.
     
    4 شخص معجب بهذا.
  5. foreverkais

    foreverkais عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏24 أوت 2008
    المشاركات:
    1.489
    الإعجابات المتلقاة:
    2.815
      05-05-2009 21:13
    السيادة والمواطنة


    يعتقد عامة الناس أن المواطنة تتلخص في الحضور المادي في بلد ما أو أنها تتلخص في مجموعة من الحقوق التي لا يقابلها أي التزام. وهذا الاعتقاد خاطئ لسببين أوّلا لأنه يقوم ضمنيا على خلط بين المواطن والمواطنة. وثانيا لأنه يخلط بين المواطنة وأصناف الانتماء الأخرى سواء كانت ثقافية أو دينية أو إيديولوجية أو اجتماعية في حين أن فهم المواطنة يقتضي تحديدها في علاقاتها بالسيادة السياسية وبالديمقراطية وهو ما تفطّن إليه أرسطو عندما أقرّ "المواطن كما حدّدناه هو على الخصوص مواطن الديمقراطية" والديمقراطية ليست شيئا آخر عدا سيادة الشعب للشعب، وهذا يعني أن المواطن هو عنصر فاعل في الحياة العامة، عنصر فاعل في المدينة، ذلك أن كلمة مواطن الفرنسية Citoyen مشتقة من كلمة Civitas اللاتينية والتي تعني المدنية أو الجمهورية وبالتالي الدولة، عنصر فاعل في المدينة يعني إذن عنصر فاعل في الاجتماع السياسي وبالتالي في الدولة التي يكونها الشعب الذي يمارس السيادة على نفسه.

    وفي النظام الديمقراطي المواطن هو من يشارك في السيادة الشعبية، فيمارس حقّ الانتخاب ويختار التوجهات العامة في تدبير شؤون الحياة السياسية، هذا الترابط بين المواطنة والديمقراطية جعل "جون جاك روسّو" يقرّ بأنه "حالما يوجب سيّد لا وجود بعد لشعب يتصف بالسيادة" فلا يمكن الحديث إذن عن مواطنة في إطار حكم استبدادي وبالنسبة لروسّو تسمح الارادة العامة بالمصالحة بين الحرية الفردية والسيادة الجماعية ذلك أنّ كلّ فرد يتعاقد مع كامل الجسم السياسي، وكلّ فرد هو صاحب سيادة وبالتالي يشارك في سيادة الدولة من جهة كونه مشرع مشارك في الحياة العامة ورعية في ذات الوقت من جهة كونه خاضع لقوانين الدولة التي شارك في تشريعها، وهو ما يتحقق في الدولة الديمقراطية.

    المواطن مسؤول إذن عن الحياة المدنية، فهو من يمارس المواطنة التي تتحدّد في هذا المنظور باعتبارها علاقة ولاء للسلطة السياسية وحماية للمواطن من هذه السلطة بما في ذلك الحماية الدبلوماسية للمواطن في غير وطنه. فالمواطنة هي المشاركة في الحياة السياسية، هي ممارسة وضمان للحقوق المدنية والسياسية، والمواطن هو فردٌ ينخرط في سلطة الدولة وفي حمايتها، وبالتالي يتمتع بحقوق مدنية ويقوم بواجبات تجاه الدولة التي ينتمي إليها. وفكرة الانتماء هذه تحيل إلى كون المواطنة ترتبط عموما بهوية وطنية خاصة، وبالتالي ترتبط المواطنة بالتحيّز الإقليمي والتاريخي الذي يعين متغيرات انتماء الأفراد. وفكرة الانتماء هذه تمثل مصدر خلط عامة الناس بين المواطنة والحضور المادي في بلد ما في حين أنّ المواطنة تتجاوز محدود الحضور المادي مثلما أقر ذلك "أرسطو" في قوله : "لا يكون المرء مواطنا بمحلّ الإقامة وحده".

    كما أنّ فكرة الانتماء تربط المواطنة بثقافة وطنية تغذيها الذاكرة الشعبية. وهذا الرابط بين المواطنة والثقافة الوطنية يمثل مصدر الخطأ الثاني الذي يخلط بين المواطنة وأصناف الانتماءات الأخرى، خاصة وأنّ هذا الخلط يفتح على مخاطر قد تؤدي إلى الاستبداد السياسي، بما أنّ هذا الخلط يقضي على التنوع والاختلاف الخلاق. وهذا يعني أن المواطن بقطع النظر عن انتماءه الثقافي أو الديني أو الاجتماعي أو الأيديولوجي يمارس، وبطريقته الخاصة، المواطنة كما تحدّدها قوانين الدولة التي ينتمي لها، ومن هنا بالذات تتولّد ضرورة التمييز بين المواطن والمواطنة.

    وهكذا يمكن أن نستخلص مما تتقدم أن المواطنة تتحدد في ثلاث مستويات:

    - المستوى الأوّل تتحدّد فيها المواطنة باعتبارها مثالي "Ideal" بمعني قيم محفزة.

    - وتتحدّد في مستوى ثاني باعتبارها مجموعة متمفصلة من المعايير السياسية والحقوقية، أي مجموعة من الحقوق والواجبات التي تضفي الواحدة منها الشرعية على الأخرى وتسهر السلطة السياسية على رعايتها بطريقة ما.

    - وهي في مستوى ثالث مجموعة الممارسات الفعلية التي يقوم بها المواطنون ليشاركوا بطريقة فعالة في تنشيط الحياة الجماعية في إطار الدولة.

    وباعتبارها قيم ومعايير وسلوكات اجتماعية فعلية لا يمكن القول بأنّ المواطنة طبيعية بل هي عنصر ثقافي يـُبنى تاريخيا وبالتالي مكسب يُمرّر كي يتواصل ويتطوّر، ولذلك ترتبط المواطنة بالديمقراطية وبالتالي بالسيادة.

    غير أنّ ارتباط المواطنة بالسيادة يجعلها على كفّ عفريت إذ تكون وضعيتها حرجة للغاية ويمكن أن يفقدها الفرد كلما عمد إلى نسيان طبيعتها أو كلّما فسدت الديمقراطية فالسيادة عند "روسو" كما هو الحال عند "منتسكيو" غير قابلة للقسمة ثم هي مطلقة بما أنها فوق القانون، إذ هي التي ترسي القانون، والخطر يتأتى من ربط السيادة بالدولة إذ قد تتماهى السيادة مع الدولة مثلما هو شأن الخلط بين الدولة والمجتمع المدني وهو خلط حذّر منه "هيغل" عندما نقد نظرية العقد الاجتماعي، فالخلط بين السيادة والدولة والمجتمع المدني والدولة يؤدّي إلى ما سمّاه "سان سيمون" بدولنة المجتمع l’Etatisation de la societe أي سيطرة الدولة على كلّ هياكل ومؤسسات المجتمع المدني فنسقط في نوع جديد من الاستبداد السياسي، ولكن نوع خطير بما أنه استبداد باسم الديمقراطية سمّاه "توكفيل" بالاستبداد الناعم. ثم إنّ المماهاة بين السيادة والدولة قد تؤدّي إلى تصوّرات تجزّئ السيادة مثلما هو الشأن مع "غروتيوس" الذي يحدّد السيادة باعتبارها مجموعة مهام يمارسها صاحب السيادة مثل سلطة "صكّ العملة"، سلطة إقامة العدالة... وكلّ المهام التي تقوم بها الدولة والتي تسمى في السجلّ السياسي الحقوقي المهامّ الملكية التي تؤسّس قوة الدولة والتي يمكن التفريط فيها، والسيادة بهذا المعنى تكون قابلة للقسمة ولذلك كان "روسّو" قد انتقد تصوّر "غروتيوس" للسيادة وأقرّ بكون السيادة كاملة وغير قابلة للقسمة. ذلك أنّ السيادة في معناها الدقيق هي السلطة العليا، و الذي يمارس هذه السيادة ليس له سلطة فوقه، فمهامه لا ترتبط بأي سلطة أعلى منه، وهو ما يتضمن كون صاحب السيادة حر بصفة كاملة و مستقل.

