الحـــــــــــــضارة الإسلاميــــــــــــــــــة

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة هيثم الزيدي, بتاريخ ‏27 فيفري 2007.

  1. هيثم الزيدي

    هيثم الزيدي كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ماي 2006
    المشاركات:
    13.675
    الإعجابات المتلقاة:
    42.053
      27-02-2007 20:30
    الحـــــــــــــضارة الإسلاميــــــــــــــــــة

    أنواع الحضارة الإسلامية

    مفهوم الحضارة:
    الحضارة هي الجهد الذي يُقدَّم لخدمة الإنسان في كل نواحي حياته، أو هي التقدم في المدنية والثقافة معًا، فالثقافة هي التقدم في الأفكار النظرية مثل القانون والسياسة والاجتماع والأخلاق وغيرها، وبالتالى يستطيع الإنسان أن يفكر تفكيرًا سليمًا، أما المدنية فهي التقدم والرقى في العلوم التي تقوم على التجربة والملاحظة مثل الطب والهندسة والزراعة، وغيرها.. وقد سميت بالمدنيَّة؛ لأنها ترتبط بالمدينة، وتحقق استقرار الناس فيها عن طريق امتلاك وسائل هذا الاستقرار، فالمدنية تهدف إلى سيطرة الإنسان على الكون من حوله، وإخضاع ظروف البيئة للإنسان.
    ولابد للإنسان من الثقافة والمدنية معًا؛ لكي يستقيم فكر الأفراد وسلوكياتهم، وتتحسن حياتهم، لذلك فإن الدولة التي تهتم بالتقدم المادي على حساب التقدم في مجال القيم والأخلاق، دولة مدنيَّة، وليست متحضرة؛ ومن هنا فإن تقدم الدول الغربية في العصر الحديث يعد مدنية وليس حضارة؛ لأن الغرب اهتم بالتقدم المادي على حساب القيم والمبادئ والأخلاق، أما الإسلام الذي كرَّم الإنسان وأعلى من شأنه، فقد جاء بحضارة سامية، تسهم في تيسير حياة الإنسان.
    مفهوم الحضارة الإسلامية:
    الحضارة الإسلامية هي ما قدمه الإسلام للمجتمع البشرى من قيم ومبادئ، وقواعد ترفع من شأنه، وتمكنه من التقدم في الجانب المادي وتيسِّر الحياة للإنسان.
    أهمية الحضارة الإسلامية:
    الفرد هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وإذا صلح صلح المجتمع كله، وأصبح قادرًا على أن يحمل مشعل الحضارة، ويبلغها للعالمين، ومن أجل ذلك جاء الإسلام بتعاليم ومبادئ تُصْلِح هذا الفرد، وتجعل حياته هادئة مستقرة، وأعطاه من المبادئ ما يصلح كيانه وروحه وعقله وجسده.
    وبعد إصلاح الفرد يتوجه الإسلام بالخطاب إلى المجتمع الذي يتكون من الأفراد، ويحثهم على الترابط والتعاون والبر والتقوى، وعلى كل خير؛ لتعمير هذه الأرض، واستخراج ما بها من خيرات، وتسخيرها لخدمة الإنسان وسعادته، وقد كان آباؤنا على قدر المسئولية، فحملوا هذه الحضارة، وانطلقوا بها يعلِّمون العالم كله ويوجهونه.
    أنواع الحضارة الإسلامية:
    وللحضارة الإسلامية، ثلاثة أنواع:
    1- حضارة التاريخ (حضارة الدول):
    وهي الحضارة التي قدمتها دولة من الدول الإسلامية لرفع شأن الإنسان وخدمته، وعند الحديث عن حضارة الدول ينبغى أن نتحدث عن تاريخ الدولة التي قدمت هذه الحضارة، وعن ميادين حضارتها، مثل: الزراعة، والصناعة، والتعليم، وعلاقة هذه الدولة الإسلامية بغيرها من الدول، وما قدمته من إنجازات في هذا الميدان.
    2-الحضارة الإسلامية الأصيلة:
    وهي الحضارة التي جاء بها الإسلام لخدمة البشرية كلها، وتشمل ما جاء به الإسلام من تعاليم في مجال: العقيدة، والسياسة، والاقتصاد، والقضاء، والتربية، وغير ذلك من أمور الحياة التي تسعد الإنسان وتيسر أموره.
    3- الحضارة المقتبسة:
    وتسمى حضارة البعث والإحياء، وهذه الحضارة كانت خدمة من المسلمين للبشرية كلها، فقد كانت هناك حضارات وعلوم ماتت، فأحياها المسلمون وطوروها، وصبغوها بالجانب الأخلاقي الذي استمدوه من الإسلام، وقد جعل هذا الأمر كُتاب العالم الغربى يقولون: إن الحضارة الإسلامية مقتبسة من الحضارات القديمة، وهما حضارتا اليونان والرومان، وأن العقلية العربية قدْ بدَّلت الصورة الظاهرة لكل هذه الحضارات وركبتها في أسلوب جديد، مما جعلها تظهر بصورة مستقلة.
    وهذه فكرة خاطئة لا أساس لها من الصحة، فالحضارة الإسلامية في ذاتها وجوهرها إسلامية خالصة، وهي تختلف عن غيرها من الحضارات اختلافًا كبيرًا، إنها حضارة قائمة بذاتها، لأنها تنبعث من العقيدة الإسلامية، وتستهدف تحقيق الغاية الإسلامية، ألا وهي إعمار الكون بشريعة الله لنيل رضاه، لا مجرد تحقيق التقدم المادي، ولو كان ذلك على حساب الإنسان والدين كما هو الحال في حضارات أخرى، مع الحرص على التقدم المادي؛ لما فيه من مصلحة الأفراد والمجتمع الإنساني كله.
    أما ما استفادته من الحضارات الأخرى فقد كان ميزة تحسب لها لا عليها، إذ تعنى تفتح العقل المسلم واستعداده لتقبُّل ما لدى الآخرين، ولكن وضعه فيما يتناسب والنظام الإسلامي الخاص بشكل متكامل، ولا ينقص من الحضارة الإسلامية استفادتها من الحضارات السابقة، فالتقدم والتطور يبدأ بآخر ما وصل إليه الآخرون، ثم تضيف الحضارة الجديدة لتكمل ما بدأته الحضارات الأخرى.
     
  2. هيثم الزيدي

    هيثم الزيدي كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ماي 2006
    المشاركات:
    13.675
    الإعجابات المتلقاة:
    42.053
      27-02-2007 20:32
    خصائص الحضارة الإسلامية ومظاهرها

    خصائص الحضارة الإسلامية للحضارة الإسلامية أسس قامت عليها، وخصائص تميزت بها عن الحضارات الأخرى، أهمها:
    1- العقيدة:
    جاء الإسلام بعقيدة التوحيد التي تُفرِد الله سبحانه بالعبادة والطاعة، وحرص على تثبيت تلك العقيدة وتأكيدها، وبهذا نفى كل تحريف سابق لتلك الحقيقة الأزلية، قال الله تعالى: {قل هو الله أحد. الله الصمد. لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوًا أحد} [الإخلاص: 1-4].
    فأنهي الإسلام بذلك الجدل الدائر حول وحدانية الله تعالى، وناقش افتراءات اليهود والنصارى، وردَّ عليها؛ في مثل قوله تعالى: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون. اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهًا واحدًا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون}
    [التوبة: 30-31].
    وقطع القرآن الطريق بالحجة والمنطق على كل من جعل مع الله إلهًا آخر، قال الله تعالى: {أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ينشرون. لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون} [الأنبياء: 21-22].
    2- شمولية الإسلام وعالميته:
    الإسلام دين شامل، وقد ظهرت هذه الشمولية واضحة جليَّة في عطاء الإسلام الحضاري، فهو يشمل كل جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والفكرية، كما أن الإسلام يشمل كل متطلبات الإنسان الروحية والعقلية والبدنية، فالحضارة الإسلامية تشمل الأرض ومن عليها إلى يوم القيامة؛ لأنها حضارة القرآن الذي تعهَّد الله بحفظه إلى يوم القيامة، وليست جامدة متحجرة، وترعى كل فكرة
    أو وسيلة تساعد على النهوض بالبشر، وتيسر لهم أمور حياتهم، ما دامت تلك الوسيلة لا تخالف قواعد الإسلام وأسسه التي قام عليها، فهي حضارة ذات أسس ثابتة، مع مرونة توافق طبيعة كل عصر، من حيث تنفيذ هذه الأسس بما يحقق النفع للناس.
    3- الحث على العلم:
    حثت الحضارة الإسلامية على العلم، وشجَّع القرآن الكريم والسنة النبوية على طلب العلم، ففرق الإسلام بين أمة تقدمت علميًّا، وأمة لم تأخذ نصيبها من العلم، فقال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} [الزمر: 9]. وبين القرآن فضل العلماء، فقال تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} [المجادلة: 11].
    وقال رسول الله ( مبيِّنًا فضل السعي في طلب العلم: (من سلك طريقًا يبتغي فيه علمًا؛ سهل الله له به طريقًا إلى الجنة) [البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه]. وقال :) (طلب العلم فريضة على كل مسلم) [البخاري وأبوداود والترمذي وابن ماجه].
    وهناك أشياء من العلم يكون تعلمها فرضًا على كل مسلم ومسلمة، لا يجوز له أن يجهلها، وهي الأمور الأساسية في التشريع الإسلامي؛ كتعلم أمور الوضوء والطهارة والصلاة، التي تجعل المسلم يعبد الله عبادة صحيحة، وهناك أشياء أخرى يكون تعلمها فرضًا على جماعة من الأمة دون غيرهم، مثل بعض العلوم التجريبية كالكيمياء والفيزياء وغيرهما، ومثل بعض علوم الدين التي يتخصص فيها بعض الناس بالدراسة والبحث كأصول الفقه، ومصطلح الحديث وغيرهما.
    مظاهر الحضارة الإسلامية:
    لم تغفل الحضارة الإسلامية الجانبين الروحي والمادي في حياة الإنسان، لذلك نجد أن الحضارة الإسلامية برزت في مجالات متعددة، بحيث ترقى بالإنسان في كل مستويات حياته، ومظاهر هذه الحضارة هي:
    1- الجانب السياسي.
    2- الجانب الاقتصادي.
    3- الجانب الاجتماعي.
    4- الجانب العلمي.
    5- العلاقات الدولية.
    6- النظام التشريعي.
    7- النظام القضائي.
    8- الجانب العسكري.
    9- الجانب المعماري.
     
