فقه الدعوة

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة humanbeing, بتاريخ ‏24 ماي 2009.

  1. humanbeing

    humanbeing عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 أفريل 2008
    المشاركات:
    1.687
    الإعجابات المتلقاة:
    7.560
      24-05-2009 15:46
    [​IMG]

    السلام عليكم و رحمة الله و بركاته


    نخصص هذا الموضوع بإذن الله لبعض المؤلفات و الكتابات في فقه الدعوة عسى أن ينفعنا الله بها..

    والآن مع:
    التدرج و فقه الأولويات
    لصاحبه
    عدنان آل عرور

    التدرج، وفقه الأولويات
    وفيه تسعة مطالب:
    المطلب الأول: المقصود بالتدرج وفقه الأولويات:
    لا تنفصل قضايا الدعوة واحدة عن الأخرى انفصالاً تاماً، فإن مسألة التدرج في المأمورات والنهي عن المحرمات من باب فقه الأولويات، ومن باب مراعاة حال المدعوين كذلك، ولكن التدرج يفارقهما في مراعاة حال المدعو إيمانياً، ونفسياً، وواقعياً، من حيث المادة العلمية نفسها.
    فمن الضروري جداً؛ أن يكون لدى الداعية منهجٌ واضح في قضية التدرج مع المدعوين، وفقهٌ في الأولويات التي ينبغي للداعية أن يقدمها ويراعيها، كي تؤدى الدعوة إلى الله على وجهها الصحيح، ولتتناسب وفطر الناس التي فطرهم الله عليها، ولكي يوفق إلى اختيار الأهم فالأهم، إذا ما تزاحمت لديه الأمور، واجتمعت عليه في آن واحد القضايا.فالتقعيد في هذا الباب، والفقه فيه، يعطي الداعية تصرفاً سليماً في المواقف، وترتيباً لأولويات دعوته، مما يحفظ عليه وقته وجهده، فينتفع وينفع، ويزرع.. فيثمر.. وإلا تخبط في دعوته، فيَضيع ويُضيّع.. ويزرع.. فلا يثمر..
    والمقصود بالتدرج: الانتقال بالمدعو من الأسهل إلى الأصعب، ومن كلية إلى أخرى، ومن الكليات إلى الجزئيات، ومن الدعوة النظرية إلى الدعوة العملية التطبيقية، ومن الإيمان إلى الأعمال، ومن التوحيد إلى العبادات.والانتقال به في باب المحرمات، من محرم إلى آخر.. ومن تحريم الكبائر إلى تحريم الصغائر، حتى يصل المدعو إلى مرتبة التكيف مع كل توجيه، والانصياع لكل أمر.والتدرج سنة كونية، وشرعية، لأنها تتوافق والفطرة التي فطر الله الناس عليها.فإن طبيعة البشر، تأبى قبول الأحكام جملة واحدة، أو الامتناع عن المحرمات مرة واحدة، وذلك لما ألفته النفس واعتادت عليه من العادات في جاهليتها، واستثقال ما هو جديد من العبادات، لذلك يصعب على النفس ترك ما ألفته من تلك العادات، ويشق عليها تجنب ما اعتادته من الشهوات، دفعة واحدة، لذلك جاءت سنة التدرج الشرعية، موافقة تماماً لسنة الله الكونية.قال تعالى: {قُلْ أَنزَلَهُ الّذِي يَعْلَمُ السّرّ في السّمَاوَاتِ وَالأرْضِ... ** الآية (الفرقان/6).
    لذلك سَنَّ الله سبحانه التدرج مع عباده في كثير من القضايا.. في المأمورات، وفي المنهيات.. وكذلك سنَّه رسول الله .وأما الاشتراك بين التدرج وفقه الأولويات، فذلك لأن فقه الأولويات يعني التدرج من الأهم إلى المهم.. فالتوحيد - مثلاً - أعظم العبادة، فكان لا بد من تقديمه على كل عبادة، لأنه لا تستقيم عبادة إلا به، فهذا تدرج وأخذ بالأولويات، فهو يشبه الوضوء للصلاة.ولما كان الشرك أعظم الذنوب، كان لابد من تقديم النهي عنه على كل ذنب، فهذا تدرج وأخذ بالأولويات، وهكذا تتداخل هاتان القاعدتان، وتتشاركان.