    وهذه الاستقلالية و الحرية للسيادة تتمظهر في مستوى الحق التأسيسي في الدول الديمقراطية، فالشعب حر في أن يشرع القوانين التي يريد، وحر في أن يراجع الدستور متى شاء، بل و حر حتى في تجاوز الدستور حسب بعض الحقوقيين. كما تتمظهر هذه الاستقلالية في مستوى القانون الدولي فكل شعب حر في تقرير مصيره و يتمتع بمساواة حقوقية مع بقية الشعوب. ذلك انه إن كانت سلطة السيادة عليا فإنها بالضرورة غير قابلة للقسمة وهي حق غير قابل للتصرف إذ لا تستطيع أن تكون عليا و أن تتنازل عن جزء من سلطتها لفائدة أي جهة أخرى في نفس الوقت. و من هذا المنطلق يميّز المنظرون الثوريون في الحق التأسيس بين السلطة العليا ( السيادة) و أجهزة الدولة. فبالنسبة لـ"روسو"، الدولة لا تمثل صاحب السيادة الفعلي فصاحب السيادة هو الشعب الذي لا يقاسم و لا يفوّت في إرادته، يقول روسو «إن السيادة التي ليست سوى ممارسة الإرادة العامة لا يمكن أبدا أن تكون محل تنازل». أمّا الدولة فهي من يعطي القوة الفعلية لهذه الإرادة، ذلك أنّ روسو يعتبر أن الشعب هو صاحب السيادة من جهة كونه يمثل الإرادة العامة، و سلطات الدولة ليست إلا تعبيرات عن هذه الإرادة فالدولة لا تتكلم و لا تفعل إلا باسم الشعب و بالتالي تجد الدولة دائما حدا داخليا لفعلها. و إذا كانت السيادة غير قابلة للقسمة أو التصرّف فيها، فإننا لا نستطيع أن نقول نفس الشيء عن سلطة الدولة التي يمكن أن تقسم و يمكن أن يفوت فيها جزئيا, لذلك فإن كل خلط بين السيادة و سلطة الدولة يؤدي إلى النظم الكليانية و بالتالي تهديد المواطنة بما أن المواطنة لا تتحقق إلا في النظام الديمقراطي، لكن النظام الديمقراطي السليم الذي يسعى إلى تحقيق العدالة و المساواة.

    و يجب أن نلاحظ أنه ثمة اليوم عدو آخر يترصد بالمواطنة و السيادة معا،إنه هيمنة الاقتصاد و السوق الكوني على السياسي، هيمنة تتجلى في العولمة كادعاء للكونية. وأول تداعيات العولمة على المواطنة تتمثل في تحويل المواطن إلى مستهلك في سيرورة تحويل وجهة عندما لا يتعلق الأمر بتحويل مقصود و معلن. و هذه العملية تنخرط في نزعة قوية تتمثل في الحط من شأن السياسة في مقابل إرادة الرفع من شأن السوق باعتباره المجال الكوني لسيادة المواطن. و هكذا تنحط المواطنة إلى ابخس تعبيرة عنها، و تتوقف حرية الاختيار لدى المواطن عند أنواع الاستهلاكيات في السوق, أما صناديق الاقتراع و بطاقات الانتخاب فتبدو في إيديولوجيا السوق تخلفا. و هذا الانزياح في معنى المواطنة الذي لا يكاد يرى, إذ يمرر باسم الديمقراطية ذاتها، يطرح مشكلا خطيرا على الإنساني، مشكل سلب عدد متزايد من الأفراد من مشاركتهم في السيادة، خاصة و أن الخيار الاستهلاكي لا يمثل خيارا عقلانيا بالنسبة للمصلحة العامة، لان المصلحة العامة لا تختزل في مجموع المصالح الخاصة بكل فرد، وهو بالذات ما تروج له الفردانية في النظم الديمقراطية المعاصرة حسب "توكفيل". و هكذا فإن الأفراد الذين ليس لهم الإمكانات المادية التي تمكنهم من الاندماج في المجتمع الاستهلاكي يجدون أنفسهم مستبعدين و محرومين من حق التعبير في الحقل العام مثلما عبر عن ذلك "هابرماس", والمواطنة التي كانت تمكن من تجاوز اللاعدالة في مختلف أصنافها و مختلف أبعاد الوجود الإنساني و التي كانت تمكن كل فرد من حق مساو في ممارسة السيادة الشعبية تركت مكانها للاستهلاك, و يبدو أن مجتمع السوق يعيد اليوم تأسيس نوع من حق الانتخاب الضرائبي في واقع تفشي الفساد السياسي في الديمقراطيات المعاصرة.

    و بما أن السوق لا يمكنه أن يعوض المنتدى الشعبي, إذ هو لا يمثل المجال الذي يستطيع كل فرد أن يمارس فيه اختيارا عقلانيا فإن الفرد المستهلك لا يمكن أن تكون له في السوق سلطة ديمقراطية، وتحوّل المواطن إلى مستهلك يعني نهائيا التخلي عن الديمقراطية الاجتماعية وظهور نوع جديد من النظام يسميه بعض المفكرين بالديمقراطية الشعبوية للسوق، نظام تختزل فيه السيادة الشعبية في علاقة تاجر ومستهلك. وهذا الواقع الذي شخصه "توكيفيل" في ما سمّاه بالاستبداد الناعم والذي حلله "أدورنو" و"هوركايمر" جعل "ماركوز" ينتهي إلى رؤية تشاؤمية في نقده للمجتمع الاستهلاكي ذلك أن مجتمع السوق المحكوم بأوامر ماركانتيلية خاصة، اوامر اقتصاد السوق، لا يؤسس العدالة الاجتماعية، خاصة وأن هذه الأوامر ليس لها ما يحدّها أو ما يعارضها في الوقت الراهن عدى بعض حركات المقاومة الشعبية المعزولة والتي تأخذ شكل مظاهر عنيفة أو مرضية وحتى لا عقلانية في منظور العولمة مثلما بين ذلك "بودريار" الذي يبدو أكثر تفاؤلا من "ماركور" بما أنه، على الأقل، يعتبر أن العولمة لا تستطيع أن تعلن نصرها طالما هناك مقاومة.