  3. هيثم الزيدي

    هيثم الزيدي كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ماي 2006
    المشاركات:
    13.675
    الإعجابات المتلقاة:
    42.053
      27-02-2007 20:35
    الجانب السياسي في الحضارة الإسلامية


    جاء الإسلام رحمة للعالمين، وجاءت تعاليم الإسلام لتضمن سلامة المجتمع البشري من التفكك والضعف والانحلال، ولتضمن سعادته في الدنيا والآخرة، ولقد تمسك بها الصحابة -رضي الله عنهم- فخضعت لهم الدنيا، وأسسوا للإسلام دولة واسعة الحضارة، قوية البناء، محبة للعلوم، والتاريخ خير شاهد على ذلك. لقد وضع الإسلام نظامًا لم يكن معروفًا في أي مجتمع من المجتمعات، ولم يكن هذا النظام تطورًا طبيعيًّا أو غير طبيعى لأي نظام سابق عليه.
    إن نظام الحكم الإسلامي له أسسه وقوانينه الواضحة المستمدة من القرآن الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولأهمية الحكم في الإسلام فقد اهتم الإسلام ببيان ما على الحاكم والمحكوم، فحذر الحاكم من اتباع الهوى وشهوات النفس، قال تعالى: {فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص: 26]. وقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك} [المائدة: 49].
    وحذر الله -سبحانه- المحكوم من العصيان دون سبب مقبول شرعًا، قال تعالى:
    {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} [النساء: 59].
    وحرص الإسلام على أن يسود العدل بين جميع الناس، وحذر من الظلم وعواقبه، حتى مع غير المسلمين، قال تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعًا بصيرًا} [النساء: 58]. وقال رسول الله :) (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) [مسلم].
    خصائص النظام السياسي في الإسلام:
    1- نظام عالمي:
    النظام السياسي الإسلامي نظام عالمي، استمد عالميته من عالمية الإسلام ذاته، ومن صلاحيته للتطبيق في كل زمان ومكان، فجعل للعلماء القادرين على الاستنتاج واستخراج الأحكام الحقَّ في الاجتهاد في تفصيل الأحكام وتوضيحها بالشكل الذي يحقق أهداف الإسلام، ويدور في إطار أحكام الإسلام العامة، وقد جاءت أحكام الإسلام في أسلوبين:
    الأول: أحكام تفصيلية محددة، تبين حكمها نصوص من القرآن واضحة الدلالة، لا خلاف في معناها، وأحاديث صحيحة من السنة وطرق أدائها، وهذه التعاليم لا
    مجال للاجتهاد فيها بالزيادة أو النقصان مثل بعض أحكام الصلاة والزكاة والحج والمواريث وغيرها.
    والثانى: أحكام جاءت من خلال الآيات التي يُختلف في تفسيرها، والأحاديث التي لم تثبت صحتها، أو ثبتت صحتها ولم يتفق العلماء فيها على معنى واحد، أو عبارة عن قواعد عامة في مجال المعاملات، وهذه من حق العلماء القادرين على الاجتهاد أن يبدوا الرأي فيها، بما يحقق مصالح المجتمع الإسلامي في زمن معين أو وضع معين، مع المحافظة على روح الشريعة، وتحقيق مقاصدها التي جاءت لمصلحة الناس.
    2- المشاركة بين الفرد والمجتمع:
    العلاقة بين الفرد والمجتمع في النظام الإسلامي علاقة مشاركة، فالإسلام لا يعترف بالفلسفات والمذاهب التي تجعل الفرد والمجتمع في صراع، وبعض هذه المذاهب يفضل جانب الفرد على المجتمع مثل الرأسمالية، وبعضها الآخر يفضل جانب المجتمع على جانب الفرد كما صنعت الشيوعية، أما الإسلام فهو يوازن بين الفرد والمجتمع، فهو يعترف بالمسئولية الفردية، أي مسئولية كل فرد عن أفعاله، قال تعالى: {ألا تزر وازرة وزر أخري. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} [النجم: 38-39]، ويشجعه على أن يتفاعل مع المجتمع، ويؤدي ما عليه تجاهه، من خير يحمله إليه، وشر يدفعه عنه، فالفرد عليه تبعات تجاه نفسه، وتجاه مجتمعه، ملزم بأدائها.
    وينظم الإسلام ذلك من خلال مبدأ المسئولية الاجتماعية، وفرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد تعرض الرسول ( لتوضيح هذه المسئولية الجماعية من خلال المثل الذي ضربه في حديثه: (مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على مَن فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذِ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا) [البخاري].
    وعلاقة الفرد بالحكومة، علاقة تعاون، فقد أعطى الإسلام الفرد حقوقه الأساسية، وألزم الحكومة باتباع القانون الرباني، وحمى الفرد من تدخل الحكومة في شئونه دون مبرر، قال تعالى: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله} [ص: 26].
    وربط الإسلام الفرد المسلم بضوابط أخلاقية، وفرض عليه طاعة الحكومة المسلمة التي تطبق شرع الله، وطلب منه التعاون معها والتضحية بالنفس والمال في سبيل حمايتها، قال :) (اسمعوا وأطيعوا وإن تأمَّر عليكم عبد حبشي) [البخاري].
    3- الحكومة الإسلامية نابعة من المجتمع الإسلامي:
    فالإسلام لا يعترف بهيئة من خارج المجتمع الإسلامي تحكم الأمة عن طريق الاستيلاء على السلطة بالقوة وحكم الشعوب بالتسلط والقهر، قال تعالى: {يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59].
    فقوله تعالى: (منكم) يحدد نوعية الحاكم والحكومة، وهي أنها حكومة إسلامية منا، وليست من غير المسلمين، قال تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء: 141].
    4 - التأثير المتبادل بين التعاليم والمبادئ:
    نظم الحضارة الإسلامية، الخلقي منها والاقتصادي والسياسي، كل منها يؤثر في الآخر ويتأثر به، فمثلاً بدون التعاليم والمبادئ الخلقية لا يؤدى النظام الاقتصادي دوره المنشود، ويصعب الوصول إلى ما يدعو إليه من تعاون وتكافل بين الناس، كما يسهل تسرب الفساد إلى الأجهزة السياسية وغيرها.
    5 - تميز نظام الحكم الإسلامي عن النظم الغربـية:
    فالنظم الغربية، تقوم على أساس الخضوع لحكم الأغلبية المطلقة -صالحة كانت أم فاسدة- فهي التي تشرع وتضع القوانين، وهي التي تحكم، أما في النظام الإسلامي، فالحاكم الحقيقي هو الله سبحانه، قال تعالى: {إن الحكم إلا لله} [يوسف: 40].
    وسلطة الشعب المسلم والحكومة الإسلامية محدودة بالعمل تبعًا لأوامر الله، عن رضا واطمئنان وثقة وحب ورغبة.
    خصائص الدولة الإسلامية
    والدولة الإسلامية تتميز بعدة خصائص منها:
    1- السير وفق قانون واضح المعالم:
    القرآن الكريم والسنة الصحيحة الثابتة عن رسول الله (، هما أساس الدستور الإسلامي، وقد يدخل في هذا الدستور من القواعد العامة أشياء غير منصوص عليها في الكتاب ولا في السنة ومع ذلك يمكن إدخالها تحت قاعدة كلية من الكتاب والسنة.
    إن كل مُشَرِّع يضع القوانين التي تحمى مصالحه وتحقق أهدافه، أما في الإسلام فإن سلطة التشريع حق لله وحده، وهو لا يحابي أحدًا ولا يظلم أحدًا، ومن ثم فإن التشريع الإسلامي يتصف بالعدل، ويكره الهوى، ويتسم بالشمول.
    وعلى الإنسان أن ينفذ أوامر الله سبحانه، ويحكِّم كتاب الله وسنة رسوله فيما يقع بين الناس من خلاف، قال تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بنهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا} [النساء: 65].
    وغاية إقامة الدولة الإسلامية تنفيذ أوامر الله، وتحكيم شرعه بين الناس، ويتضح ذلك من تعريف العلماء لمنصب الخلافة أو الحكم، حيث يقولون: إن الخلافة نيابة عن النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، أي أن الحاكم المسلم أو الخليفة يقوم بمهمته نائبًا عن رسول الله ( في تبليغ أوامر الله، والعمل بها، وإلزام الناس بالعمل بها، فيما يتعلق بأمور الدين والدنيا.

    2- التقوى هي أساس التفاضل بين المسلمين:
    التقوى والعمل الصالح والخلق الحسن أساس التفاضل بين أبناء المجتمع المسلم، وليس السلطان أو الجاه أو المركز الاجتماعي، قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} [الحجرات: 13]. وقال :) (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى والعمل الصالح) [أحمد].
    3- الوفاء بالعهود الداخلية والخارجية:
    وهذا من الخصائص اللازمة والضرورية للدولة الإسلامية، لإقرار الأمن وتحقيق السلام والاستقرار، قال تعالى: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إنَّ الله يعلم ما تفعلون) [النحل: 91].
    وهذا فرض ومنهج حياة لا تجوز مخالفته، قال تعالى: (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا) [الإسراء: 34]. وذلك لنشر السلام في كل أنحاء الديار الإسلامية، لقوله :) (أفشوا السلام بينكم) [مسلم]، ولا فرق في ذلك بين مسلم وذِمِّي من رعايا الدولة الإسلامية، لقوله :) (إن الله جعل السلام تحية لأمتنا، وأمانًا لأهل ذمتنا) [البيهقي].
    وفي العلاقات الخارجية فالدولة الإسلامية تدعو إلى السلام، ما لم تُنْتهك حرمات الله أو يُعتدى على أرض المسلمين، قال تعالى:{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وتظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون} [الممتحنة: 8-9].

