لتلاميذ الآداب درس في التفكير الإسلامي : النص والمصلحة

الموضوع في 'أرشيف المنتدى التعليمي' بواسطة oussama1212, بتاريخ ‏8 ماي 2009.

  1. oussama1212

    oussama1212 عضو جديد

    إنضم إلينا في:
    ‏16 ماي 2008
    المشاركات:
    26
    الإعجابات المتلقاة:
    85
      08-05-2009 22:59


    درس النص والمصلحة

    ./ / تعريف المصلحة:
    لغـة : المصلحة كالمنفعة وزنا ومعنًى، فهي مصدر بمعنى الصلاح، كالمنفعة بمعنى النفع. أو هي اسم الواحدة من المصالح. وقد أورد لسان العرب المعنيين، إذ جاء فيه: «والمصلحة ، الصلاح، والمصلحة واحدة المصالح». فكل ما كان فيه نفع سواء كان بالجلب والتحصيل كاستحصال الفوائد واللذائذ أو بالدفع والاتقاء كاستبعاد المضار والآلام فهو جدير بأن يسمّى مصلحة.
    اصطلاحا: «المنفعة التي قصدها الشارع الحكيم لعباده، من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأموالهم، طبق ترتيب معيّن فيما بينها. والمقصود بالمنفعة اللذة أو ما كان وسيلة إليها ودفع الألم أو ما كان وسيلة إليه. أو هي كما عبّر عنها الرازي: اللذة تحصيلا أو إبقاءً. فالمراد بالتحصيل جلب اللذة مباشرة. والمراد بالإبقاء الحفاظ عليها بدفع المضرّة وأسبابها».
    وقد أورد الشاطبي تعريفا للمصلحة بقوله: «وأعني بالمصالح ما يرجع على قيام حياة الإنسان وتمام عيشه ونيله ما تقتضيه أوصافه الشهوانية والعقلية على الإطلاق حتى يكون منعّما على الإطلاق».
    وأورد الطاهر بن عاشور تعريفا للمصلحة بقوله: «ويظهر لي أن نعرّفها بأنّها وصفٌ للفعل يحصل به الصلاح، أي النفع منه دائما أو غالبا للجمهور أو الآحاد». فقوله دائما فيه إشارة على المصلحة الخالصة المطّردة وقوله أو غالبا فيه إشارة إلى المصلحة الراجحة في أغلب الأحوال، وقوله للجمهور أو الآحاد إشارة إلى أنّ المصلحة قسمان:
    · مصلحة عامة: وهي ما فيه صلاح عموم الأمّة ولا التفات منه إلى أحوال الأفراد إلاّ من حيث إنهم أجزاء من مجموع الأمّة – مثل طلب العلم الديني والجهاد الذي يكون سببا في حصول قوة الآمّة –
    · مصلحة خاصّة: وهي ما فيه نقع الآحاد باعتبار صدور الأفعال من آحادهم ليحصل بإصلاحهم صلاح المجتمع المركّب منهم، مثل حفظ المال من السرف بالحجر على السفيه مدّة سفهه، فذلك نفع لصاحب المال ليجده عند رشده، أو يجده وارثه من بعده وحفاظ على عامة مال المسلمين.
    وخلاصة القول مما أوردناه من تعريفات: إنّ المصالح والمفاسد إنّما تُفهم أو تعرف على مقتضى ما غلب: فإذا كان الغالب جهة المصلحة، فهي المصلحة المفهومة عرفا، ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبا إلى الجهة الراجحة، فإن رجحت المصلحة فمطلوب، ويقال: إنّه مصلحة، وإذا غلبت جهة المفسدة فمهروب عنه، ويقال إنّه مفسدة. وهو ما عبّر عنه الشاطبي بقوله: «فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد... وكذلك المفسدة إذا كانت هي الغالبة بالنظر على المصلحة في حكم الاعتياد فرفعها هو المقصود شرعا ولأجله وقع النهي...» وهو ما أكّده الغزالي بقوله في تعريف المصلحة: «أن تحفظ على الناس دينهم ونفسهم وعقلهم وأعراضهم أو تسلهم وأنسابهم ومالهم». فكلّ ما يتضمّن هذه الأصول أو المقاصد فهو مصلحة، وكلّ ما يفوّت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعُهُ مصلحة».