    والمقصود تمثيلاً: أنّه إذا أسلم رجل.. أو إذا جاء داعية إلى قوم قد تركوا الواجبات.. وفعلوا المحرمات، فلا يطلب منه (منهم) فعل الواجبات كلها دفعة واحدة، ولا ترك المحرمات كلها دفعة واحدة.. وإنما يطلب منه (منهم) التوحيد.. ثم الصلاة، ثم الزكاة، وينهى عن الكبائر.. كبيرة كبيرة..وأما إذا كان الرجل حديث الإسلام، أو القوم الذين ضعف إيمانهم.. على استعداد لتقبل فعل معظم الطاعات، وترك معظم المنهيات فيبلغون والحال هذه.. لكن كم من امرئ أفاد أنه على استعداد.. ثم سرعان ما انتكس.
    المطلب الثاني: التدرج في المأمورات واحدة واحدة وأدلة ذلك:
    من أوضح ما يبين قضية التدرج في الواجبات، نزول القرآن على مراحل، وعدم نزوله دفعة واحدة، لأن هذا التتابع والتدرج يثبت الأفئدة، ويجعلها تعي ما يقال لها، لذلك لما استغرب الكفار نزول القرآن منجماً، قال لهم سبحانه مخاطباً رسوله {كَذَلِكَ لِنُثَبّتَ بِهِ فُؤَادَكَ.. ** الآية (الفرقان/3)، ويبين هذا؛ ما كان من سيرة الأنبياء في مسلكهم الدعوي، فقد كانوا يدعون الناس إلى توحيد الخالق، ونبذ الشرك، قبل الأمر بكثير من العبادات، ولا التعرض إلى كثير من المحرمات التي يتعاطاها المدعوون.
    قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلّ أُمّةٍ رّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطّاغُوتَ** (النحل/ 36).فإذا استقر الإيمان في القلوب، وخلصت النفوس بالتوحيد، نقلت إلى أداء الأركان، واحداً بعد الآخر.. أي: إلى العبادات، عبادة تلو أخرى.وإذا كان الإيمان هو القاعدة، فإن العبادات هي مثبتاتها، فهي تثبت الإيمان وتزيده، وأثناء التدرج بالعبادات، يكون التدرج بالانتهاء عن المحرمات، ذلك لأن العبادات تعين على ترك المنكرات.قال تعالى:{إِنّ الصّلاَةَ تَنْهَىَ عَنِ الفحشاء وَالْمُنْكَرِ.. ** الآية (العنكبوت/ 45).وقال تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا.. ** الآية (التوبة/ 103).وقال صلى الله عليه و سلم: "صوم ثلاثة أيام من الشهر تذهب وحر الصدر" [1].وَحَرَ الصدر: أي تطهير القلب من الدنس، وما يلحقه من الأدران المعنوية من حقد وحسد، وما شابه ذلك.وقال صلى الله عليه و سلم: "الطُّهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن، أو تملأ مابين السماء والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها"[2].فالبدء بالدعوة إلى الإيمان.. تأسيس و اطمئنان، والتثنية بالعبادات.. ذكر وتثبيت، والنهي عن المنكرات.. تطهير وتزكية.ومن أوضح ما يبين قضية التدرج ما أمر به رسول الله معاذاً حين أرسله إلى اليمن.فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن:" إنك ستأتي قوماً من أهل الكتاب، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينه وبين الله حجاب"[3].