    أسس وقواعد الحكم في الحضارة الإسلامية

    1- حق الأمة في اختيار الحاكم وتقويمه:
    فالأمة صاحبة الحق في اختيار الحاكم ومبايعته، وفي الإشراف على سياسته وتصرفاته، ولها حق تقويمه إذا ابتعد عن طريق الصواب، وكل مسلم بالغ عاقل من حقه أن يشترك في بيعة الحاكم، وما يلزم في اختيار الحاكم هو اختيار أغلبية الأمة ممثلة في أهل الحل والعقد وهم مجلس الشورى.
    وليس من الضرورى أن يكون هناك إجماع على شخص رئيس الدولة الإسلامية، فمن المعروف تاريخيًّا أن المسلمين جميعًا لم يجمعوا على اختيار حاكم، فالذين بايعوا الخلفاء الراشدين هم أهل المدينة، وبعض المسلمين من أهل مكة.
    ويُعزل الحاكم إذا ثبت عجزه وفساده، ولكن بعد أن يبذل له المخلصون من أبناء الأمة وعلمائها النصح بكل الطرق والوسائل التي ترده إلى الحق، فإن استجاب ورجع إلى الحق فلا ينبغي عزله، إلا إذا لم يستمع لنصح الناصحين وإخلاص المخلصين، وتعذر تعذرًا شديدًا إصلاح حاله، وظهر استخفافه بمصالح المسلمين، وعدم اهتمامه بما يحفظ على المسلمين حقوقهم وعزتهم وكرامتهم. وذلك بشرط القدرة على عزله دون حدوث فتنة تؤدي إلى ضرر يفوق الضرر من بقائه، فإن تأكد العجز عن عزله دون فتن مهلكة، فالصبر على ظلمه أولى.
     
  4. هيثم الزيدي

    هيثم الزيدي كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ماي 2006
    المشاركات:
    13.675
    الإعجابات المتلقاة:
    42.053
      27-02-2007 20:35
    2- الشورى:
    فالشورى ركن أساسي من أركان الحكم الإسلامي، قال سبحانه: {وشاورهم في الأمر} [آل عمران: 159]، وقال أيضًا: {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى: 38]، وكان ( يستشير أصحابه كثيرًا. وكذلك كان الخلفاء
    الراشدون -رضي الله عنهم- من بعده يستشيرون أهل العلم والخبرة في كل الأمور، كاختيار القواد، وتسيير الجيوش، وتوزيع الغنائم، كما كانوا يرجعون إلى الفقهاء في المسائل التي لا يجدون لها حكمًا ظاهرًا في الكتاب والسنة.
    وقد كون أبوبكر -رضي الله عنه- مجلس شورى يعرض عليه أي مسألة ليس فيها نص قرآني أو نبوي صريح، وكان عمر -رضي الله عنه- يمنع كبار الصحابة من الخروج من المدينة حتى يستشيرهم عند الحاجة.
    وهذه الشورى لا تكون في أمر فيه نص صريح الدلالة من كتاب الله أو سنة صحيحة، فهذه الأمور لا دخل للشورى فيها، فرسول الله كان يلتزم الشورى، ولكن في الأمور التي ليس فيها نص من كتاب الله، ولم ينزل الوحي يبين للرسول ( ما يفعله فيما وقع من المسائل، وتتحقق الشورى في مظهرين:
    الأول: اختيار الحاكم المسلم القادر على القيام بالمسئولية، ومبايعته على العمل بكتاب الله وسنة رسوله (، فإن تمت البيعة كان له السمع والطاعة دون ضغط أو إكراه.
    الثانى: عدم استبداد الحاكم بالسلطة، فمن حق كل مسلم أن يبدي رأيه بكل حرية، وبكل قوة في كل أمر من أمور الدولة، ومن واجب الحاكم أن يستمع إليه، ويستضىء برأيه إن كان فيه الصواب، هذا وإن كان لكل فرد أن يعبر عن رأيه فإنه لا يجب استشارة العوام في مهام الأمور، لأنهم لا يستطيعون تقدير الأمور تقديرًا صحيحًا، وإنما يستشار أهل الحل والعقد والحكمة فيمن توفرت فيهم شروط من يستشار، مثل العلم، والتقوى، والورع، وحسن التدبير، والتفكير.
    وأهل الحل والعقد: هم جماعة من الأمراء والحكام -والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء في كل المصالح، الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة.
    وقد ركز الإسلام على الشورى في نظام الحكم؛ لما لها من آثار طيبة على حياة الفرد والمجتمع، ومن هذه الآثار:
    - أنها تتفق مع ما قرره الإسلام من احترام للفرد والاعتراف بشخصيته في إطار مصلحة الجماعة.
    - أنها طريق مضمونة للوصول إلى أصح وأصوب الآراء في موضوع ما من الموضوعات التي تدخل في نطاق الشورى، وبالشورى يحترم الحاكم مشاعر المحكومين وحقوقهم؛ فهم شركاء في الحكم.
    -تحفظ حقوق الشعب، وتصحح مسار الحكام، وتضمن استقامتهم وحسن تدبيرهم لأمور الدولة.
    وبعد، فهذه هي الشورى الإسلامية، وهي الشورى الحقيقية التي تقوم على الحرية في إبداء الرأي، دون خوف أو إكراه.

    3- العدل:
    أمر الإسلام بالعدل، وجعله غاية الحكم الإسلامي وهدفه، والعدل هو: إعطاء كل ذي حق حقه كاملاً غير منقوص. وهذا العدل مسئولية الحاكم، وواجب من الواجبات المفروضة عليه، والأمة لها الحق في أن تحاسب الحاكم إذا ظلم أحدًا. ويشمل العدل كل الحقوق المتعلقة بالأرواح والأعراض والحريات والأموال، للمسلم وغير المسلم.
    وتحدثت كثير من الآيات في القرآن عن العدل، وحذرت من الظلم وعواقبه، قال الله تعالى: {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم الله لعلكم تذكرون} [النحل: 90]، وقال رسول الله :) (اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة) [مسلم].
    ومن العدل أن يكون الناس أمام القانون سواء، فلا فرق بين شريف ووضيع، ولا غني وفقير، فالعدل يخضع له الجميع، وبذلك يكون العدل هو أساس استمرار الدول والحفاظ عليها، يقول ابن تيمية: إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة.
    ومن أجل أن يتحقق العدل فلابد له من قوة تحميه، ولا بد أن يكون حاكمًا لا خاضعًا، ولذلك نجد الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يحرص على جعل القضاء الذي يقيم العدل مستقلاً عن كل سلطة، حتى عن سلطة الحاكم، وصار ذلك مبدأ من مبادئ الحكم الإسلامي، فعندما تولى عمر الخلافة، واتسعت رقعة الدولة الإسلامية، عين لكل إقليم قاضيًا مستقلاً، ونظم السلطة القضائية وميزها
    عن غيرها.
    إن العدل يشعر المواطن بالأمن على ماله وعرضه وسائر حقوقه، ففي ظل العدل تختفي الجريمة، وينصرف كل إنسان إلى عمله، ويسهم في بناء مجتمعه وأمته، وبالعدل يجنى الإنسان ثمرة عمله وتعبه، وينطلق في ميادين التنافس الشريف في ميادين
    الخير، وبالعدل تتم المساواة، ويتفاضل الناس بحسب قدراتهم وجهدهم. إن الإسلام سبق كل الذين دَعَوْا إلى العدل، وأرسى دعائمه، وقد طبق العدل أروع تطبيق في حياة المسلمين.
    4- طاعة الحاكم:
    طاعة الحاكم هي إحدى قواعد الحكم الإسلامي، وذلك ما دام الحاكم منفذًا لحدود الله عز وجل، وما لم يأمر بمعصية، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} [النساء: 59].
    وعلى المسلم أن يسمع ويطيع للحاكم، فيما أحب وكره، إلا أن يأمر بمعصية، فإن أمر الحاكم بمعصية فلا طاعة له، قال :) (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبَّ أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) [ابن ماجه].
    5- الحرية:
    لقد احترم الإسلام الحرية الفردية، فلم يكره أحدًا على أن يعتنق فلسفة معينة، ولم يُرغمه على أن يعيش حياته وفق نظرية محددة، بل إن لكل فرد في الدولة الإسلامية حريته الكاملة في أن يفكر وأن يختار أسلوب حياته، وأن يعبر عن رأيه بشرط ألاَّ يَحُدَّ من حرية الآخرين.
    وفي مجال العقيدة الدينية، فقد أعطى الإسلام لأفراد الدولة الإسلامية الحرية في اعتناق أية عقيدة، فمن حق أهل الكتاب الخاضعين للدولة الإسلامية أن يمارسوا شعائرهم دون أن يمنعهم من ذلك أحد، قال تعالى: {لا إكراه في الدين} [البقرة: 256]، وقال سبحانه: {أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين} [يونس: 99]. وهذه هي كلمة عمر الخالدة التي قالها لعمرو بن العاص عندما تسابق ابنه مع أحد المصريين القبط فسبقه المصري، فضربه ابن عمرو بن العاص.
    فاشتكى هذا الشاب لأمير المؤمنين عمر، فاستدعى عمرًا وابنه، وأمر هذا الغلام أن يضرب ابن عمرو بن العاص أمام أبيه، وقال له: اضرب ابن الأكرمين. وقال لعمرو: متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا، وقد قرر الإسلام حريات أخرى كثيرة، مثل الحرية المدنية؛ وهي حرية الشخص في عقد العقود، وتحمل الالتزامات، وقد أقرها الإسلام لكل إنسان ما عدا الصبى والمجنون، ومن هذه الحريات؛ الحرية السياسية، وحرية التفكير، والحرية في الإسلام مشروطة بعدم التعدي على مبادئ الإسلام وعدم التعدي على حرية الآخرين.
    صفات الحاكم المسلم
    لقد شهدت الحضارة الإسلامية حكامًا عظامًا، أعظمهم رسول الله (، وهو القدوة في كل شيء، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} [الأحزاب: 21].
    وقد رأت الدنيا أجيالاً متتالية من الحكام المسلمين ممن اتبعوا آثار رسول الله (، وتربوا على سنته وما كان لهم في الأرض نظير، ولِمَ لا، وقد تعلموا ما قال الرسول :) (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته؛ فالإمام الأعظم الذي على الناس راعٍ وهو مسئول عن رعيته) [متفق عليه]. وقد اتضح لهم أن مسئولية الحاكم عظيمة القدر؛ لأنها تتعلق بشئون الدين والدنيا، فلابد أن يكون أهلا لها بما يتوفر فيه من صفات تجعله ينهض بأعباء المسئولية على خير وجه.
    ومن أهم هذه الصفات:
    -اعتقاده أن السلطة تكليف وليست تشريفًا، فقد اختاره الشعب وبايعه بالرئاسة لكفاءته، وبايعه على السمع والطاعة، وجعلوه وكيلاً عنهم في حماية أمور الدين وتدبير شئون الحياة، ومن حق الشعب أن يراقبه ويحاسبه، أو يعزله إذا انحرف من خلال أهل العقد والحل. وعلى الحاكم المسلم أن يعلم أنها أمانة، وهي يوم القيامة خزي وندامة، إذا لم يؤدِّ حقها، فقد قال أبو ذر -رضي الله عنه-: يا رسول الله، ألا تستعملني (تولني إمارة)؟ فقال رسول الله :) (يا أبا ذر، إنك ضعيف إنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها، وأدَّى الذي عليه فيها) [مسلم].
    -أن يكون ذكيًّا فطنًا عالمًا بأحكام الدين وقواعده العامة، وبذلك يستطيع تمييز الحلال من الحرام، فهو الأمين على مصالح الأمة والراعي لها، كما ينبغى له أن يكون على أعظم معرفة بأمور الدنيا، مثل الحرب والبيع والشراء، وعقد المعاهدات وغير ذلك.
    -أن يتصف بالصفات الحسنة، كالأمانة والعفة والكرم، وأن يبتعد عن كبائر الذنوب وصغائرها.
    -أن يلتزم مبدأ الشورى في تدبير أمور الأمة في الأشياء التي ليس فيها نص من القرآن أو السنة، فيستشير أهل الرأي والخبرة ليستفيد من عقولهم، وليستنير بحسن تدبيرهم.
    -وينبغي أن يكون سليم الحواس والأعضاء من نقص يمنع القيام بأعباء الحكم، فلا يكون له أمراض كالجنون والصمم والخرس، وفَقْد بعض الأعضاء، مثل اليدين والقدمين، وكل هذا مما يؤثر على عمله وقيامه به خير قيام، وهكذا ندرك أن الإسلام أعطى مكانة عظيمة للسياسة والحكم لما لهما من أهمية ونفع في تسيير أمور الحياة.
     