    2. خصائص المصلحة في الشريعة الإسلامية:
    يمكن حصر هذه الخصائص في ثلاثة أمور:
    · الخاصية الأولى: أنّ الزمن الذي يظهر فيه أثر كلّ من المصلحة والمفسدة ليس محصورا في الدنيا وحدها، بل مكوّن من الدنيا والآخرة معا لارتباط فعل الإنسان بالدارين معا ارتباط السبب بالمسبّب، إذ أمره الله تعالى باتخاذ الحياة الدنيا وسيلة للسعادة في الحياة الآخرة، وذلك في قوله تعالى: « وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ» وقوله تعالى: « وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا وبناء على هذا التلازم بين الدنيا والآخرة، كان من أبرز صفات الشرائع الإلهية أنّها جاءت لما فيه صلاح الناس في عاجلهم وآجلهم، أي أنّها جاءت شريعة يلزم من تطبيقها حصول السعادة لهم في الدنيا والآخرة. ولذلك لا يجوز الحكم على الفعل بأنّه مصلحة بناء على الآثار الدنوية وحدها، وإنّما بالنظر أيضا على الآثار الأخروية.
    · الخاصية الثانية: أنّ قيمة المصلحة الشرعية لا تنحصر فيما تنطوي عليه من لذّة مادية بل هي نابعة من حاجتي كلّ من الجسد والروح في الإنسان. فالمصلحة في الشريعة الإسلامية تنظر بعدالة إلى نوازع كلّ من الجسد والروح.
    · الخاصية الثالثة: أنّ مصلحة الدين أساس المصالح الأخرى ومقدّمة عليها، فيجب التضحية بما سواها مما قد يعارضها من المصالح الأخرى إبقاء لها ومحافظة عليها. فمن المتفّق حوله أنّ إحراز مرضاة الله والخلود في جنّته هما أعظم مصلحة على الإطلاق في حياة الإنسان. وبما أنّ القوانين البشرية كلّها تقضي بتسخير الأدنى لما هو أعلى رتبة منه واتخاذ بعض المصالح وسائل لتحقيق بعضها الآخر، وبناء على قاعدة اتباع الأكثر فائدة والأعظم نفعا، فقد كان من المصلحة نفسها أن يسخِّر الإنسان جميع وجوه المنافع والمصالح الفرعية في حياته لتحقيق ما هو أعظمها نفعا على الإطلاق.
    وخلاصة هذه الخاصيات الثلاث:
    - أنّ الميزان الزمني للمصلحة الشرعية هي مجموع الدنيا والآخرة
    - أنّ هذه المصلحة مقسّمة إلى مصالح روحية ومادية
    - وأنّ المصالح الدنيوية قرع عن جوهر الدين وأساسه.