    المطلب الثالث: التدرج في المأمور نفسه:
    ولم تقتصر سنة التدرج بين الكليات كالتوحيد، ثم العبادة فحسب.. بل كان التدرج في الكلية نفسها، أي: كان التدرج في التوحيد نفسه، وفي الصلاة نفسها.فأول ما حُرم الشرك الأكبر، ولم ينههم الرسول e عن الشرك الأصغر إلا في المدينة.فعن ابن عمر رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدرك عمر بن الخطاب، وهو يسير في ركب يحلف بأبيه، فقال: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم"[4].ففي هذا الحديث وغيره، دلالةٌ على أن الصحابة كانوا يحلفون في المدينة بآبائهم، فلو كان شركاً أكبر، وقد نهوا عنه أول الأمر، لما وقعوا فيه بعد الهجرة، وبخاصة من أمثال عمر رضي الله عنه.وأصرح من هذا؛ قوله صلى الله عليه وسلم: "إنكم كنتم تقولون كلمة كان يمنعني الحياء منكم أن أنهاكم عنها، قال: لا تقولوا ما شاء الله، وما شاء محمد" [5]وأول ما شرعت الصلاة ركعتين ركعتين في مكة، ودون النوافل، ثم زيدت في الحضر، ثم شرعت النوافل.فعن عائشة رضي الله عنها قالت: "فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي e ففرضت أربعاً، وتركت صلاة السفر على الأولى"[6]ولم تكن الصلاة أول ما شرعت على هيئتها آخر الأمر، فكان المسلمون يتكلمون في صلاتهم، ثم أمروا بالإمساك عنه، بقوله تعالى:{وَقُومُواْ للّهِ قَانِتِينَ ** (البقرة/ 238).قال ابن كثير: وهذا الأمر مستلزم ترك الكلام في الصلاة لمنافاته إياها، فعن زيد بن أرقم قال: كان الرجل يكلم صاحبه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في الحاجة في الصلاة حتى نزلت هذه الآية {وَقُومُواْ للّهِ قَانِتِينَ** (البقرة/238) فأمرنا بالسكوت. [7]وكذلك الصيام نقل فيه المسلمون من حال إلى حال.فعن معاذ بن جبل قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال... وقال في الصوم: فإن رسول الله صلى الله عليه و سلم كان يصوم ثلاثة أيام من كل شه، ويصوم يوم عاشوراء، فأنزل الله تعالى {يَأَيّهَا الّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ**، إلى قوله: { طَعَامُ مِسْكِينٍ **(البقرة:183 /184)، فمن شاء أن يصوم صام، ومن شاء أن يفطر فطر، ويطعم كل يوم مسكينا أجزأه ذلك، وهو حول فأنزل الله تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الّذِيَ أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ**، إلى قوله {أَيّامٍ أُخَرَ** (البقرة/185) فثبت الصيام على من شهد الشهر، وعلى المسافر أن يقضي، وثبت الطعام للشيخ الكبير والعجوز، اللذين لا يستطيعان الصوم، وساق الحديث[8].ففي هذه الأدلة دلالة واضحة على أن التدرج كان في تعليم الناس التوحيد نفسه، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمهم التوحيد كاملاً، ولا الصلاة دفعة واحدة على هيئتها الأخيرة.والمقصود من هذا: أن التدرج يكون من كلية إلى كلية، كما يكون في الكلية نفسها من حال إلى حال.
    المطلب الرابع: التدرج في النهي عن المحرمات:
    كما كان التدرج في المأمورات من توحيد وعبادات، كان كذلك في تحريم المحرمات، فلم تُحرَّم المحرمات في بدء الدعوة، ولا حُرِّمت -بعد ذلك - دفعة واحدة، بل كانت تُحرَّم واحدة تلو الأخرى.وقد كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم يتعاطون بمكة محرمات؛ من خمر وميسر وغير ذلك، مما عده الإسلام بعد ذلك من الموبقات، دون أن ينهاهم الإسلام - وقتئذ - عن شيء منها، وهذا أمر مشهور لا يحتاج إلى شواهد، فتعاطي الصحابة الخمر حتى في المدينة مشهور ومعروف[9].فقد بدأ الإسلام بتحريم الشرك، ثم الكبائر، ثم الصغائر.قال تعالى:{قُلْ إِنّمَآ أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّهَ وَلآ أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُو وَإِلَيْهِ مآبِ **(الرعد/ 36).وقال تعالى: {وَادْعُ إِلَىَ رَبّكَ وَلاَ تَكُونَنّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ** (القصص/8).ثم نزل بعد ذلك تحريم المحرمات بالتدرج دون تفصيل -بادئ الأمر- ولا تعميم.قال تعالى: {قُل لاّ أَجِدُ فِى مَآ أُوْحِىَ إِلَيّ مُحَرّماً عَلَىَ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنّ رَبّكَ غَفُورٌ رّحِيمٌ **(الأنعام:145)قال القرطبي: أعلم الله عز وجل في هذه الآية بما حرم.. والآية مكية، ولم يكن في الشريعة في ذلك الوقت محرم غير هذه الأشياء ثم نزلت سورة المائدة بالمدينة، وزيد في المحرمات كالمنخنقة والموقوذة والنطيحة والخمر وغير ذلك، وحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة أكل كل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير[10].