  5. هيثم الزيدي

    هيثم الزيدي كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ماي 2006
    المشاركات:
    13.675
    الإعجابات المتلقاة:
    42.053
      27-02-2007 20:37
    الجانب الاقتصادي في الحضارة الإسلامية


    المال من أهم مقومات الحياة، جعله الله أداة لتيسير حياة الإنسان ومعيشته واستقراره، وجعله الله زينة من زينة الحياة الدنيا، فالإنسان مفتون به، مشغول بجمعه، قال تعالى: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب} [آل عمران: 14].
    وهذا الشغف بجمع المال قد يدفع الإنسان إلى عدم تحري الحلال في جمع المال، وبالتالي يصبح هذا الإنسان عبدًا للمال، ذليلاً له، كما أن ضعفه أو عجزه عن مقاومة شهواته وغرائزه قد يدفعه إلى إنفاق المال بصورة قد تضرُّ به وبمجتمعه، فوضع الإسلام ضوابط للكسب والإنفاق، وبين أن الناس مسئولون عن أموالهم وطرق إنفاقها، وحذرهم من انشغالهم بها عن آخرتهم أو افتتانهم بها، فجاء هذا بارزًا في قوله :) (لا تزولُ قدما عَبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ: عن عُمْرِهِ فيمَ أفناه، وعن علمِه فيمَ فعل، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه) [الترمذي].
    وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون} [المنافقون: 9]، وقال تعالى: {إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم} [التغابن: 15].
    وهناك أمور ينبغي على المسلم أن يعرفها عن المال، وهي:
    1- أن هذا المال شأنه كشأن غيره مما في هذا الكون ملك لله.
    2- هذا الكون بما فيه من مالٍ وغيره مسخر للإنسان تكريمًا له.
    3- المال مال الله، والإنسان مستخلف فيه، فإن أحسن التصرف فيه؛ فله خير الجزاء، وإن أساء التصرف فيه؛ فحسابه على الله.
    4- المال هو وسيلة لحياة كريمة عزيزة، لا غاية يسعى الإنسان لتحقيقها، ويضيع عمره من أجلها، فالمسلم الحق لا يدع حب المال يستبد به، بل يجمع المال من حلال، وينفقه فيما يحب الله.
    5- المال الذي اكتسبه صاحبه من طريق حلال ملك له ملكية خالصة، يجب أن يحافظ عليه، ولا يجوز لأحد التعدي عليه.
    وبناء على هذه المبادئ والأسس السابقة يكون للإنسان الحق في التصرف في ماله كسبًا وإنفاقًا وإدارة، وهي حقوق مترتبة على ملكية الإنسان للمال الذي جاء من طريق شرعي.
    الطرق المشروعة في كسب المال
    على المسلم أن يتحرى الحق والصواب في طلب المال، ومن هذه الطرق المشروعة:
    - العمل الشريف: مثل الزراعة والصناعة والتجارة والوظيفة والحرفة، وغيرها، فممارسة العمل الشريف حماية للإنسان من التعطل وتوجيه لطاقته من أجل البناء والتعمير والتنمية، واستخراج خيرات الأرض، استجابة لأوامر الله.
    وقد عمل ( والصحابة من بعده، فهذا أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- يعمل بيده لينفق على نفسه، حتى طلب منه المسلمون التفرغ للخلافة وأمور المسلمين. وكان عمر -رضي الله عنه- يقول: إني لأرى الرجل ليعجبني قوله؛ فأقول: أله حرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط من عيني.
    - الميراث: وذلك بأن تنتقل ملكية المال إلى ورثة المتوفى، طبقًا للقواعد الشرعية المقررة لهذا الميراث.
    - الهبة: وهي أن يتنازل الإنسان عن بعض ماله إلى غيره دون مقابل، فتنتقل ملكية هذا المال إلى هذا الغير.
    - الوقف: ويكون بحبس المال الحلال على بعض أوجه الإنفاق الشرعية، ولا يتصرف في أصله، والوقف قد يكون على الأهل والأقارب ومن بعدهم الفقراء، وقد يكون الوقف على أبواب الخير، مثل: بناء مسجد أو مدرسة أو مستشفى أو ما سوى ذلك من المشاريع الخيرية.
    - الوصية: وهي أن يهب الإنسان إنسانًا آخر جزءًا من ماله لا يتجاوز الثلث، يأخذه بعد موت الموصي.
    - غنائم الحرب: وهي المال الذي يؤخذ من أعداء الإسلام نتيجة الحروب، وقد أحل الله الغنائم للمسلمين.
    - الفىء: وهو المال الذي يؤخذ من أعداء الله نتيجة استسلامهم، ولا يبذل المسلمون في ذلك مشقة، ولا يتكلفون فيه قتالاً.
    الطرق المحرمة في اكتساب المال
    حرم الإسلام بعض الطرق التي يكتسب بها المال، وهي:
    الربا: حرم الله الربا بكل صوره، قال تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا}
    [البقرة: 275]، وقال :) (لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديْه وكاتبه) [مسلم وأصحاب السنن].
    الاحتكار: وهو حرام لقوله :) (من احتكر فهو خاطئ (آثم)) [مسلم وأبو داود وابن ماجه].
    العدوان: فلا يجوز للمسلم أن يعتدي على مال الآخرين ليأخذه، قال الله تعالى: {ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين} [البقرة: 190].
    الرشوة: فالمسلم الذي يحصل على ماله من طريق الرشوة آثم عند الله تعالى، قال الرسول :) (لعن الله الراشي والمرتشي) [أبو داود والترمذي].
    الغش: فاكتساب المال من طريق الغش حرام لا يجوز، قال :) (من غَشَّ فليس منا) [مسلم وأبوداود].
    وعلى المسلم أن يبتعد عن الشبهات، لقول رسول الله :) (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه) [متفق عليه].
    استثمار المال
    المال له أهمية عظيمة في إنعاش اقتصاد الدولة، وفي رفع مستوى معيشة الأفراد، والتخفيف من المعاناة التي يحس بها الإنسان، وقد كان أصحاب النبى ( يعملون في التجارة وغيرها ويربحون ربحًا حلالا.
    وعندما هاجر النبى ( إلى المدينة وهاجر أصحابه- تاركين أموالهم من خلفهم- آخى ( بين المهاجرين والأنصار، فآخى بين
    عبد الرحمن بن عوف من المهاجرين وسعد بن الربيع من الأنصار، فعرض سعد على عبد الرحمن أن يأخذ نصف ماله، فقال عبد الرحمن لأخيه: بارك الله لك في مالك وأهلك، ولكن دُلَّني على السوق. فدله على سوق بني قينقاع، فذهب إليه، وتاجر حتى كثر ماله وصار من أغنياء المسلمين، فكان ينفق ماله في سبيل الله، قال :) (نِعْم المال الصالح للرجل الصالح) [أحمد]. ويُستثمر المال في الزراعة والصناعة والبناء، وغير ذلك مما فيه عمارة الأرض وصلاح الإنسان، أما أن يُستثمر المال في تجارة محرمة أو أمر فيه ضرر على الأمة فهذا ما لا يبيحه الإسلام.
    الحقوق في المال
    جعل الله المال لتيسير الحياة على الناس، وأمرهم بالاستمتاع بالطيبات في اعتدال بلا إسراف ولا تبذير، لأن الله حرَّم ذلك، فقال سبحانه: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف: 31]، وحرم الله كنز المال لغير مصلحة، وذم البخل به دون سبب؛ لأن في ذلك تعطيلاً لمصالح المسلمين، وتعسيرًا على الناس، قال تعالى: {الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم الله من فضله وأعتدنا للكافرين عذابًا مهينًا} [النساء: 37].
    والزكاة حق معلوم في المال، وهي تُؤخذ من الأغنياء وتُعْطَى للفقراء بقواعد حددها الشرع، وقد حدد الإسلام مصارف هذه الزكاة، والمستحقين لها، فقال تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم} [التوبة : 60].
    وقد حدد الشرع الأموال التي تجب فيها الزكاة ومقدار ما يجب إخراجه من كل صنف، ومنها: النقدان (الذهب والفضة)، والحيوان (الإبل والبقر والجاموس والغنم والخراف والماعز)، والزروع، وعروض التجارة، وزكاة الرِّكاز (وهي ما يُستخرج من باطن الأرض مثل البترول والمعادن).
    والزكاة شعار ورمز لوحدة المسلمين، وهذه الوحدة مطلب أساسي من مطالب الإسلام، يقول رسول الله :) (مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى فيه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى) [متفق عليه].
    والزكاة واحدة من تشريعات كثيرة تعمق المحبة بين المسلمين؛ لأنها تطهير لمال الغني وحفظ له من التلف، وإحساس بالواجب نحو فقراء المسلمين، وهي كذلك تقضي احتياجات الفقراء، وتدفع عنهم أعباء الحياة ومشاقها، كما أنها شكر لله على نعمته.
    وإيتاء الزكاة يقضي على الأمراض الاجتماعية الخطيرة، مثل: الحقد، والحسد، والبغضاء، وهي تضر بالمجتمع وبالفرد معًا.
    وإذا لم تكفِ الزكاة لسد حاجة الفقراء وكسوتهم، فإنه يؤخذ من أموال الأغنياء ما يكفي حاجة الفقراء ويسد رمقهم، ويؤمِّنهم من الخوف، وهذا الحق مقداره أن تُكْفى حاجة الفقراء، قال :) (إن في المال حقًّا سوى الزكاة)، ثم تلا هذه الآية {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون} [الحديث رواه الترمذي].
    كما اتفق الفقهاء على أنه عند حدوث الكوارث مثل هجوم عدو على ديار المسلمين، ولم تستطع الدولة رد هذا العدوان لعدم وجود المال، فإنه يجب على الأغنياء أن يُخرجوا من أموالهم ما يكفي لإعداد الجيوش، ولو دفعوا زكاة أموالهم كلٌّ حسب درجة غناه. قال الإمام مالك: يجب على الناس فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك كل أموالهم.
     