    3. مراعاة الشريعة للمصلحة أدلتها من الكتاب والسنّة
    مما أتفق حوله علماء الأمّة وأجمع عليه فقهاؤها أنّ جميع التشريعات والأحكام متكفلة بمصالح العباد في الدارين، وأن مقاصد الشريعة ليست سوى تحقيق السعادة الحقيقية لهم في الدنيا والآخرة، وقد قامت الأدلة على ثبوت مراعاة الشريعة للمصالح، ويمكن تصنيفها إلى ثلاثة أنواع: أدلة من الكتاب والسنّة ومن القواعد الفقهية المتفق عليها:
    · الأدلة من الكتاب: قوله تعالى:«وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وقوله تعالى: « هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ» (الجاثية20) وقوله تعالى: « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ» (النحل90) وقد روي عن ابن مسعود أنّه قال عن هذه الآية: إنّها أجمع آية للقرآن للخير والشر، ولو لم يكن فيه غير هذه الآية لكفت في كونه تبيانا لكل شيء وهدى، وذلك لما اشتملت عليه من سبل تحقيق سعادة الإنسان المادية والروحية في الدنيا وفي الآخرة. وقوله تعالى: « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» النساء58. وقوله تعالى: « مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97النحل)، وقوله تعالى: « يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ» (البقرة )185 . وقوله تعالى: «مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (المائدة6). فهذه الآيات وغيرها كثير دليل على أنّ أحكام الله جارية وفق مصالح العباد، آتية لإسعادهم في معاشهم الدنوي ومعادهم الأخروي
    · الأدلة من السنّة: قوله صلّى الله عليه وسلّم: « قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ» فقد جمع الرسول حقيقة الدين بين طرفين اثنين، يبدأ بعقيدة التوحيد ويمتدّ ليشمل أبسط نموذج لخدمة المصلحة العامة كإماطة الأذى عن الطريق، وبذلك تكون جميع وجوه المصالح على اختلاف أنواعها وفوائدها داخلة فيه محصورة بين طرفيه.
    · الأدلة من القواعد الفقهية المتفق عليها:
    - القاعدة الأولى: انقسام المعاصي التي نهى عنها الشارع إلى صغائر وكبائر وتفاوت الإثم المترتّب عليها حسب هذا التقسيم، فينحصر سبب تفاوت الإثم على المعاصي في تفاوت أثر المعصية وما تجلبه من الشرور والمفاسد للعباد، كما ينحصر سبب تفاوت المثوبة على الطاعات في تفاوت نتائجها من المصالح العائدة غليهم
    - القاعدة الثانية: مراعاة الشريعة لأعراف الناس بشرط أن لا تجرّ عليهم مفسدة ولا تهدر لهم مصلحة سواء كانت تلك الأعراف معدودة في المقاصد بالنسبة إلى تصرفاتهم أو معدودة في الوسائل والأسباب. فقد تبيّن أنّ الشارع الحكيم راعى في تقديره لعوائد الناس أو إلغائها ما تقتضيه مصالحهم وما يستدعيه السبيل على سعادتهم، وبذلك ستكون أحكام الشريعة كلها قائمة على هذا الأساس
    - القاعدة الثالثة: اختلاف شروط صحّة المعاملات وصفاتها وآثارها حسب اختلاف طرقها إلى تحقيق مصالح العباد ومثاله: اعتبار التوقيت شرطا ضروريا في مثل الإيجارة والمساقاة والمزارعة، في حين يعتبر الإطلاق في عقد الزواج، فتقييده بوقت يؤدي إلى بطلانه.
    والخلاصة أنّ هذه الأدلة والقواعد المتفق عليها تدلّ دلالات قاطعة على أنّ الشريعة الإسلامية قائمة في جملتها وتفصيلها على أساس الرعاية لمصالح العباد، من حيث تحقيقها والمحافظة عليها.
    4. أنواع المصلحة
    أ/ المصلحة المعتبرة
    مما أجمع عليه علماء الأمة وفقهاؤها تقسيم المصلحة المعتبرة إلى ثلاثة أنواع: وهي:
    1. مصالح ضرورية: وهي التي تكون الأمة بمجموعها وآحادها في ضرورة إلى تحصيلها بحيث لا يستقيم النظام بإخلالها، بحيث إذا انخرمت تؤول حال الأمة على فساد وتلاش. وهي على الترتيب: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. وقال الغزالي في ذلك: «وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة يستحيل أن لا تشتمل عليه ملّة ولا شريعة أُريد بها إصلاح الخلق، وقد عُلم بالضرورة كونُها مقصودة للشرع لا بدليل واحد وأصل معيّن بل بأدلة خارجة عن الحصر». وقال الشاطبي: «وعلم هذه الضرورات صار مقطوعا به ولم يثبت ذلك بدليل معيّن بل عُلمت ملاءمتها للشريعة بمجموع أدلّة لا تنحصر في باب واحد» وقال أيضا: «وحفظ هذه الضروريات بأمرين: أحدهما ما يقيم أصل وجودها، والثاني ما يدفع عنها الاختلال الذي يعرض لها
    2. المصالح الحاجية: وهو ما تحتاج الأمّة إليه لاقتناء مصالحها وانتظام أمورها بحيث لولا مراعاتها لها فسد النظام ولكنّه كان على حالة غير منتظمة فلذلك كان لا يبغ مبلغ الضروري. وقال الشاطبي في ذلك: «وهو ما يفتقر إليه من حيث التوسعة ورفع الحرج، فلو لم يراع دخل على المكلّفين الحرج والمشقة ولكنّه لا يبلغ مبلغ الفساد المتوقع في المصالح العامّة.