    المطلب الخامس: التدرج في نفس المحرم:
    كذلك كان يُتدرج في المحرم نفسه، من حال إلى حال، والتدرج في تحريم الخمر أشهر من أن نذكره هنا.فعن عمر بن الخطاب قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم بيّن لنا في الخمر بياناً شفاء، فنزلت الآية التي في البقرة {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ.. **الآية (البقرة/21)، قال: فدعي عمر فقرئت عليه، قال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء، فنزلت الآية التي في النساء: {يَا أَيّهَا الّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىَ** (النساء/ 43) فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة ينادي: ألا لايقربن الصلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بياناً شفاء، فنزلت هذه الآية {فَهَلْ أَنْتُمْ مّنتَهُونَ**(المائدة/91)، قال عمر: انتهينا [11].ولما كان التدرج بتحريم الزنى ممتنعاً واقعياً، حُرم عليهم الزنى، وسكت عن متعة النساء، ثم حرّمت.. ثم أبيحت في ظرف معين.. ثم حرمت إلى الأبد[12].
    المطلب السادس: التدرج سُنّة لم تُنسخ:
    فإن قيل: إن التدرج كان قبل نزول الأحكام، وفرض العبادات، وقد تمت الأحكام، وفرضت العبادات، فلا تدرج اليوم.قيل: أولاً: إن التدرج منهج مرحلي، وطريقة دعوية، لا تنسخ كأحكام الحلال والحرام المعرضة للنسخ.
    ثانياً: إنه لا دليل على نسخ التدرج لمن يحتاجه، ودعوى تمام الشريعة لا تتعارض مع بقاء سنة التدرج في بعض الأحوال، ومع بعض الأعيان، بل لو قيل: إن من تمام الشريعة، وكمالها، وجمالها بقاء سنة التدرج.. لكان صحيحاً، وذلك ليتناسب هذا الدين وأحوال الناس كافة.. ولو سُلِم بأن التدرج منسوخ.. فكيف ستعامل هذه الشعوب المسلمة التي خرجت مما وقع فيها من الفتن، وهي لا تعلم عن دينها شيئا، أتريدون أن نلقي عليهم الإسلام جملة واحدة حتى ينفروا.... سبحانك!!!.
    ثالثاً: إن التدرج كان لعلة، فإذا زالت زال، وإذا وجدت وجد.وعلته: وجود مجتمعات جاهلية تدعى إلى الإسلام.أو: وجود مسلمين حديثي عهد بجاهلية.ووجود هذه الأصناف - وهي علة التدرج - ما زالت قائمة، وستبقى إلى يوم القيامة، وببقائها تبقى سنة التدرج، لذلك يشرع في حق هؤلاء التدرج؛ ولو بعد ثبوت الأحكام الشرعية.فلو قدر أن رجلاً يريد أن يسلم، واستثقل ترك الخمر، فلا مانع أن يسلم، ولو بقي على ذنبه، أو استثقل الحج، فيقال له أسلم، ثم يكون بعد ذلك ما يكون، أو إذا أرادت امرأة أن تسلم على أن لا تتحجب، فيقال لها: أسلمي، ولو بقيت سافرة.وبهذا يتبين خطأ ما فعله بعضهم: عندما أرادت امرأة الإسلام.. قيل لها: إن الإسلام يبيح تعدد الزوجات، فامتنعت عن الإسلام.ولما أراد رجل أن يسلم، قيل له: إن الإسلام يضرب عنق من ارتد، فلم يسلم.والحكمة؛ أن يفتح لهم باب الإسلام على ما هم عليه إلا الكفر، ثم يُتدرج معهم في أحكام الدين واحدة تلو الأخرى حتى يثبتوا.
    رابعاً: قد تدرج الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض الحالات بعد نزول الأحكام، وهذا ما سنفصله في المطلب التالي .