  6. هيثم الزيدي

    هيثم الزيدي كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ماي 2006
    المشاركات:
    13.675
    الإعجابات المتلقاة:
    42.053
      27-02-2007 20:37
    مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام
    لقد عالج الإسلام الفقر من عدة جوانب، منها:
    1- الحث على التكسب وطلب الغنى، وبيَّن أن الفقر في أحيان كثيرة خطر على المجتمع، يمنع استقراره، ويجعل للرذيلة والفساد مكانًا فيه، وأوجب إخراج الزكاة، وجعلها حقًّا للفقير لا يحق له أن يترك المطالبة به، ولا يجوز للغني منعه، بل يُعاقب إن فعل ذلك، وأصرَّ عليه كما فعل أبو بكر في قتال مانعي الزكاة.
    2- جاء الإسلام بقاعدة أن المال مال الله، وأن الأغنياء ليسوا ملاكًا للمال حقيقة، وإنما هم مستخلفون فيه، وهو أمانة من الله عندهم، قال الله تعالى: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه} [الحديد: 7].
    3- توفير فرص العمل للقادرين، فالدولة المسلمة عليها مسئولية وواجبات تجاه القادرين على العمل، فهي مسئولة عن توفير فرص العمل لهم، جاء رجل من الأنصار إلى النبى ( يسأله مالاً، فقال له النبى ( : (أما في بيتك شيء؟). قال: بلى، حِلْسٌ نلبس بعضه، ونبسط بعضه، وقَعْبٌ نشرب فيه الماء. قال: (ائتنى بهما). فأتاه بهما؛ فأخذهما رسول الله (، وقال: (من يشترِي هذين؟). فقال رجلٌ: أنا آخذها بدرهم. قال: (من يزيد على درهم، مرتين أو ثلاثًا)، قال رجلٌ: أنا آخذهما بدرهمين. فأعطاهما إياه، وأخذ الدرهمين، وأعطاهما الأنصاري، وقال: (اشترِ بأحدهما طعامًا وانبذه إلى أهلك، واشتر بالآخر قدومًا؛ فائتني به)، ففعل الرجل ما أمره به الرسول ( وأَحضر قدومًا، فشدَّ رسول الله ( عودًا بيده، ثم قال: (اذهب واحتطب وبعْ، ولا أرينَّك خمسة عشر يومًا)، فذهب الرجل يحتطب ويبيع، فجاء وقد أصاب عشرة دراهم، فاشترى ببعضها ثوبًا، وببعضها طعامًا. فقال رسول الله :) (هذا خير لك من أن تجيء المسألة نكتة في وجهك يوم القيامة. إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مدقع (شديد)، أو لذي غرم مُفظِع، أو لذي دم موجع)
    [أبو داود والترمذي وابن ماجه].
    فالإسلام لا يعرف عاطلاً، قال الرسول :) (ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) [البخاري]. وقد جعل القرآن الكريم العامل الذي يكسب رزقه من عمل شريف، مساويًا للمجاهد في سبيل الله في الفضل، قال تعالى: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله} [المزمل: 20]. وعلى الدولة المسلمة أن تعين العاجزين عن العمل إن احتاجوا إلى إعانة، وأن تمدهم بالمال إن احتاجوا إليه، وإن عجزت الدولة عن توفير فرص عمل شريف لهم.
    4- كفالة العاملين بالدولة: فعلى الدولة المسلمة أن توفر الرعاية الاجتماعية للقادرين على العمل من أبنائها، فقد ورد أن رسول الله ( ذكر أن من كان من عُمَّاله وليس له زوجة فليتخذ زوجة، ومن ليس له خادم فليتخذ له خادمًا، ولم يكتفِ الرسول ( بهذا، بل بين أنه على العمال أن يطمئنوا على أهليهم، فمن ترك مالا فلورثته، ومن ترك أولادًا صغارًا ضعافًا، فإن على ولي الأمر أن يرعاهم ويتكفلهم.
    مبادئ الاقتصاد الإسلامي
    للاقتصاد الإسلامي مبادئ تحفظ له صلاحية تطبيقه في المجتمعات على مر العصور، منها:
    أولا: لم يجعل الإسلام الغنى حاكمًا أو متسلطًا، كما كان الحال من قبل، وليس معنى هذا أن الإسلام يحرِّم على الغنى أن يكون حاكمًا أو أميرًا أو واليًا، ولكن الغنى ليس المقياس الأوحد للحكم.
    ثانيًا: اهتم القرآن بتوجيه المسلمين إلى مصادر الثروة المختلفة، سواء منها ما اتصل بالصناعة أو الزراعة أو الصيد أو استخراج المعادن أو البترول، وما سوى ذلك، قال تعالى: {وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} [الحديد: 25]. وقال: {أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون} [الواقعة: 63 - 64]. وقال: {وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحمًا طريًا وتستخرجوا حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} [النحل: 14].
    ثالثًا: عرف الإسلام نظام الملكية العامة والملكية الخاصة، وبين أن هناك أشياء لا يجوز أن يملكها الأفراد، وهي التي لا يستغني عنها فرد من أفراد الدولة الإسلامية، وهذه الأشياء تختلف حسب البيئات والظروف، وقد أشار الرسول ( إلى ثلاثة منها وهي: الماء والكلأ والنار، لأنها هي التي كانت منتشرة في البيئة الصحراوية التي كانت في مهد الإسلام.
    وهذه الأشياء الثلاثة يمكن أن يقاس عليها غيرها مما يشبهها، فقد جعل
    عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- الأرض المفتوحة بالعراق ملكًا عامًّا للدولة، واسترد الإمام علي والخليفة عمر بن عبد العزيز ما منحه الخلفاء قبلهما كهبات لبعض الناس وتم إعادتها للملكية العامة، حتى يكون النفع بها أعم للناس جميعًا، وليس مقصورًا على آحاد الناس.
    وقد أقر الإسلام الملكية الفردية، وشجع عليها، وحرسها للمالك، واتفق بذلك مع فطرة الإنسان وغريزته التي جُبِلت على حب التملك، ولم يقيدها إلا بأن تكون من مصادر مشروعة، وأن تؤدي ما فيها من حقوق كالزكاة وغيرها، ويهدف الإسلام من وراء ذلك إلى جعلها ملكية مقيدة وليست مطلقة، وجعلها وظيفة اجتماعية يعود نفعها على المجتمع، وإلا تمَّ أخذها من ذلك الذي أساء التصرف فيها، وأسندها
    إلى من يديرها إدارة تناسب مصلحة المجتمع حتى يعود ذلك المسىء إلى الحق والصواب.
    رابعًا: يرفض الإسلام أن تكون الملكيات الكبيرة في أيدي فئة قليلة، إذا لم يخرجوا منها حق الله؛ وذلك حتى لا تتسع الهوة بين الأغنياء والفقراء، قال تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} [الحشر: 7].
    خامسًا: أجاز الإسلام التفاوت بين الناس في الملكية على أساس التفاوت بينهم في الجهد والعمل والمواهب. قال تعالى: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق} [النحل: 71].
    سادسًا: جعل الإسلام في مال الغني حقوقًا للفقير، قال تعالى: {وفي أموالهم حق للسائل والمحروم} [الذاريات: 19].
    سابعًا: أوجب الإسلام على الحكومة المسلمة أن تدافع عن الفقراء إذا حدث لهم أي ظلم من جانب الأغنياء، وقد قاتل أبوبكر الصديق -رضي الله عنه- مانعي الزكاة لما في ذلك من مخالفة لحكم الإسلام وظلم للفقراء وهدم لحقوقهم.
     