    3. المصالح التحسينية: وهي ما يكون بها كمال حال الأمّة في نظامها حتّى تعيش آمنة مطمئنة ولها بهجة منظر المجتمع في مرآى بقية الأمم، حتّى تكون الأمة الإسلامية مرغوبا في الاندماج إليها أو التقرّب منها.
    ب /المصلحة الملغاة
    وهي المصالح التي قام دليل الشرع بإلغائها وعدم اعتبارها ومن أمثلتها:
    1. التسوية بين البنت والابن في الميراث لأجل تساويهما في القرابة ولكن هذه المصلحة ألغيت بقوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ).
    2. الفرار من الزحف لحفظ النفس: وقد ألغى الشارع هذه المصلحة وجعل الفرار من الكبائر, قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ). فقد ألغى الشارع هذه المصلحة (حفظ النفس) من أجل مصلحة أكبر ألا وهي (حفظ الدين).
    3. قتل المريض الذي لا أمل في شفائه أو انتحاره هذه المصلحة ملغاة لقول الله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا). (الموت الرحيم)
    ج/المصلحة المرسلة:
    "حيثما وجد شرع الله فثم المصلحة "
    المصلحة المرسلة هي من أهم الأصول التي تميز بها المذهب المالكي، وهي بمثابة تطبيق لروح الشريعة ومقاصدها، وليست خروجا عليها أو انفلاتا منها، وهي بذلك تحقق نوعا من المرونة والتكيف داخل المنظومة الإسلامية لمواجهة كل المستجدات والنوازل التي تطرأ على مختلف مرافق الحياة، مما يؤكد صلاحية هذه الشريعة وخلودها على مر الأيام والأزمان.
    باستقرائنا لموارد الشريعة الإسلامية، وبتتبعنا لكليات أصولها وجزئيات نصوصها، نستخلص أن المقصد العام من التشريع الإسلامي يدور حول جلب المصالح ودرء المفاسد للفرد والمجتمع على حد سواء. والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) الأنبياء الآية 107..
    في معنى المصلحة
    عرف الأصوليون المصلحة اصطلاحا بأنها: "كل منفعة قصدها الشارع الحكيم لعباده من حفظ دينهم ونفوسهم وعقولهم ونسلهم وأعراضهم، أو كانت ملائمة لمقصوده وفق شروط وضوابط اتفقوا عليها. وهم يقسمون هذه المصلحة تقسيمات عديدة وفق اعتبارات معينة، أهمها:
    المصلحة المرسلة
    نظر العلماء إلى المصلحة المرسلة من زوايا مختلفة وعبروا عنها باصطلاحات مختلفة؛ فبعضهم عبر عنها بـ "المناسب المرسل"، وبعضهم بـ "الإستصلاح"، وبعضهم بـ "الإستدلال".
    والإرسال لغة هو: مجرد الإطلاق. فتقول: أرسلت الناقة إذا أطلقتها. أما اصطلاحا فقد عرفت المصلحة المرسلة بعدة تعريفات يمكن إجمالها في القول بأن "المصالح المرسلة هي كل منفعة ملائمة لمقصد الشارع وما تفرع عنه من قواعد كلية، ولم يشهد لها نص خاص بالاعتبار أو الإلغاء". (1)
    ومن هذا التعريف يمكن أن نستخلص ثلاثة قيود تميز المصلحة المرسلة عن غيرها من المصالح وهي:
    الأول: أن لا يشهد لها نص خاص بالاعتبار: يخرج بهذا القيد المصالح التي شهدت لها النصوص الخاصة بالاعتبار.