    المطلب السابع: التدرج في حالات خاصة:
    المقصود من هذا المطلب: جواز التدرج مع أقوام دون أقوام، وأفراد دون أفراد، لظرف طارئ، أو لحالة خاصة، كما هو الحال مع المسلمين الذين كانوا يخضعون للحكم الشيوعي، وغيرهم ممن جهلوا دينهم، ودب فيهم ما دب من الشركيات، وانتشر ما انتشر فيهم من البدع، والمحرمات.ومثل هذه المجتمعات، لم تنعدم عبر التاريخ، حتى في عصرنا، فقد وُجد في مثل هذه المجتمعات مسلمون، لا يعرفون أركان الإسلام، فكيف بأدائها وأحكامها[13].فليس من الحكمة؛ نقلُ مثلِ هؤلاء إلى الإسلام بجملته، بدعوى أنهم مسلمون، وأن الشريعة كملت، بل لا بد من أخذهم بقاعدة التدرج.. التوحيد.. فالعبادات، واحدة بعد الأخرى.. والنهي عن المحرمات.. الأعظم فالأعظم حسب أحوال العباد.وكذلك حُكمُ من أراد دخول الإسلام، فلا تلقى عليه العبادات، والمنهيات دفعة واحدة.وقد سبق ذكر حديث معاذ لما أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقد أمره بالتدرج بعد ثبوت الأحكام.ومن أروع ما يستدل به على تقدير ظروف بعض المدعوين حدثان في عهد النبوة.
    الأول: حديث وفد ثقيف، عن وهب قال: سألت جابراً عن شأن ثقيف إذ بايعت، قال: اشترطت على النبي صلى الله عليه وسلم أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك يقول: "سيتصدقون، ويجاهدون إذا أسلموا"[14]وعن نصر بن عاصم عن رجل منهم: أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم على أنه لا يصلي إلا صلاتين فقبل ذلك منه [15].
    الثاني: كان أبو حذيفة رضي الله عنه قد تبنى سالماً قبل تحريم التبني، فلما نزلت آية الحجاب كبر على أبي حذيفة دخوله على زوجته، وصعب عليه مفارقته، فأفتاهم الرسول صلى الله عليه وسلم بإرضاعه.فعن عائشة رضي الله عنهما قالت: جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله: إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم، وهو حليفه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أرضعيه" قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: "قد علمت أنه رجل كبير" [16].ففي هذين الحدثين، دليل واضح على بقاء حكم التدرج، لمن دخل في الإسلام، وبعد ثبوت الأحكام في الدين، فإن المسألة لا تتعلق بأصل دين الإسلام، وإنما تتعلق بدين الرجل نفسه، و حاله، وقوة إيمانه، ومدى استجابته.فلو أن لعائلة غير مسلمة اليوم متبنى، وأرادت الإسلام، وصعب عليهم مفارقته، قيل لهم: أرضعوا المتبنى، وليبق معكم.
    ولو أن امرءاً قال: أُسلم وأؤدي بعض العبادات دون بعض، ولا أنتهي عن المحرمات كلها، أو بعضها، لقيل له: أسلم.. لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً [17].
    المطلب الثامن: الوضع المكي لم ينسخ:
    من المعلوم أن المجتمعات ليست واحدة في أحوالها فهناك المجتمع المكي.. والمجتمع الدعوي.. والمجتمع الحبشي.. والمجتمع الحجاجي.. والمجتمع الإسلامي.. إلى غير ذلك من أنواع المجتمعات التي لكل واحد منها أحواله، وأحكامه، ومواقفه.لذلك تتأكد حكمة بقاء منهجية التدرج لتتناسب وهذه المجتمعات كل حسب حاله، وبخاصة في المجتمع المكي.والمقصود بالوضع المكي: وجود مسلمين ضعفاء مضطهدين بين أظهر الكافرين، لا يسمح لهم بالدعوة، ولا يستطيعون إقامة شعائرهم، ولا الأمر بالمعروف، ولا النهي عن المنكر.. فضلاً عن الجهاد، وإقامة الحدود.فإن وجد قوم من المسلمين كذلك، فيشرع لهم الاقتداء بأفعال الرسول صلى الله عليه وسلم بمكة، من أداء ما يستطيعونه من العبادات، والانتهاء عما يستطيعونه من المحرمات.ويجب عليهم الرد الكريم، والصفح الجميل، والعفو عن المؤذين، وكف الأيدي، ويحرم عليهم الرد بالعنف والقتال.قال تعالى:{فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ**(الحجر/85).وقال تعالى:{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ.. ** الآية (النساء/77). قال ابن تيمية: "فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف، أو في وقت هو فيه مستضعف، فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله، من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة، فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية{قَاتِلُواْ الّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الاَخِرِ وَلاَ يُحَرّمُونَ مَا حَرّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقّ مِنَ الّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتّىَ يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ** (التوبة/ 29)[18].