  7. هيثم الزيدي

    هيثم الزيدي كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ماي 2006
    المشاركات:
    13.675
    الإعجابات المتلقاة:
    42.053
      27-02-2007 20:38
    الجانب الاجتماعي في الحضارة الإسلامية

    كانت البشرية قبل مجيء الرسول ( تعيش في ظلمات كثيرة، وتتخبط في الجهل، وكثُرتْ الوثنية، ووصل عدد الآلهة التي تُعبد من دون الله إلى عدد لم تعهده البشرية من قبل، وانتشرت المفاسد والشرور والمساوئ الأخلاقية، وشمل الفساد كل بقاع الأرض، ثم شاء الله أن يرسل نورًا يزيل به ما على الأرض من ظُلمة، فأشرقت شمس الإسلام، وتغيرت الموازين، ودبت الحياة في العالم.
    وأقام الإسلام مجتمعًا متكاملاً، فبنى الفرد المسلم الصالح، فكان أساسًا لبناء المجتمع المسلم الصالح المترابط الذي يسير على منهج الله سبحانه، وكان لابد من تكوين مجتمع مسلم؛ ليحمل عبء هذه الدعوة مع الرسول (، والدفاع عنها بعد موته، ونشرها في كل أرجاء الدنيا.
    وقد انشغل الرسول ( في بداية الدعوة في مكة بتربية الفرد المسلم؛ كأساس لبناء المجتمع المسلم، وقد تمثلت جوانب هذه التربية في عدة أمور، هي:
    أولاً: تصحيح العقيدة:
    أخرج الإسلام الناس من عبادة الأوثان إلى عبادة الله الواحد القهار، وإلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وأخرجهم من عبادة المادة إلى عبادة الله، وأراد تحريرهم من التخلف العقلي والعقائدي، وترقيق مشاعرهم وأحاسيسهم، والسمو بها إلى أعلى منزلة، فوصل هذا الإيمان إلى أعماق قلوبهم، وحوَّل هذا الإنسان من الدفاع عن قبيلته وعشيرته إلى التفاني في سبيل الدفاع عن دينه وعقيدته، والعمل على نصر هذا الدين، والحرص على نشره، وتبليغه للناس ابتغاء مرضاة الله.
    فهذا الصحابي الجليل ربعي بن عامر يدخل على رستم -قائد الفرس- فلا يهتم بالزخرفة والزينة التي تحيط به، فيقول له رستم: ما جاء بكم ؟! فيرد عليه ربعي قائلاً: إن الله ابتعثنا لنخرج مَنْ شاء مِنْ عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جوْر الأديان إلى عدل الإسلام.
    ثانيًا: السمو الخلقي، والتخلق بأخلاق القرآن:
    كان كثير من العرب يفعلون الفواحش والمعاصي، وعندما جاء الإسلام ألبسهم ثوب العفة والطهر، فغضوا أبصارهم، واستقبحوا الفواحش والمعاصي، وذلك بفضل الضمير الحي الذي يراقب الله ويخشاه، والذي رباه القرآن في المسلم، فإذا غلبه الشيطان والهوى ووقع في معصية، عاتبه ضميره، وسرعان ما يتوب، ويطلب أن يقام عليه الحد إن كانت المعصية مما يوجب إقامة الحد.
    وكان العربي يحمل السيف ويعتدي على غيره بسبب وبغير سبب، وكانت الحروب تستمر بين العرب وبعضهم لفترات طويلة، فجاء الإسلام فحرَّم البغي والعدوان، ونشر الأمن والسلام، فصار الناس رحماء بعد أن كانوا معتدين.
    ثالثًا: التحاكم إلى الله ورسوله:
    كان العرب يتحاكمون فيما بينهم إلى شرائع توارثوها عن آبائهم، واحتكموا إليها بأهوائهم، فجاء الإسلام فأنهى تلك الفوضى، ورد الحكم إلى الله سبحانه، قال تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما) [النساء: 65].
    رابعًا: المسئولية الشخصية والولاء للدين:
    أكد الإسلام على المسئولية الشخصية، واعتبرها أساس المسئولية في الإسلام، وقد كان العربي -قبل الإسلام- يناصر قبيلته سواء كانت ظالمة أو مظلومة، فلا يهمه هل هي على حق أم على باطل، فجاء الإسلام فعلَّم المسلم أن أساس الحساب أمام الله هو المسئولية الشخصية، وعلَّم الإسلام الإنسان أن يكون ولاؤه لدينه فقط، قال تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون . ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) [المائدة: 55 ـ 56] .
    خامسًا: تكريم المرأة:
    اعتنى الإسلام بالمرأة عناية كبيرة، ورفع مكانتها، وأعلى منزلتها، قال
    عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: والله لقد كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئًا حتى أنزل الله فيهن ما أنزل.
    مظاهر عناية الإسلام بالمرأة:
    1- قضى الإسلام على صور الزواج التي كانت عندهم، ما عدا الصورة الصحيحة التي عليها زواج الناس حتى الآن، لما في ذلك من تكريم للمرأة، وأنها ليست متاعًا لكل من أراده.
    2- حفظ الإسلام للمرأة مكانتها، فقد كانت تورث كما يورث المتاع، فكان الابن الأكبر يرث نساء أبيه، كما يرث أنواع الميراث الأخرى، فجاء الإسلام فحرَّم ذلك.
    3- لم يكن للمرأة عندهم ميراث، فلا ترث البنت من أبيها ولا الزوجة من زوجها، ولا الأم من ابنها، ففرض الله للمرأة ميراثًا، قال الله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلَّ منه أو كثر نصيبا مفروضا) [النساء: 7].
    4- نهى الإسلام عن وأد البنات، (أي قتلهن أحياءً)؛ خوفًا من أن يأتين بالفقر أو بالعار.
    5- منح الإسلام المرأة حق التعليم، فقد كان النساء على عهد رسول الله ( يذهبن إليه، ليسألنه في أمور الدين، وكن يسألن أمهات المؤمنين، وكان النبي ( يخطب العيد للرجال، ثم يذهب إلى النساء يخطب فيهن. وجعل الرسول ( طلب العلم واجبًا في حق كل مسلم رجلاً كان أو امرأة. قال :) (طلب العلم فريضة على كل مسلم)
    [البخاري].
    6- أجاز الإسلام للمرأة أن تعمل إذا فقدت من يعولها ويعول أولادها، أو مرض هذا العائل، ولها ذرية ضعاف، لتنفق على نفسها وعلى أولادها، فإن لم تستطع الخروج، كان على الدولة أن تتكفل بها وبعيالها، وتعمل كذلك إذا احتاج المجتمع الإسلامي إلى عملها، إذ يصبح خروجها للعمل في هذه الحالة فرض عين عليها لا يحل لها التخلف عنه.
    7- وجعل الإسلام رضا المرأة شرطًا لصحة الزواج، فلا يستطيع أحد أن يجبر المرأة على أن تتزوج بمن لا ترضاه. قال :) (لا تُنكح الأيِّم (الثيب) حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن) [البخاري].
    8- ولم يفرق الإسلام بين الرجل والمرأة على أساس النوع، إنما التفاضل بينهما فيما فضل الله به بعضهم على بعض، أما فيما دون ذلك، فالرجل والمرأة سواء لا فضل لأحدهما على الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح، قال تعالى: {من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون} [النحل: 97].
     
  8. هيثم الزيدي

    هيثم الزيدي كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ماي 2006
    المشاركات:
    13.675
    الإعجابات المتلقاة:
    42.053
      27-02-2007 20:39
    مكانة المرأة في الحضارات الأخرى:
    ولكي تظهر مكانة المرأة في الإسلام، فلننظر نظرة سريعة إلى مكانتها في الحضارات الأخرى. كانت مصر هي البلد الوحيد الذي نالت فيه المرأة بعض حقوقها قديمًا، إذ كان للمرأة أن تملك، وأن ترث، وأن تقوم على شئون الأسرة في غيبة الزوج، ومع ذلك فقد كان الزوج هو السيد عليها، وكان ينظر إلى المرأة على أنها وسيلة للتمتع الجسدي تفوق ما سواها من إمكانات بنَّاءة خلقها الله في المرأة.
    وكانت المرأة عند الصينيين لا قيمة لها، ويسمونها (بالمياه المؤلمة)، وهي شَرٌّ في بيت الرجل يتخلص منه متى شاء، وإذا مات زوجها حبست في بيته للخدمة كالحيوان. وكانت المرأة في الحضارة الإغريقية لا قيمة لها، لذلك حبسوها في البيت خادمة للرجل، واعتبروها قاصرًا لا يحق لها التمتع بأي حق، ونظروا إليها على أنها رجس من عمل الشيطان، وكانت تقدم قربانًا للآلهة عند نزول المصائب بهم.
    وكان الهنود القدماء ينظرون إلى المرأة على أنها مخلوق نجس، إذا مات عنها زوجها حُرقت مع جثته بالنار، وكانت أحيانًا تدفن وهي حية، وإذا كانت زوجة فللزوج أن يفعل بها ما يشاء من سَبٍّ وضرب وشتم وغير ذلك.
    وكان حال المرأة عند الرومان كحالها عند اليونان، بل أقبح حالاً، فهي أداة للإغواء، وهي تُباع وتُشترى، ولزوجها عليها السيادة المطلقة، وللزوج أن يتزوج من النساء ما يشاء، وتتعرض لشتى أنواع التعذيب، وتكلَّف ما لا تطيق.
    وفي بلاد الفرس، كانوا يذلون المرأة ويُعدونها سبب انتشار الفساد، ولذا كانت تعيش تحت أنواع كثيرة من ظلم الناس، وتقع تحت سلطة الزوج المطلقة، فله أن يحكم بقتلها، وأن يتزوج من النساء غيرها ما يشاء دون قيد أو شرط.
    وكان اليهود يحمِّلون المرأة إثم إغواء آدم وإخراجه من الجنة، وهي عندهم في المحيض نجسة، وكل ما تلمسه نجس، ولهم الحق في بيعها وحرمانها من الميراث.
    وكانت المرأة عند النصارى وسيلة الشيطان، ويجردونها من العقل، وهي منكر، وكانت كنيسة روما تنفي وجود الروح في المرأة، وهي عندهم نجسة، وترتب على ذلك التحذير من الزواج بها، فلجأت النساء للأديرة وحياة الرهبنة، وكان هذا الوضع في العالم المسيحي حتى جاء عصر النهضة الحديثة.
    وكانت المرأة عند العرب قبل الإسلام جزءًا من متاع الرجل وثروته، وتورث كما يورث المتاع، والابن الأكبر يرث نساء أبيه، وليس لها ميراث، وفي حيضها تعزل عن كل شيء؛ لأنها تعد نجسة، وإذا مات عنها زوجها تدخل في مكان منعزل من البيت وتظل فيه عامًا كاملاً، لا تلبس إلا قديم الملابس، وكانت قمة امتهانها تتمثل في البغاء ونكاح المتعة وغيرها، ومن أقبح العادات عند العرب قديمًا قتل البنات وهن أحياء.
    سادسًا: المساواة بين الناس:
    كان العربي يؤمن بنظام الطبقات، وكانت نظرته للإنسان على أنه إما سيد وإما عبد، وكان يؤمن بالدم والنسب أساسًا للتفاضل بين الناس، فجاء الإسلام، وألغى نظام الطبقات، وجعل أساس التفاضل التقوى والعمل الصالح، قال تعالى: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر أو أنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات: 13].
    وقال النبي :) (يأيها الناس إن ربكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى) [أحمد].