    غير أن الوضعية القانونية للمقامة تطرح مشكلا حقوقيا من وجهة نظر كانط، ذلك أنه "ليس ثمة أي مقاومة للشعب ضدّ الحاكم المشرع للدولة تكون مطابقة للحق"، فليس ثمة "حق عصيان" ولا "حق تمرّد". وكانط يذهب إلى أبعد من ذلك إذ يعتبر أن "أبسط محاولة في هذا الشأن هي خيانة عُظمى ومن يكون خائنا من هذا الجنس، باحثا على القضاء على وطنه لا يمكن أن يُعاقب بأقل من الموت". و في هذا الاقرار يبدو كانط وكأنه يتكلم على لسان أباطرة السوق، أولئك الذين ينعتون بالإرهاب كلّ محاولة للتصدّي لنجاحات اقتصاد السوق المعولم، وربما ما يبرّر هذا التحامل الكانطي على المقاومة، هو كون المشروع الكانطي يندرج في إطار بحثه عن تحقيق سلم دائم، وشأن كانط كفيلسوف هو أن يتحرّك وفق خلفية أخلاقية تجعله يرفض العنف في كلّ أشكاله حتى وإن كان مقاومة للطغيان، وكأن بكانط يسير على خطى "سقراط" عندما عرضوا عليه الفرار من السجن قبل إعدامه فرفض لأنه من واجبه احترام قوانين المدينة حتى وإن كانت جائرة. ولكن الفلسفة التي يمثل الاختلاف شأنها الملكي، جعلت ماركس يعتبر أن العنف الثوري الذي تمارسه الطبقة الكادحة هو عنف شرعي. فعندما يجعل الاستبداد بعنفه محلّ الحق والعدالة يجب مقاومته، فالاستبداد عنف ومقاومة هذا العنف لا تكون بالنسبة لماركس بالخطاب فحسب بل وأيضا بالقوة خاصة وأنها تبقى دينامية يمكن التحكم فيها في مقابل العنف الذي يمثل دينامية مجنونة.

    ورغم إدانة كانط للمقامة، فإنه ليس لنا أن ننسى إضافته في مستوى دعوته للكونية، إذ مكننا كانط من الربط بين مستويات المواطنة، بين مواطن الدولة والمواطن العالمي بطريقة تسمحُ بالمصالحة بين الحق وكرامة الإنسان، بين هوية وسيادة الشعوب وتآزر كلّ متساكني الكوكب بما في ذلك اللاجئين السياسيين الذين حرموا من حق حماية دولة خاصة. ذلك أن المواطنة العالمية عند "كانط" تقتضي الاعتراف بالآخر كآخر، فالآخر في هذا المنظور الكانطي ليس غريبا بصفة مطلقة وليس هو نسخة مطابقة للذات، والعالمية التي ينادي بها "كانط" تصالح بين خصوصية الشعوب والغيرية، تصالح بين الهوية والاختلاف، تبرز الكوني في الخصوصي والخصوصي في الكوني. ذلك هو شرط الحوار الأصيل الذي يمكننا من تجاوز المفارقة التي أحالت إليها "حنّا أرانت" بين الحقوق الكونية والتجمّعات الخصوصية، حسبنا فقط أن ننتبه إلى الاستبداد الناعم الذي شخصه "توكيفيل" والذي هو بصدد بسط سلطانه بخطى حثيثة في الديمقراطيات المعاصرة. ولكن علينا أيضا أن نحترس من العولمة والفضاءات الجديدة التي أنتجتها لتفعل فيما بعد الحدود الجغرافية وما قد تمثله من خطر على السيادة وبالتالي على المواطنة التي لا تتحقق إلا في ظلّ الديمقراطية، فالمواطنة تتكون عبر الحوار وتبادل الأفكار وهو ما يقتضي تفكيرا مناسبا حول دور الاعلام في المدينة، خاصة وأن الاعلام اليوم يتموضع في مشهد السوق ولا يهتم أبدا بتبادل الأفكار وإنما يهتمّ بخطابات الأوغاد والحمقى مثلما عبر عن ذلك "ميشال هنري" في كتابه "البربرية"، ثم إن دكتاتورية وسائل الاتصال تمنع كلّ نقد باسم حرية الصحافة. ونخشى اليوم من أن تهيمن الديمقراطية الاتصالية وأن تهيمن وسائل الاعلام فتغيب الديمقراطية، لذلك يجب استغلال العولمة لنعلن الواجب الملح اليوم، واجب رفعه "كانط" منذ الحداثة يتمثل في بناء مواطنة عالمية تتأسّس على الثلاثية: حرية، مساواة، وإخاء، لأنه أن يكون الواحد منا مواطنا عالميا هو أن يعرف وأن يفهم وأن يشارك في حوارات المدينة الذي تمثلها اليوم "القرية العالمية" واللاّتجانس ليس حاجزا وإنما هو مثلما بيّن ذلك "إدغار موران" عامل محرّر : "إنه يجعل الامبراطوريات القديمة والحديثة تنهار ويفضل التجارب والوضعيات الجديدة".
     
    5 شخص معجب بهذا.
  6. foreverkais

    foreverkais عضو مميز

    إنضم إلينا في:
    ‏24 أوت 2008
    المشاركات:
    1.489
    الإعجابات المتلقاة:
    2.815
      05-05-2009 21:15
    قراءة جديدة لفلسفة هيجل في الدولة



    مقدمــة:

    على العكس مما يقال عن فلسفة هيجل (1770-1831) بوجه عام، وفلسفته السياسية بوجه خاص أنها نظرية ميتافيزيقية ومثالية في الدولة، يهدف هذا المقال إلى إثبات خطأ هذا القول، وذلك بتوضيح الدلالات الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية لفلسفة هيجل في الدولة، وبتوضيح أن وراء اللغة المثالية التي استخدمها هيجل في فلسفته السياسية تكمن نظرية في الدولة تضاهي وتتفوق على النظريات الليبرالية والماركسية في نفس الوقت، كما أنها تتمتع بصحة ومصداقية إذا ما وضعناها في محكمة التاريخ، وبدلالات معاصرة إذا قارناها بالصورة التي اتخذتها الدولة بعد عصر هيجل.

    وبما أن ماركس (1818-1883) هو المصدر الأول الذي يعتمد عليه كل من يقيم نظرية هيجل في الدولة على أنها مثالية وميتافيزيقية ويرفضها من أساسها بناء على ذلك، وذلك لأن ماركس هو أول من قيمها هذا التقييم في كتابه "ملاحظات في نقد فلسفة الحق عند هيجل" الذي لم ينشر منه في حياته إلا المقدمة، فوجب علينا تناول هذا النقد الماركسي لنظرية هيجل في الدولة وتوضيح سوء الفهم الذي يسود هذا النقد، وفي المقابل توضيح أن فلسفة هيجل السياسية ليست مقطوعة الصلة بروح عصره وظروف مجتمعه، بل تعد استجابة للقضايا التي أرقت هيجل وعصره الذي شهد الثورة الفرنسية والحروب النابوليونية وعصر عودة الملكية Restoration. فهيجل نفسه هو الذي يعلن في تصديره لكتاب "أصول فلسفة الحق" أن "مهمة الفلسفة هي أن تفهم ما هو موجود، لأن ما هو موجود هو العقل .. وأن كلا منا هو ابن عصره وربيب زمانه. وبالمثل يمكن أيضا أن نقول عن الفلسفة أنها عصرها ملخصا في الفكر".