    الثاني: أن لا يشهد لها نص خاص بالإلغاء، وهذا القيد يدل على عدم مصادمتها للنصوص الشرعية الخاصة، من أجل إخراج المصالح الموهومة التي جاءت النصوص على خلافها.. مثل القول بإباحة الربا للضرورة الاقتصادية..
    الثالث: أن تكون ملائمة لمقصود الشارع وما تفرع عنه من قواعد كلية استقرئت من مجموع النصوص، وبهذا القيد تتميز المصالح المرسلة عن المصالح المعتبرة التي شهدت النصوص الخاصة لعينها بالإعتبار.
    موقف العلماء من المصالح المرسلة
    اتفق العلماء على عدم جواز "الاستصلاح" في أحكام العبادات؛ لأنها تعبدية وليس للعقل مجال لإدراك المصلحة الجزئية لكل منها. والمقدرات كالحدود والكفارات وفروض الإرث وشهور العدة بعد الموت أو الطلاق، وكل ما شرع محددا واستأثر الشارع بعلم المصلحة فيما حدد به.
    ويمكن حصر أقوال العلماء في المصلحة في مذهبين:
    المذهب الأول : المانعون من الاحتجاج بالمصالح المرسلة: وقد ذهب إلى هذا الرأي كل من الباقلاني والآمدي وابن الحاجب وابن تيمية...). ومستندهم في ذلك عدم وجود دليل من الكتاب والسنة يدل على جواز العمل بها، أو على عدم اعتبارها..
    المذهب الثاني : وهم الآخذون بها، وإن اختلفوا في التسمية وضوابط العمل بها، وهم المالكية على ما هو مشهور، وجمهور العلماء عند التحقيق.
    إلا أن ما يميز المذهب المالكي هنا عن غيره من المذاهب هو عد المصلحة المرسلة دليلا مستقلا، منفصلا عن باقي الأدلة. (2) بخلاف المذاهب الأخرى التي أدرجتها تحت دليل من الأدلة المتفق عليها كالقياس على ما هو عليه الجمهور مثل الحنفية والشافعية والحنابلة، أو إرجاعها لمقصود الشارع الذي يدل عليه الكتاب والسنة والإجماع، على ما ذهب إليه الإمام الغزالي.
    واتفق المالكية على اشتراط ضابطين لاعتبار المصالح المرسلة: الأول: أن تكون معقولة المعنى في ذاتها جارية على الأوصاف المناسبة، بحيث إذا عرضت على أهل العقول السليمة تلقتها بالقبول. وبهذا القيد يتضح أن مجال العمل بالمصالح المرسلة يتعلق بقسم المعاملات خاصة، دون قسم العبادات لأنها غير معقولة المعنى في الغالب.
    والثاني أن تكون ملائمة لمقصود الشارع بحيث لا تنافي أصلا من أصوله ولا تعارض دليلا من أدلته القطعية (3) ..
    وصفوة القول إن الأخذ بالمصلحة المرسلة مبدأ اتفقت جميع المذاهب في الأخذ بها خلافا للظاهرية. وهو ما عبر عنه القرافي بقوله: " وأما المصلحة المرسلة فالمنقول أنها خاصة بنا، وإن افتقدت المذاهب وجدتهم إذا قاسوا وفرقوا بين المسألتين، لا يطلبون شاهدا بالاعتبار لذلك المعنى الذي به جمعوا وفرقوا، بل يكتفون بمطلق المناسبة، وهذا هو المصلحة المرسلة، فهي حينئذ في جميع المذاهب"
    انطلاقا من ربانية هذه الشريعة يمكن الجزم انه حيثما وجد شرع الله فثم المصلحة
    وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ ( المؤمنون 71

    5. ضوابط المصلحة:
    وهو ما به تعرف المصلحة وتتميّز عن غيرها، أو ما به تحدّ المصلحة في منظور الشرع فيعمل بها. وقد ذكر البوطي هذه الضوابط وهي خمسة مع إضافة بعض القواعد الفقهية مما اتفق عليه الفقهاء:
    1) اندراجها في مقاصد الشارع: ومقاصد الشارع في خلقه تنحصر في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال. فكل ما يتضمّن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوّت هذه الأصول أو بعضها فهو مفسدة.