    سابعًا: العالمية:
    كان العربي يعيش في الجزيرة العربية ضعيفًا يخاف قوة الفرس والروم، ويقبل راضيًا مختارًا أو كارها أن يعيش في منطقة خاضعة للفرس أو الروم، فكان العربي ينظر إليهم نظرة رهبة، وقد عَبَّر عن ذلك عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- قائلا: إنها الروم وبنو الأصفر حدُّ حديد، وركنٌ شديد.
    وقد كانت نظرة الفرس والروم للعرب نظرة احتقار وازدراء، وهذا ما عبر عنه أحد ملوك الفرس في الرسالة التي وجهها إلى جيش المثنى بن حارثة، قائد جيش المسلمين لغزو الفرس، قال فيها: إني قد بعثت إليكم جندًا من أهل فارس، وإنما هم رعاة الدجاج والخنازير، ولست أقاتلك إلا بهم.
    فجاءه رد المثنى بن حارثة: إنما أنت أحد رجلين، إما باغٍ فذلك شر لك وخير لنا، وإما كاذب فأعظم الكذابين عقوبة وفضيحة عند الله وفي الناس الملوك، وأما الذي يدلنا عليه الرأي فإنكم إنما اضطررتم إليهم، فالحمد لله الذي رد كيدكم إلى رعاة الدجاج والخنازير، فانزعج الفرس من كتابه هذا انزعاجًا شديدًا. إن الإسلام جعل العرب ينطلقون شرقًا وغربًا، يفتحون البلاد لنشر الإسلام وتكوين الدولة الإسلامية العالمية.
     
  9. هيثم الزيدي

    هيثم الزيدي كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ماي 2006
    المشاركات:
    13.675
    الإعجابات المتلقاة:
    42.053
      27-02-2007 20:39
    التكافل الاجتماعي في الحضارة الإسلامية
    لقد وضع الإسلام نظامًا دقيقًا يحقق العدالة الاجتماعية بين المسلمين، ويشيع بينهم جوًّا من المحبة والمودة والرحمة والتعاون والإيثار. والمال من الأشياء الهامة التي لها دور رئيسي في تحقيق التكافل الاجتماعي بين المسلمين، والإسلام لا يحارب الغنى، ولا ينتقص من ثروة الأغنياء، ما دامت هذه الثروة قد جاءت بطريق مشروع وأُدي حق الله فيها.
    وهناك كثير من التشريعات المرتبطة بإنفاق المال، وكلها تعمل على توثيق التعاون والترابط والمودة والمحبة بين المسلمين، ومن هذه التشريعات: الزكاة، والصدقات، فالزكاة والصدقات يخرجها الرجل طهارة لماله، وإحساسًا بأخيه المسلم الفقير، ومعاونة له على مشاق الحياة وإدخال السرور على قلبه، فتتحقق المودة بين الفقير والغني، وتختفي الأمراض القلبية من المجتمع من حقد وحسد، ومنها الكفارات، فهناك كفارات مالية، مثل كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وغيرهما.
    ومن الكفارات الإطعام الذي يوثق الحب والإخاء بين المسلم وأخيه، ومنها الولائم والهدايا والهبات والوصايا، وكلها أمور تقضي على الأنانية بين الناس، وتزيل الكراهية من النفوس، وتساعد على التعاون على البر والتقوى.
    ومنها كفالة اليتيم ورعاية الأرامل، فهذا اليتيم ليس له أحد يرعاه بعد فقد والديه إلا المجتمع المسلم والحاكم المسلم، فإذا نشأ هذا اليتيم في أحضان هذا المجتمع، ووجد من يرعاه ويتولاه حتى يقوى على رعاية نفسه؛ نشأ على حب هذا المجتمع، والتفاني من أجله، مستعدًّا للموت في سبيل الدفاع عنه والأرملة إذا وجدت من يرعاها ويتكفلها؛ أحبت مجتمعها، وشكرت الأيدي التي امتدت لها، وكان ذلك صيانة لها من الانحراف.
    وهناك أمور أخرى كثيرة، مثل الوقف والقرض والعارية، تحقق التكافل بين أفراد المجتمع المسلم، فالرجل الذي يوقف ماله لبناء مسجد أو مستشفي أو مدرسة، أو يوقفه لمساعدة أقربائه، إنما يحب مجتمعه ويضحي من أجله، ويحبه الناس ويذكرونه بالخير، وهذا المقرِضُ الذي يُقْرِض أخاه المحتاج ويعينه، ويساعده إنما يفرج عنه كُربة من كُرب الدنيا، وهذا الذي يُعير أخاه ما يحتاجه، ثم يسترده بعد الانتفاع به، إنما يشيع بينه وبين إخوانه المحبة والتعاون والإيثار.
    حرص الشريعة على سلامة المجتمع وطهارته
    أكد الإسلام حرصه على سلامة المجتمع وطهارته ورقيه، وقد ظهر ذلك واضحًا من خلال بعض التشريعات الاجتماعية والأخلاقية، مثل:
    - المعاملات:
    أحلَّ الإسلام البيع، وفصَّل أحكامه وشروطه وأركانه، والحلال منه والحرام، فأحل منه ما كان المجتمع محتاجًا إليه وفيه نفعهم، وحرَّم ما كان ظلمًا وأكلاً لأموال الناس بالباطل، كما حرَّم الإسلام الربا لما فيه من أخطار ومضار كثيرة، فهو يسبب العداوة بين الناس، ويقضي على التعاون فيما بينهم، ويؤدي إلى وجود طبقة لا عمل لها إلا أن يتزايد مالها على حساب الآخرين.
    ومجَّد الإسلام العمل وحث عليه؛ لأنه وسيلة لإعمار الكون ورخاء الأمة، كما حث على القرض الحسن لمن احتاج إلى المال، وعمل على حفظ الدَّين بكتابته والإشهاد عليه، وحث المقترض على رد دينه، وأمر بضرورة الوفاء بالعهد واحترام العقود، كما أوجب الإسلام ضرورة إبداء شهادة الحق وعدم كتمانها، وحرم قول الزور، وحرَّم الغش في الكيل والميزان، وأمر بالعدل، وحث عليه، وجعله أساسًا من أسس الحكم في الإسلام، لما له من أثر في راحة الناس واطمئنانهم على حقوقهم.
    - الحدود والقصاص:
    لقد حرَّم الإسلام الإفساد في الأرض كسفك الدماء، وسرقة المال وغصبه، وانتهاك الأعراض، وقذف المحصنات، وقطع الطريق، وغيرها كثير، فجاءت الحدود الإسلامية لتكون مانعًا من ارتكاب هذا الفساد، وصونًا للمجتمع، فكان للسرقة حد هو قطع اليد، وللزنا حد هو الجلد مائة جلدة وتغريب عام من البلد إن كان غير متزوج، وإن كان متزوجًا فالرجم حتى الموت، وحد القتل العمد هو القصاص وهو قتل القاتل، إلا أن يرضى أهل القتيل بالدية فيأخذونها ويعفى عن القاتل، أو ما اصطلحوا عليه.
    ولا تقام الحدود إلا بالبينة والتثبت، والأصل أن تلغى الحدود بالشبهات، ومن الأمور المقررة أن القاضي إن أخطأ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة، كما أن إقامة الحدود من مسئولية الحاكم المسلم، وليس للأفراد إقامة الحدود إلا من ينيبه الحاكم منهم في إقامة الحد، فإن أقام الحد أحد الناس من تلقاء نفسه؛ عُزِّر لتعديه على حق من حقوق الحاكم، وحتى لا تعم الفوضى في البلاد، وتعزيره موكول للحاكم في حدود التعزير الذي قرره الشرع.
    كما أن الحدود تقام في ميدان عام يراها الناس، حتى يرتدع من يفكر فيما يوجب عليه حدًّا، ولنا في عهد الرسول ( العبرة والعظة، فلم تقم الحدود في عهده إلا ست مرات، نظرًا لتشبع القلوب والنفوس بقيم الإسلام وتعاليمه.
    - الآداب الاجتماعية:
    جاء الإسلام بآداب كثيرة ومتنوعة تحقق سلامة بنيان المجتمع المسلم، وتسهم في ترابطه وتعاونه مثل: إفشاء السلام، وصلة الرحم، وبر الوالدين، والأخوَّة، والتزاور، والإصلاح بين الناس، والتواضع، والنصح للمسلمين.
    وحرَّم الإسلام أشياء لما لها من أثر سيئ في تفكك المجتمع وتنافره وانحلاله، مثل: الغيبة والنميمة، وقطع الرحم، وعقوق الوالدين، والاعتداء على الآخرين، والغش، والكذب، والخيانة، وشهادة الزور، والظلم، إلى آخر هذه الأمور المنهي عنها في كتاب الله وسنة رسوله ).
     