    سبق لعدد من الماركسيين الغربيين تناول فلسفة هيجل السياسية مثل لوكاتش وماركيوز وأدورنو، وما كان يشغل هؤلاء محاولتهم توضيح مثاليتها وبالتالي رفضها جملة على أساس أن ماركس قد استطاع تقديم نظرية سياسية بديلة عنها أكثر واقعية وارتباطا بالاقتصاد والمجتمع. وسبق أيضا لعدد من المفكرين ذوي الميول الليبرالية أن حكموا على فلسفة هيجل السياسية بأنها تنادي بالدولة الشمولية التسلطية وذلك مثل كارل بوبر وفريدريك هايك وبارسونز. وبالطبع ففي النصف الأول من القرن العشرين تم الربط بين فلسفة هيجل في الدولة وصعود النازية. وقد استخدمت فلسفته بالفعل في تدعيم بعض الأفكار الشمولية عن الدولة على يد كروتشة وباريتو في إيطاليا وبوزانكيت وبرادلي في بريطانيا. و لم تتخلص فلسفة هيجل السياسية من هذه التأويلات الخاطئة إلا ابتداء من النصف الثاني من القرن العشرين. ويهدف هذا المقال إلى توضيح أن فلسفة هيجل السياسية بعيدة تماما عن هذه التأويلات ومتفقة مع روح العصر أكثر مما اعتقد الكثيرون.

    والحقيقة أن هيجل نفسه يتحمل بعض المسئولية عن سوء فهم فلسفته السياسية، ونظريته في الدولة على وجه الخصوص. فقد استخدم عبارات أوحت للكثيرين بتفسيرات خاطئة، وبالتالي تم نقدها على أساس هذه التفسيرات. فيذهب هيجل مثلا إلى أن الدولة هي اكتمال مسيرة الإله على الأرض، وهي "الروح وقد وهبت نفسها التحقق الفعلي في مسار تاريخ العالم"، وهي "قوة العقل المحقق لذاته" (فقرة 258) وأن "الدولة هي الروح و قد تموضعت Objectivized" وأن "واجب الفرد الأسمى هو أن يكون عضوا في الدولة". الواقع أن اللغة المثالية المجردة التي استخدمها هيجل في فلسفته السياسية لا تعني أن نظرياته السياسية مثالية أو ميتافيزيقية، فوراء هذه اللغة تكمن أفكار اجتماعية وتاريخية وتحليلات أصيلة ونظرية واقعية في الدولة بها العديد من الدلالات المعاصرة التي تتفق مع روح الدولة الحديثة. لقد كان على هيجل نفسه أن يستخدم هذه اللغة المثالية المجردة وذلك كأسلوب اختزالي للتعبير عن أفكار كثيرة وهامة في عبارات قليلة و قصيرة.

    ألم يقل هيجل نفسه إن الفلسفة هي عصرها ملخصا في الفكر؟ وفلسفته هو على وجه الخصوص هي عصرها ملخصا في الفكر. فانظر كيف يكون هذا الفكر الذي يلخص عصرا بأكمله، وهو عصر التحولات الكبيرة في التاريخ والفكر، عصر الثورة الفرنسية والتنوير. وبالطبع سوف يكون هذا الفكر غاية في التجريد للتعبير عن خبرات مثل هذا العصر المحوري من تاريخ العالم. كل ما هنالك أن لغة هيجل وفلسفته تحتاج إلى ترجمة لكي يتم فهم و تقدير معناها ومغزاها السياسي، وفي نفس الوقت لإدراك دلالاتها المعاصرة. فإذا كانت فلسفة هيجل السياسية هي نظرية فلسفية في الدولة الحديثة، فسوف نحاول ترجمتها إلى نظرية سياسية في الدولة الحديثة.

    نقد نظريات الحق الطبيعي والعقد الاجتماعي:

    لا يمكن فهم فلسفة هيجل في الدولة إذا اقتصرنا على تناول كتابه "أصول فلسفة الحق"، فلهيجل كتابات في النظرية السياسية سبقت "فلسفة الحق" بعضها نشره في حياته مثل "نظريات الحق الطبيعي"، وبعضها الآخر كان ملاحظات كتبها هيجل لاستخدامها في محاضراته أثناء تدريسه في جامعة "يينا" Jena ، ولم تنشر إلا في القرن العشرين. تحتوي هذه الأعمال المبكرة على نقد لنظريات الحق الطبيعي Theories Natural Right والعقد الاجتماعي Social Contract Theories ، وهي جزء لا يتجزأ من فلسفته السياسية، ولا يمكن فهم فلسفته في الدولة بدونها.

    يعارض هيجل اتجاه الفلسفة السياسية الحديثة منذ هوبز ومرورا بلوك وهيوم وروسو في تحليل الحياة السياسية إلى أدق تفاصيلها وأصغر مكوناتها والرجوع إلى الأفراد باعتبارهم الذرات المكونة لأي نظام سياسي، وهو بذلك يقف ضد النـزعات الفردية Individualism والذرية Atomism السائدة لدى الليبرالية. ويرفض هيجل بدء نظريات الحق الطبيعي والعقد الاجتماعي بالفرد بناء على أن وعي الفرد بذاته باعتباره فردا لا يمكن أن يكون معطى أوليا مبدئيا، بل هو نتيجة عملية تمايز واختلاف عن البيئة الأصلية للفرد، عملية تتصف بأنها تاريخية واجتماعية. إن بدء الفلسفة السياسية الحديثة بفرد عاقل وناضج بالكامل دليل على عدم إدراكها لتاريخية الوجود البشري وعدم انتباهها لعمليات التطور التي مر بها الفرد حتى يكون فردا وحصل على وعي بفرديته. والحقيقة أن هيجل في "فينومينولوجيا الروح" يعطينا وصفا لعملية الرقي التدريجي للوعي من أولى مراحل اليقين الحسي والارتباط اللامتمايز بالطبيعة حتى الوصول لمرحلة العقل الواعي بذاته. ومن هنا يمكن النظر إلى فينومينولوجيا هيجل على أنها تقدم بديلا لنظرة نظريات الحق الطبيعي والعقد الاجتماعي للفرد.

    ولا ينظر هيجل إلى الحق على أنه طبيعي، أي صادر عن طبيعة بشرية ثابتة وأزلية وواحدة لدى جميع الشعوب في كل زمان و مكان، بل على أنه تاريخي ونتيجة صراع تاريخي طويل. فقد صور فلاسفة العقد الاجتماعي حق الملكية على أنه مستمد من الحق في حفظ الحياة والوجود المادي للإنسان، فالملكية من بين عناصر طبيعة إنسانية ثابتة. أما هيجل فيعالج حق الملكية بطريقة مختلفة. فحق الملكية عنده مرتبط بالإنسان كإنسان له إرادة وروح ووعي، بينما عالجه لوك على أنه مرتبط بالطبيعة البيولوجية الحيوانية للإنسان. والذات عند لوك تقف في مواجهة الطبيعة وتأخذ منها ما يشبع احتياجاتها البيولوجية، أما في فلسفة هيجل فإن كلا من الذات والعالم الخارجي يشكلان بعضهما البعض في حركة جدلية. فالذات تحول العالم الطبيعي إلى جزء من عالمها الإنساني عن طريق العمل، والعالم الطبيعي يساعد الذات على أن تخرج عن ذاتها و يتجسد نشاطها في صورة مادية. وعندما يذهب هيجل إلى أن الإنسان يجعل من أشياء العالم الخارجي أجزاء من عالمه الإنساني عن طريق العمل فهو بذلك يرفع مكانة الشخصية الإنسانية فوق الطبيعة البيولوجية.