    2) عدم معارضتها للكتاب: ودليل ذلك:
    · من العقل: أنّ معرفة مقاصد الشارع إنّما تمّت استنادا على الأحكام الشرعية المنبثقة من أدلتها التفصيلية والأدلة عائدة إلى دليل الكتاب، فلو عارضت المصلحة المعتبرة شرعا كتاب الله تعالى لاستلزم ذلك أن يعارض المدلول دليله وهو باطل
    · ومن النقل: ما ثبت بصريح القرآن من وجوب التمسّك باحكامه وتطبيق أوامره ونواهيه، ومنها قوله تعالى: « وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ» (المائدة44) وقوله تعالى:« فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا» (المائدة 48)
    3) عدم معارضتها للسنة: والمقصود بالسنة ما ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلّم من قول أو فعل أو تقرير
    فما يراه الباحث أو المجتهد مصلحة فميزان صدقه ان لا يخالف الكتاب والسمة، فإذا تبيّن مخالفته للسنّة فليس مصلحة حقيقية، ومن ثمّ لا يجوز العمل به. ومن الأدلة على وجوب اتباع السنّة، قوله تعالى: «) وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (النساء115)، كما ثبت إجماع الصحابة على عدم العمل بالرأي المخالف للسنّة وتواصيهم بذلك.
    4) عدم معارضتها للقياس: والقياس إنّما هو مراعاة مصلحة في فرع بناء على مساواته لأصل في علّة حكمه المنصوص عليه
    5) عدم تقويتها مصلحة أهم منها أو مساوية لها: بما أنّ الشريعة الإسلامية قد ثبت قيامها على مراعاة مصالح العباد، فإنّ ذلك يقتضي تقديم الأهم منها على ما هو دونه، ويقع الاعتماد على ميزان يحدد تفاوت المصالح حسب : - أهميتها - وشموليتها - ونتائجها. فإذا تعارضت مصلحتان في مناط واحد، بحيث لا بدّ لنيل إحداهما من تفويت الأخرى، وجب عرضهما على النظر من تلك الجوانب الثلاثة.
    ذلك أنّ الفعل إنّما يتصّف بكونه مصلحة أو مفسدة حسب ما ينتج عنه في الخارج، فلا يجوز ترجيح مصلحة على أخرى إذا كانت مشكوكة أو موهومة الوقوع مهما كانت قيمتها أو درجة شمولها، بل لا بد أن تكون مقطوعة الحصول أو راجحة الوقوع.
    ومن القواعد الفقهية التي يمكن إضافتها إلى هذه الضوابط:
    · المشقة تجلب التيسير: وهذه القاعدة التي نصّت عليها آيات قرآنية وأحاديث نبوية، لا ينبغي أن تفهم على وجه يتناقض مع الضوابط التي سبق ذكرها، فلا يكون التخفيف مخالفا للكتاب والسنة والقياس الصحيح ولا المصالح الراجحة.
    · تبدّل الأحكام بتبدل الأزمان: ومثاله: لو اجمع المسلمون في عصر ما على عقد الصلح بينهم وبين الكافرين لمصلحة تستدعي ذلك، ثم رأى من بعدهم عدم الصلح لزوال تلك المصلحة فمثل هذا التبدّل تقتضيه مصلحة المسلمين، ولا يعتبر في حقيقته تبدّل لحكم شرعي ثابت، وإنّما هو تطبيق لأوجه متعدّدة لحكم شرعي
    وخلاصة القول في هذا المبحث أنّ المصلحة المعتبرة في نظر الشرع لها حدود وضوابط،

    والله ولي التوفيق
     
    5 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...