  10. هيثم الزيدي

    هيثم الزيدي كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏20 ماي 2006
    المشاركات:
    13.675
    الإعجابات المتلقاة:
    42.053
      27-02-2007 20:41
    أسس بناء الدولة الإسلامية الأولي في المدينة
    إن أول مجتمع إسلامي تكوَّن وتربى على الإسلام هو ذلك المجتمع الذي رباه الرسول الكريم (، وهو المجتمع المثالي لأي مجتمع، وقد أقامه الرسول ( على عدة أسس، هي:
    بناء المسجد:
    لقد كان أول شيء قام به الرسول ( بعد قدومه إلى المدينة المنورة هو بناء المسجد، وقد كان للمسجد أثره الكبير في إقامة المجتمع الإسلامي على آداب الإسلام وتعاليمه، فلم يكن المسجد مكانًا لأداء الصلاة فقط، وإنما كان مكانًا للتربية وللعلم وللقيادة وللحكم وللمناسبات الإسلامية. فقد كان الرسول ( يعلم المسلمين في المسجد أحكام الإسلام وتعاليمه وآدابه.
    وكان ( يقضي بين الناس في المسجد، وكانت تُعقد فيه ألوية الحرب وتوجيه الرسل إلى الملوك، وإدارة شئون الدولة الإسلامية، وكان المسجد مكانًا لعلاج المرضى وإسعافهم سواء في وقت السلم أو الحرب، وهكذا يظهر دور المسجد في بناء الدولة الإسلامية وحضارتها.
    المؤاخاة بين المسلمين:
    لقد كان الأساس الذي أرساه الرسول ( لبناء المجتمع الإسلامي في المدينة، بعد بناء المسجد هو المؤاخاة بين المسلمين، وهو عمل بدأه بين مسلمي مكة قبل الهجرة.
    ولم يكن المهاجرون يملكون شيئًا بعد أن هاجروا إلى المدينة، فقد تركوا أموالهم وأولادهم في مكة، فآخى الرسول ( بين المهاجرين والأنصار، وقامت المؤاخاة على أسس مادية كالمشاركة في المال والثروة والتوارث فيها، بالإضافة للأسس المعنوية كالولاء والمناصرة، وظل هذا التوارث بسبب المؤاخاة قائمًا حتى غزوة بدر الكبرى في السنة الثانية للهجرة، عندما نزل قوله تعالى: {وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم} [الأنفال: 75] فأصبح التوارث بسبب القرابة والرحم.
    وقد أحب الأنصار المهاجرين حبًّا شديدًا، وآثروهم على أنفسهم، فأثنى الله عليهم، قال تعالى: {والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون} [الحشر: 6]. وهذه المحبة التي قامت بين المسلمين كانت نعمة من الله عليهم، فقد جعلت المسلمين أسرة واحدة، ومجتمعًا واحدًا.
    المعاهدة بين المسلمين وغيرهم:
    أصبح سكان المدينة بعد المؤاخاة بين المسلمين جماعتين فقط: جماعة المسلمين، وجماعة غير المسلمين وأغلبهم من اليهود، فوضع الرسول ( دستورًا وميثاقًا للعلاقة بين المسلمين وغيرهم، وكانت هذه المعاهدة من أعظم المظاهر الحضارية في الحياة السياسية والاجتماعية التي جاء بها الإسلام لبيان الحقوق والواجبات التي على المسلمين وعلى غيرهم بصورة لم تعهدها شبه الجزيرة من قبل.
    الرسول ( القدوة:
    كان الرسول ( هو قائد المجتمع المسلم، وهو الحاكم القدوة، فكان الرسول ( يستشير أصحابه في كثير من الأمور، وكان يلتزم الشورى في كل أمر لم ينزل فيه وحي من عند الله، حتى قال أبوهريرة -رضي الله عنه-: (ما رأيت أحدًا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله () [الترمذي].
    وكان ( يمازح أصحابه ويداعبهم ويخالطهم، ويجيب دعوة الحر والعبد، ويبدأ من لقيه بالسلام، ويبدأ أصحابه بالمصافحة، ويقبل عذر المعتذر، وكان يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويساعد أهل بيته،.... إلى آخر صفاته الكريمة (.
    وقد نزل القرآن آمرًا الصحابة بالاقتداء بالرسول (، قال تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرًا} [الأحزاب: 21].
    ومن هنا اقتدى الصحابة بالرسول (، وبذلك تربى المجتمع الإسلامي الجديد على القيم والأخلاق، وبهذه الأسس الراسخة، وتلك القواعد الثابتة والقيم السامية والأخلاق الرفيعة، جاءت حضارة الإسلام، فأخرجت للعالم خير أمة أخرجت للناس.
    الأسرة في الحضارة الإسلامية
    الأسرة هي الدرع الحصينة التي تحمي صاحبها، ولا يكون الإنسان قويًّا عزيزًا إلا إذا كان في أسرة تحصنه. والأسرة التي ينشدها الشرع هي الأسرة الملتزمة بأوامر الله، والتي تكون نواة للمجتمع الملتزم بمنهج الله وشرعه.
    الزواج أساس تكوين الأسرة المسلمة:
    الزواج هو الطريق الشرعي الصحيح لتكوين الأسرة المسلمة، وقد حث الإسلام على الزواج وشجع عليه، قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}
    [الروم: 21].
    وقال الرسول :) (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) [متفق عليه].
    وللزواج فوائد كثيرة أهمها:
    - أنه وسيلة مشروعة للمحافظة على بقاء النسل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
    - المحافظة على الأنساب من الاختلاط، بسبب ما يترتب على النسب من حقوق وقواعد كالميراث، ومعرفة المحارم وغير ذلك.
    - المحافظة على المجتمع من شيوع البغاء والزنى واللواط.. تلك الأمراض التي تهدم المجتمع.
    - الزواج مسايرة للفطرة وعدم الانحراف عنها.
    وسوف يؤدي الزواج ثماره المرجوة إذا توافرت فيه النية الصادقة، والقدرة على نفقات الزواج. فالمسلم يبغي من زواجه أن يعف نفسه، ويحصن فرجه، ويكثر أعداد المسلمين، فعلى المسلم أن يصحح نيته في ذلك، فقد قال النبي :) (إن في بضع أحدكم صدقة)، قالوا: يا رسول الله، أيقضي أحدنا شهوته، ويكون له بها أجر؟). قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟). قالوا: نعم. قال: (فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر) [مسلم وأبوداود].
    ولقد وضع الإسلام كثيرًا من الضوابط، حتى يحقق الزواج ثمرته المرجوة، وهذه الضوابط هي:
    الخطبة قبل الزواج:
    والخطبة مجرد وعد بالتزويج، وقد أباح الشرع الحنيف لمن يريد الزواج من امرأة أن ينظر إليها، حتى يكون على بصيرة من أمره، إن كان ينظر إليها بقصد الخطبة، قال رسول الله :) (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما)
    [الترمذي والنسائي وابن ماجه]. إلا أن الخطبة لا تحل حرامًا كان قبلها، فما يزال كلا الخاطبين أجنبيًّا، فلا يجوز للرجل أن يخلو بمخطوبته، أو يخرج معها دون محرم، ولا يجوز للرجل أن يخطب على خطبة أخيه.
    فعن أبي هريرة أن رسول الله ( قال: (لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب) [الجماعة]. أما إذا تقدم الرجل لخطبة امرأة، ولم يرد أهلها عليه، وتقدم غيره بدون علم؛ فقبلوا الثاني، فلا حرمة في ذلك. ويستحب إخفاء الخطبة، وذلك خشية إفساد المفسدين، أو ربما لا يوفق الله بينهما، ويترك كل منهما الآخر، فيسبب ذلك حرجًا للمخطوبة، بخلاف العقد، فإنه يجب فيه الإشهار والإشهاد.
    اختيار الزوجة:
    حثَّ الإسلام الشاب على أن يختار زوجته ممن تتوفر فيها عدة شروط، وهي:
    الدين: فقد كان النبي ( يحث على اختيار ذات الدين الملتزمة بتعاليم الإسلام وآدابه، قال :) (تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها، وجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين) [الجماعة].
    حسن الخلق: وذلك لأنه لا يخفى على الإنسان أن بعض الصفات تنتقل إلى الأبناء بالوراثة، وكذلك بالتربية، فالبيت الملتزم يربي أبناءه على الالتزام والقيم الأخلاقية والطاعة.
    البكر: فقد روى جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- أن الرسول ( قال له: (تزوجت يا جابر؟). فقلت: نعم. قال: (أبكرًا أم ثيبًا ؟). قلت: بل ثيبًا. قال: (فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك). فقلت له: إن عبد الله (والد جابر) هلك وترك تسع بنات، وإني كرهتُ أن أجيئهن بمثلهن، فأحببتُ أن أجيء بامرأة تقوم عليهن، وتصلحهنَّ). فقال :) (بارك الله لك) [متفق عليه]. وإن كان الإسلام قد دعا إلى الزواج من البكر، فإنه لم يوجب ذلك، وقد تُفَضَّل المرأة الثيب على البكر أحيانًا كما ورد في حديث جابر السابق.
    الولود: لقول الرسول :) (تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر بكم الأمم) [أبو داود والنسائي]. ومن عظمة الإسلام ورحمته، أنه إذا كان قد أمر بالزواج بالودود الولود، فإنه أمر بالإحسان من سواها، إذ لا ذنب لها في قَدَر قدَّره الله عليها، وربما كان لها من الخلق والقدرات والمواهب ما يفوق ما حرمت منه.
    اختيار الزوج:
    وكما وضع الإسلام للرجل أسسًا يختار على أساسها الزوجة، فإنه وضع أيضًا للمرأة أسسًا تختار على أساسها زوجها، فلابد أن يتوفر في الرجل جميع ما يجب توفره في المرأة، دون تفرقة بينهما، فينبغي أن تتوفر فيه الصفات التالية:
    - أن يكون رجلاً ذا دين.
    - أن يكون أمينًا ذا خلق.
    - أن يكون قادرًا على تحمل المسئولية.
    وهذه الصفات معلومة من حديث الرسول :) (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فزوجوه، إلاَّ تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد) [الترمذي].
    ويستحب أن يكون الزوج متقاربًا في السن مع الزوجة، فقد خطب أبو بكر وعمر، -رضي الله عنهما- فاطمة، فقال الرسول :) (إنها صغيرة)، فخطبها علي، فزوجها له. [النسائي].
     
    أعجب بهذه المشاركة henderteichel

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...