    تحمل فلسفة هيجل تصورا اجتماعيا عن حق الملكية يختلف عن التصور ذي النـزعة الفردية السائد لدى ليبرالية هوبز ولوك. فالملكية عند لوك هي علاقة بين الناس والأشياء، ولذلك تظهر حرية الآخرين على أنها قيد على حريتي أنا، بما أن الآخرين يمنعونني من الامتلاك اللامحدود ويقيدون رغبتي في الاستحواذ اللانهائي. أما عند هيجل فإن حقوق الملكية تظهر في نظام من الاعتراف المتبادل Mutual Recognition لإرادات وحقوق الآخرين. فحقوق المجموع هي أساس تحقق حقوق أي فرد. وهنا يتضح المفهوم الهيجلي المميز عن العقد Contract ، فالعقد يظهر في مجال الاعتراف المتبادل: فأنا أحوز على ملكية شيء معين لا عن طريق إرادتي الذاتية بل عن طريق إرادة أشخاص آخرين، وبالتالي أحتفظ بهذه الملكية لكوني مشاركا في إرادة عامة مشتركة. والملاحظ هنا أن هيجل يؤسس حق الملكية في مجال اجتماعي قائم ويرجع هذا الحق إلى فعل الاجتماع البشري، وذلك عكس ما ذهبت إليه نظريات الحق الطبيعي والعقد الاجتماعي من تأسيس هذا الحق في حالة الطبيعة الأولى السابقة على الاجتماع.

    لا يوافق هيجل على الفكرة الليبرالية التي تذهب إلى أن أصل المجتمع هو إجتماع أفراد أحرار ومتساوين وعقلانيين واتفاقهم على إيجاد نظام يكفل حقوقهم ويحميها. فالحقيقة أن الفردية والحرية والحقوق وتساويها ليست موجودة في حالة سابقة على الاجتماع البشري ويأتي النظام السياسي ليحميها، فهي أشياء من صنع الاجتماع السياسي نفسه، وبالتالي لا يمكن الذهاب إلى أن النظام السياسي ظهر إلى الوجود لحفظها وحمايتها،لأنها ليست أسبابا لظهور السياسة، بل هي أهداف يحققها التفاعل السياسي. لقد صادرت الليبرالية على ما تريد إثباته، إذ افترضت وجود الحريات والحقوق قبل الاجتماع السياسي في حين أن هذه الأشياء هي الغايات النهائية للاجتماع السياسي.

    وتتضح مواجهة هيجل لنظريات الحق الطبيعي والعقد الاجتماعي من تناوله لمفهوم الحرية. فتفترض هذه النظريات وجود الحرية كاملة في الحالة السابقة على التنظيم السياسي، وهذه الحرية الكاملة تدفع الناس إلى الصراع وتكون حربا للكل ضد الكل. ولكي يتم التغلب على هذا الوضع يتفق الناس ويجمعون على التنازل عن جزء من حرياتهم الأصلية في سبيل إنشاء نظام سياسي يعمل على تحقيق الأمن والردع وتطبيق القانون. حالة الاجتماع السياسي إذن هي حالة تخل عن جزء من الحرية ومن الحق الطبيعي للأفراد. ومن هنا يذهب هيجل إلى أن الليبرالية تنظر إلى الدولة على أنها قيد خارجي على حرية المرء، ونظام فرضته ضرورة خارجية وليس نتيجة للتطور الاجتماعي والسياسي للبشرية. وعلى الجانب الآخر يذهب هيجل إلى أن الأفراد لا يتخلون عن جزء من حرية أو حق للدخول في النظام السياسي، بل يتخلون عن الإرادة الهوجاء والعنف والهمجية الناتجة عن اختفاء النظام السياسي. فليست هناك حريات أو حقوق قبل الاجتماع السياسي.

    ويرفض هيجل القول بأن اختفاء الدولة في حالة الطبيعة الأولى كان اختفاء لأي اجتماع سياسي أو تعاون اجتماعي من أي نوع. فقد بحث هيجل نفسه في التاريخ عن فترات اختفت فيها الدولة وجعلها معيارا للحكم على مفهوم حالة الطبيعة الأولى لدى نظريات الحق الطبيعي والعقد الاجتماعي. ففي محاضراته في فلسفة التاريخ تناول هيجل فترة الانتقال التاريخية من العصور الوسطى إلى العصر الحديث. ففي هذه الفترة لم تكن الدولة الحديثة قد ظهرت بعد، كما اضمحلت فيها سلطات الملكيات القديمة، وكانت فترة وسيطة بين فترتين تاريخيتين شهدتا دولا كبيرة قوية هي فترة العصر القديم الذي شهد دول مصر والصين والهند واليونان والرومان، وفترة العصر الحديث الذي شهد ظهور دول أوروبا الحديثة. ففي فترة اختفاء الدولة في العصور الوسطى شهد المجتمع الأوروبي صعود العديد من طوائف واتحادات التجار والحرفيين والفرسان والنبلاء وذلك لمواجهة حالة الفوضى واللانظام واختفاء الدولة. فعندما وجدت حالة طبيعة أولى حقيقية في التاريخ، أي حالة اختفاء للدولة، لم تكن هذه الحالة مكونة من أفراد متصارعين كما تذهب الليبرالية، بل من تنظيمات اجتماعية وطوائف ونقابات ذات طابع خاص.

    وفي مقابل النـزعات الفردية والذرية لهذه النظريات، يضع هيجل مقولة المجتمع الإنساني Community باعتباره كلا أخلاقيا لا يمكن أن يرد إلى أفراده المكونين له وسابق عليهم، بمعنى أنه هو الذي يعطيهم هويتهم وتفردهم ذاته. ويستعين هيجل هنا بالفكرة اليونانية القديمة عن دولة المدينة Polis ليعطي بها مثالا عما يقصده بالمجتمع الإنساني السياسي Political Community . فهيجل يريد إثبات أن أي نظرية فلسفية في المجتمع يجب عليها ألا تنطلق من أفعال الأفراد المنعزلين، بل من الروابط الأخلاقية - المعيارية والقيمية- التي يتحرك خلالها الأفراد. (دوركايم)

    رفض النظرية الليبرالية في الدولة:

    النظرية الليبرالية في الدولة هي نظرية تعاقدية Contractual، فالدولة تنشأ طبقا لهذه النظرية بناء على عقد اجتماعي يتم باتفاق وإجماع الأفراد. يذهب هيجل إلى أن هذه النظرية تخلط بين مجالين متمايزين هما مجال الدولة ومجال المجتمع المدني، وتأخذ نموذج العقد من مجال المجتمع المدني لتطبقه على الدولة، ويعد هذا في نظره خطأ منطقيا وتاريخيا في نفس الوقت. يقول هيجل في "أصول فلسفة الحق" : "إذا خلطنا بين الدولة والمجتمع المدني، وجعلنا الغاية الخاصة من الدولة الأمن وحماية الملكية الخاصة والحرية الشخصية- لكانت مصلحة الأفراد بما هم كذلك الغاية النهائية التي اجتمعوا من أجلها، وينتج عن ذلك أن تكون عضوية الدولة مسألة اختيارية. غير أن علاقة الدولة بالفرد شيء مختلف عن ذلك أتم الاختلاف.. إن الفرد لن تكون له موضوعية ولا فردية أصيلة ولا حياة أخلاقية إلا بوصفه عضوا من أعضائها. إن الاتحاد الخالص والبسيط هو المضمون الحقيقي والهدف الصحيح للفرد، ومصير الفرد هو أن يعيش حياة كلية جماعية". الحقيقة أن الفقرة السابقة ليست مجرد نقد للنظرية الليبرالية في الدولة، بل هي نقد للمفهوم البورجوازي عن الدولة، ونقد للدولة البورجوازية القائمة بالفعل في عصر هيجل وطوال القرن التاسع عشر.

    لا ينتج عن التصور الليبرالي للدولة إلا دولة خارجية، دولة البورجوازية. يقول هيجل: "في عملية السعي نحو تحقيق الغايات الأنانية.. يتشكل نظام كامل من الاعتماد المتبادل، حيث يتداخل نسيج حياة الفرد و سعادته ووضعه القانوني مع حياة جميع الأفراد الآخرين وسعادتهم وحقوقهم، ولا تكون هذه الحقوق مضمونة إلا داخل هذا النظام المترابط. ويمكن النظر إلى هذا النظام.. على أنه الدولة الخارجية، أي الدولة التي تقوم على أساس الحاجة "، أي الدولة الليبرالية التي تعمل على حفظ حقوق الملكية الفردية الخاصة، أي الحقوق البورجوازية. إنها الحكومة المحدودة Limited Government أو دولة الحد الأدنى Minimal State في الأدبيات الليبرالية.

    يرفض هيجل أن يؤسس الدولة على علاقات تعاقدية، أو أن يختزل طبيعتها وماهيتها في العلاقات التعاقدية. وهناك ثلاثة أسباب تجعله يرفض العلاقات التعاقدية كأساس للدولة؛ فهذه العلاقات مجردة Abstract وعارضة Contingent ومتمركزة حول الذات Self-Centered. أما عن كون العلاقات التعاقدية مجردة فيذهب هيجل إلى أن السبب في ذلك يرجع إلى التعاملات المادية في المجتمع المدني. ففي سياق المجتمع المدني لا يجمع شخصين إلا كونهما مالكين، ولا يوجدان بالنسبة لبعضهما إلا باعتبارهما كذلك. فأنت لا توجد بالنسبة لي إلا باعتبارك مالكا، والعكس صحيح، كما أنني لا أعترف بك إلا لأنك تحوز على شيء أحتاجه وأبغي مبادلته معك بشيء ملكي أنت تحتاجه. وفي العقود لا تكون هناك علاقة بين شخصين إلا علاقة المصلحة المادية. ويحكم هيجل على العلاقة التعاقدية بأنها مجردة لأنها تجرد الإنسان من كل جوانب وجوده وإمكاناته إلا الجانب المادي، ولا تنظر إليه إلا باعتباره مالكا، ولا شأن لها بما يعطيه ماهية وهوية. وعلى العكس من العلاقات التعاقدية تتأسس الدولة على البشر بجميع هوياتهم، لا بتجريد أو اقتطاع جزء منها، وعلى الوجود الاجتماعي للإنسان لا مجرد وجوده الاقتصادي. وفي حين تكون العلاقات التعاقدية عارضة واعتباطية، تتأسس علاقات المجتمع الإنساني السياسي Political Community على العقل والضرورة العقلانية.

    يصر هيجل على أن تكون الدولة غاية لا مجرد وسيلة ويرفض التفكير فيها باعتبارها وسيلة لتحقيق أي مصلحة شخصية. والحقيقة أن ماركس قد فقد الأمل في الدولة القائمة في عصره لنفس السبب، أي لكونها تحولت إلى وسيلة وأداة لتحقيق المصالح الشخصية والجزئية للبورجوازية. كما نقد ماركس مفهوم الدولة عند هيجل في نفس الوقت، فعندما يقول هيجل أن الدولة هي الغاية المطلقة والنهائية للوعي الذاتي الفردي، فإن هذا قد يعني بسهولة الخضوع للدولة وذوبان الأفراد فيها، وهذا هو ما فهمه ماركس بالضبط. ولذلك لم يلجأ ماركس إلى أي مفهوم عن الدولة لحل أزمات الرأسمالية وتناقضاتها، بل تخلى عن خيار الدولة في سبيل خيار آخر هو الثورة الاشتراكية وتحطيم الدولة البورجوازية القائمة. لكننا سوف نوضح في الصفحات التالية أن ماركس كان مخطئا في التخلي عن خيار الدولة.

    يذهب هيجل إلى أن التعامل مع الدولة باعتبارها آلية للحصول على غايات خارجية ومادية، وباعتبارها تنظيما يعمل على إشباع حاجات الناس يخرجها عن طابعها الأخلاقي ويؤدي في النهاية إلى الفساد السياسي والانهيار الاجتماعي، ويؤدي كذلك إلى انهيار الدولة ذاتها. وهذا هو ما حدث للدولة الرومانية وأدى إلى انحلالها الداخلي قبل سقوطها على أيدي البرابرة بزمن طويل. وتتمثل القوة النقدية في فلسفة هيجل السياسية في أنه يعتقد أن بذور الانهيار هذه ليست شيئا من الماضي وحسب، بل إنها موجودة في عصره بتمامها وكمالها. والجدير بالملاحظة أن بذور الانهيار التي يتحدث عنها هيجل هنا هي النـزعة الفردية والتعامل مع الدولة باعتبارها وسيلة لتحقيق غايات اقتصادية جزئية، وهي في حقيقتها سلبيات البورجوازية وتصورها عن الدولة، وسلبيات الاقتصاد الرأسمالي. وبذلك يكون هيجل قد سبق ماركس في تشخيص الأزمة الأساسية للمجتمع الرأسمالي. لكن ما الحل الذي يقدمه هيجل لهذه الأزمة، تلك التي يسميها تناقضات المجتمع المدني؟ يتمثل الحل في مفهومه عن الدولة، فهي في نظره القادرة على علاج هذه التناقضات.

    لكن نقد هيجل للدولة الليبرالية لا يقف عند هذا الحد. فهو يذهب إلى أننا لو نظرنا إلى الدولة ببساطة على أنها امتداد للمجتمع المدني، وإلى المجتمع المدني على أنه مكون من شبكة من العلاقات التعاقدية الاقتصادية، فمن الطبيعي أن نفكر في الحياة السياسة باعتبارها مظهرا خارجيا للتعاملات المادية في المجتمع المدني، أو بناء فوقيا وانعكاسا للبناء التحتي الاقتصادي والحياة الاقتصادية بتعبير ماركس. يقول هيجل: "ولو أن الدولة ظهرت كوحدة من الشخصيات المختلفة، أي كوحدة هي أشبه بالشركة فحسب، فإن المقصود عندئذ حقا هو المجتمع المدني. ولم يكن في استطاعة كثير من المشرعين الدستوريين المحدثين أن يقدموا نظرية عن الدولة سوى هذه". إن مفهوم هيجل عن الدولة إذن يختلف عن مفهومها لدى "كثير من المشرعين الدستوريين المحدثين". من هم هؤلاء ؟ هم منظرو الدولة في إنجلترا وفرنسا، منظرو الدولة الليبرالية البورجوازية. وقد درس ماركس نفس هؤلاء المنظرين في شبابه، لكنه لم يقدم نقدا لنظريتهم في الدولة لأنه رأى أن فلسفة هيجل السياسية متقدمة عنها وهي التي تستحق النقد، ولذلك قدم نقدا لفلسفة هيجل في الدولة. ومن هذا العمل المبكر لماركس اتضح أنه لن يلجأ إلى أي مفهوم عن الدولة، والمفهوم الهيجلي بوجه خاص، لحل أزمات عصره. الحقيقة أن ماركس قد استبدل الثورة الاشتراكية بالمفهوم الهيجلي عن الدولة. لكن هل كان محقا في ذلك؟ هذا ما ستكشف عنه الصفحات التالية.

    إذا نظرنا إلى الدولة على أنها شركة أو جهاز يضمن الحقوق الفردية البورجوازية وحسب، فإننا لا نتكلم في الحقيقة إلا عن المجتمع المدني البورجوازي. لقد وصل هيجل إلى الحدود النهائية للدولة البورجوازية والمجتمع المدني البورجوازي، أي للرأسمالية ودولتها، وحاول وضع البديل بمفهومه عن الدولة. لكن لكي نفهم ما هو المفهوم الهيجلي للدولة يجب علينا تناول النقد الذي وجهه هيجل للمجتمع المدني البورجوازي، فدولة هيجل ليست مجرد بديل عن النظرية الليبرالية في الدولة، بل علاج لسلبيات وتناقضات المجتمع المدني البورجوازي.

    هيجل و الثورة الفرنسية:

    ماذا يحدث عندما توضع المبادئ السياسية الليبرالية موضع التطبيق؟ يجيب هيجل على هذا التساؤل بتناوله للثورة الفرنسية، فهي التي وضعت هذه المبادئ بالفعل موضع التطبيق. كان هيجل متحمسا للثورة ويقدرها تقديرا عاليا، لكنه في نفس الوقت أدرك تناقضاتها وتلازم إنجازاتها مع سلبياتها، أي مع عدم قدرتها على الإتيان بنظام سياسي ثابت وتدعيمه، كما كانت عينه دائما على عدم قدرة أي نظام سياسي أتى بعد الثورة بما فيه عصر عودة الملكية في تحقيق الاستقرار السياسي والخروج من مصاعب الثورة وآثارها الجانبية.

    يوجه هيجل نقده للثورة الفرنسية من منطلق أنها استندت على فكرة الإرادة العامة General Will عند روسو. فقد ذهب روسو إلى أن الحكومة تقوم على رضاء المواطنين وعلى إرادتهم العامة، وإذا لم يحصل النظام السياسي على رضاء وموافقة هذه الإرادة العامة كان من حق المواطنين الثورة عليه. أدت فكرة الإرادة العامة هذه كما فهمتها الثورة الفرنسية إلى الفوضى والإرهاب. فقد تم النظر إلي هذه الإرادة العامة على أنها إرادة المجموع Collective Will، أي جماع إرادات الأفراد في المجتمع. وفي التطبيق العملي تنقلب إرادة المجموع بسهولة إلى أن تكون مرادفة لرأي الجمهور من الغوغاء والدهماء، ولذلك تحولت الثورة إلى الفوضى وانتهت بالإرهاب نتيجة لأنها أعطت مضمونا سياسيا لأهواء الجمهور المتقلبة.

    لم تكن فكرة الإرادة العامة إلا مفهوما صوريا فارغا بدون مضمون، ولم تكن تصلح إلا لهدم النظام القديم، إلا أنها لا تصلح لتأسيس نظام جديد. فليس هناك معيار للتوصل من هذه الإرادة العامة إلى الاتفاق العقلاني الكلي، فما هو هام ليس وحدة في العواطف والمشاعر لدى الجماهير، بل الوصول إلى إرادة كلية Universal Will مؤسسة على العقل. وطالما نظرت كل إرادة فردية لنفسها على أنها معبرة عن الإرادة العامة حدثت الفوضى. لم يستطع روسو أن يحدثنا عن مضمون هذه الإرادة العامة، أي ما تريده هذه الإرادة. الإرادة العامة عند روسو تحدد إجراء صوريا شكليا لتأسيس النظام، إلا أنها لا تقول لنا ما هو هذا النظام. فهذه الفكرة تدور إذن في عالم الوسائل لا في عالم الغايات التي يقابلها روسو بالحياد ولا يتكلم عن مضمونها. والحقيقة أن الإرادة العامة عنصر يتحقق بعد تأسيس الاجتماع السياسي، أو هو أحد وظائف وأهداف هذا الاجتماع السياسي. فأي إرادة عامة أو شعبية تتطلب مجتمعا سابقا عليها وقائما بالفعل قبل أن تصبح فعالة وذات تأثير، لكنها لا تؤسس هذا المجتمع من البداية كما يذهب روسو. وبذلك يكون روسو قد افترض مسبقا ما كان يجب أن يؤسسه.

    كما فهمت الثورة الفرنسية مبدأ الحرية بطريقة صورية ومجردة، فالحرية في نظرها ذاتية وتتمثل في استقلال فردي خالص. ومن هنا انعزلت إرادات الأفراد عن أي سياق عام، وهذا ما أدى إلى الفوضى والإرهاب. أما المبدأ القائل أن العقل يجب أن يحكم العالم فقد أسئ فهمه على أنه يعني أن عقل كل فرد يجب أن يكون ذا أثر فعال على الأحداث، وهذا ما جعل الجماهير في حالة دائمة من الهياج معتقدة أنه مشاركة سياسية وديمقراطية فعالة، في حين أنها كانت الفوضى. كما تحولت الفضيلة المدنية على يدي الثورة إلى ذاتية متطرفة وبذلك تعاقبت الحكومات الكثيرة أثناء الثورة وتعاقبت الدساتير دون تحقيق استقرار.

    ويوجه هيجل نقده لليبرالية الثورة الفرنسية قائلا: "لا ترضى الليبرالية… بوجود تنظيم سياسي تظهر فيه دوائر متعددة من الحياة المدنية ذات وظيفة محددة لكل منها، ولا بذلك التأثير على الشعب الذي يمارس من قبل الأعضاء المثقفين في المجتمع والثقة التي يجب أن تكون تجاههم. وفي مقابل كل ذلك ترفع الليبرالية المبدأ الذري Atomistic الذي يصر على الفاعلية السياسية للإرادات الفردية، ذاهبة إلى أن كل حكومة يجب أن تنبع من سلطة هؤلاء الأفراد وتحصل على موافقتهم العلنية. إن الجماعة التي تناصر هذا الجانب الشكلي من الحرية - و هذا التجريد - لا تسمح لأي تنظيم سياسي أن يؤسس على دعائم ثابتة". والحقيقة أن هيجل في هذا النص وفي نقده للثورة الفرنسية بوجه عام إنما ينقد مبدأ الديمقراطية المباشرة، إذ يتضح من هذا النقد أنها خرافة. إذ كان هيجل دائم الإصرار على أن الدولة الحديثة تتصف بدرجة عالية من التعقيد وتعدد الأجهزة والوظائف بحيث لم تعد الديمقراطية المباشرة تصلح في ظلها. فالاعتقاد في إمكانية مشاركة الأفراد المنعزلين مشاركة مباشرة في تسيير شئون الدولة كما كان يحدث في دولة المدينة اليونانية يعد سذاجة سياسية ووهما ديماجوجيا.

    تقوم فكرة الديمقراطية المباشرة، وخاصة كما فهمتها الثورة الفرنسية، على مسلمة أساسية وهي النظر إلى الإرادة السياسية على أنها هي إرادات الأفراد. ويذهب هيجل إلى أن الفوضى والإرهاب الناتجين عن الثورة الفرنسية هما نتيجة التوحيد بين الإرادة الفردية الطبيعية المباشرة والإرادة السياسية، أي الاعتقاد في أن إرادات الأفراد المنعزلين والمشتتين يمكن أن ينتج عنها إرادة سياسية عامة وكلية. ويحكم هيجل على فكرة الديمقراطية المباشرة بأنها ساذجة وديماجوجية لأنها تحل إشكالية العلاقة بين الفرد والدولة بأن تجعل الأفراد مسيطرين مباشرة على الدولة ويستخدمونها كأداة لتنفيذ ما يشاؤون. وهي ساذجة لأنها لا تدرك طبيعة الدولة الحديثة، إذ ينقصها تصور واضح عن دور المؤسسات الوسيطة بين الفرد أو المجتمع المدني والدولة. فبينما تصر النظريات الليبرالية على الفصل الحاد بين الحياة الخاصة والحياة العامة، فإن فلسفة هيجل لا تعترف بهذا الفصل، ويصر هيجل في فلسفته السياسية على ضرورة وجود مؤسسات أو تنظيمات تتوسط بينهما تعمل على رفع مستوى المصالح والاهتمامات الفردية الخاصة إلى مرتبة الحياة العامة السياسية. والمؤسسات الوسيطة التي يقصدها هيجل هي النقابة والطبقة، وسوف نتوسع في الحديث عنهما عندما نأتي لتناول نظريته في الدولة.

    لكن لنا ملاحظة حول مفهوم المؤسسات الوسيطة. يتحدث هيجل عن النقابة والطبقة باعتبارهما من المؤسسات الوسيطة في الجزء المتعلق بالدولة في كتابه "أصول فلسفة الحق"، ولهذا دلالة كبيرة، فهو يريد أن يقول أن هذه المؤسسات الوسيطة تنتمي للدولة أكثر من انتمائها للمجتمع المدني، فالحياة السياسية التي تعد الدولة تجسيدها العيني هي هدف المؤسسات الوسيطة، أي أن هدفها هو هدف الدولة نفسه. والأهم من ذلك أن التوسط بين الفرد والدولة ليس من وظيفة النقابة والطبقة فقط، فهما يقومان بالتوسط بالمعنى السياسي الضيق. وإذا بحثنا في فلسفة هيجل كلها سوف نجد أشياء أخرى كثيرة تقوم بهذه الوظيفة، وترفع الأفراد إلى مستوى الحياة السياسية العامة، وذلك مثل الدور الذي تقوم به الفلسفة نفسها، وفلسفة هيجل على وجه الخصوص. إذ تهدف "فينومينولوجيا الروح" إلى الرقي بالوعي الفردي والوصول به إلى إدراك العقل، أما فلسفته في التاريخ فتهدف إلى توضيح أن العقل يتحقق في التاريخ، وذلك بالتدريج وعبر مراحل حتى يصل إلى أقصى مراحل التحقق في الدولة الحديثة.

    وافق هيجل نظريات العقد الاجتماعي والليبرالية على ذهابها إلى أن السياسية والمؤسسات السياسية الحديثة يجب أن تؤسس على وعي المواطنين، إذ ذهبت تلك النظريات إلى أن الشرعية السياسية يجب أن تؤسس على الإرادة، وهذا هو ما وافق فيه الثورة الفرنسية. إلا أن هذه النظريات، ومعها الثورة الفرنسية، فهمت الإرادة بصورة خاطئة مغرقة في الفردية وبطريقة جزئية وخاصة. وبذلك تفشل في تلبية مطلب هام وهو أن تكون هذه الإرادة مساهمة بفاعلية في النظام السياسي وجزء منه، بأسلوب يختلف عن الأسلوب الديماجوجي للثورة الفرنسية. يؤدي هذا التصور الضيق عن الإرادة إلى نظام تكون فيه السياسة مقامة من أجل مصالح الأفراد. إن تكوين نظام سياسي وعقلاني ومرض عند هيجل يتطلب إرادة جماعية كلية لا إرادة فردية جزئية، أما الإرادة العامة عند روسو وكما فهمتها الثورة الفرنسية فما هي إلا مجموع الإرادات الفردية الجزئية. ويرى هيجل أن المفهوم الليبرالي عن الإجماع Consent كما يظهر في نظريات العقد الاجتماعي مغرق في التلقائية والاختيارية والجزئية بطريقة تعوقه عن أن يقوم بالدور التأسيسي الموكل إليه في هذه النظريات. والحقيقة أن فلسفة هيجل السياسية هي محاولة للوصول إلى أسس بديلة أكثر عمومية وشمولية لتأسيس الشرعية السياسية. وبما أن الشرعية السياسية هي شرعية الدولة فإن فلسفة هيجل السياسية هي فلسفة في الدولة. وهذا هو السبب في مركزية مفهوم الدولة في أعماله السياسية التي فهمت خطأ على أنها تمجيد للدولة ورفعها فوق الأفراد وجعلها قوة مستقلة عنهم و دعاية للدولة الشمولية.

    نقد هيجل للمجتمع المدني:

    المجتمع المدني عند هيجل هو النظام الذي ينشأ من الاعتماد المتبادل بين الأفراد في نشاطاتهم المادية، فهو نتاج الفردية والنظام الذي تنشئه هذه الفردية. يقول هيجل: "الشخص العيني الذي هو نفسه موضوع غاياته الجزئية - وبوصفه مجموعة الحاجات، ومزيجا من الهوى والضرورة المادية- هو المبدأ الأول في المجتمع المدني. لكن هذا الشخص الجزئي يرتبط بالضرورة بغيره من الشخصيات الجزئية الأخرى حتى أن كلا منهم يقيم ذاته و يشبعها عن طريق الآخرين، وهذا هو .. المبدأ الثاني في هذا المجتمع"، أي مبدأ الاعتماد المتبادل الذي يجعل المجتمع يسير بتلقائية وآلية. والمجتمع المدني حسب هذا الوصف هو المجتمع البورجوازي كما وصفه منظروه: هوبز ولوك وهيوم وآدم سميث.

    "المجتمع المدني" الذي يتحدث عنه هيجل هو في حقيقته الاقتصاد الرأسمالي، فإذا استبدلنا كلمة "الاقتصاد الرأسمالي" أو كلمة "الرأسمالية" بكلمة "المجتمع المدني" فلن يختل المعنى، بل سيزداد وضوحا. يقول هيجل: "المجتمع المدني هو القوة الهائلة التي تمتص الناس إليها وتتطلب منهم العمل لأجلها (وبالتالي فهم) يدينون بكل شئ لهذه القوة، ويقومون بكل شيء وبأي شيء بوسائلها".

    أدخل هيجل الاقتصاد السياسي في صميم مذهبه، فقد تمكن من قراءته لمؤلفات ستيوارت وآدم سميث وريكاردو من معرفة أن ما يحكم المجتمع المدني هو هذا الاقتصاد السياسي الذي أسماه "نسق الحاجات" System of Needs . وكان هيجل قد أظهر اهتماما مبكرا بالاقتصاد السياسي منذ إقامته في مدينة برن، وظل هذا الاهتمام يلازمه وهو في فرانكفورت ويينا حتى استقر في برلين. أما ماركس فلم يكن مهتما بالاقتصاد السياسي في وقت مبكر مثل هيجل، بل كان مهتما في البداية بقضايا سياسية عامة وبفلسفة هيجل نفسه وبنقد الهيجليين الشباب. أما اهتمامه بالاقتصاد السياسي فلم يبدأ إلا سنة 1844 في المخطوطات الفلسفية الاقتصادية التي دونها في باريس ولم ينشرها. وبفضل دراسته للاقتصاد السياسي استطاع نقد هيجل الكشف عن تناقضات المجتمع المدني بدقة مستبقا ماركس، ومن هنا فإن نظريته في الدولة كانت محاولة لتجاوز تناقضات هذا المجتمع، الاقتصادية في الأساس، أي تجاوز تناقضات المجتمع البورجوازي الرأسمالي.
     
    9 شخص معجب بهذا.
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...