    المطلب التاسع: حكمة التدرج:
    من المعلوم أن النفوس طبعت على استثقال التكاليف، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لّكُمْ..** الآية(البقرة/216).وقال صلى الله عليه وسلم: "حُفّت الجنّة بالمكاره.."الحديث[19].كما طبعت النفوس على صعوبة ترك ما ألفته من الشهوات والملذات، ومفارقة الأصحاب.قال صلى الله عليه وسلم: "وحُّفّت النّار بالشّهوات"[20]. فإذا نقلت النفس من حال إلى حال، ومن حكم إلى حكم، كان ذلك أدعى للاستجابة، وأسهل لترك المحرمات، وفعل الطاعات.
    ثم إن المؤمن إذا فعل طاعة أو ترك حراماً لله.. ازداد إيمانه، فتنشطت نفسه لطاعة جديدة، أو هجر لمعصية وهكذا.ذلك لأن الإيمان يسهل أداء الطاعات بل يشوق لها، ويُكرِّه المحرمات، وينفر منها.وهذا هو سر تدرج النبي e مع وفد أهل الطائف وغيرهم، فقد كانوا يحبون أن يسلموا، ولكنْ؛ استثقل بعضهم خمس صلوات، وغيرها، لضعف إيمانهم، وقربهم من جاهليتهم، التي لا تكليف فيها إلا الشهوات والهوى، فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الإسلام بما اشترطوا، إلى حين استقرار الإيمان في قلوبهم، بأدائهم بعض العبادات، وبصحبتهم المسلمين، وبسماعهم القرآن الكريم، وحضورهم دروس العلم، فإن هذا سيزيد في إيمانهم، ويزيل جهلهم، الأمر الذي يدفعهم إلى تصحيح وضعهم بأنفسهم، وهذا ما أخبر عنه النبي صلى الله عليه و سلم بقوله: "سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا" وهذا ما كان.
    المطلب العاشر: التدرج لا يبيح حراماً، ولا يسقط واجباً.
    إن تقرير قضية التدرج في منهج الدعوة؛ لا يعني: إسقاط الواجبات، أو إباحة المحرمات.فالواجب واجب إلى قيام الساعة، والمحرم محرم إلى قيام الساعة.فإن قيل: فكيف يرى الحرام ولا ينكره ؟. قيل: يجوز أن يسكت عنه سكوتاً مؤقتاً إذا كان يعالج ما هو أكبر منه، أو يمهد لإنكاره، وإلا فكيف كان يسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم عما كان يعلم وجوب تغييره ؟! كما سبق ذكره في بعض الأمثلة .بهذا يتضح أنّ التدرج: هو منهج دعوي، يخص الداعية، لينقل المدعوين من حال إلى حال، لا أن يبيح لهم ما حرم الله، أو يسقط عنهم ما أوجب الله. ويتضح هذا في صورتين:
    الأولى: صورة من كان مسلماً، ويعيش بين المسلمين والعلماء، قد عرف التوحيد والشرك، والحلال والحرام، فهذا ليس له في التدرج شأن ولا شيء.الثانية: صورة من كان يريد الإسلام، أو هو حديث عهد بجاهلية، لا يعرف توحيداً ولا شركاً، ولا حلالاً ولا حراماً، فهذا الذي شرع في حقه التدرج، ولا يحاسب إلا على ما بلغه، وأقيمت الحجة عليه فيه.ويلحق هذه الصورة، من كان غارقاً في جهله، غائصاً في ذنوبه، فيستدرج إلى الخير درجة درجة، وينقذ من الضلال دركة دركة.فالتدرج منهج دعوي، لا مذهب فقهي، يحكم، ويحرِّم، ويبيح.فمن عرف الحرام ووطأه، أثم، ومن ترك الواجب وهو يعلمه فقد عصى، سواء تُدرج معه أو لم يتدرج.
    وخلاصة هذا المبحث: أن منهجية التدرج في الدعوة إلى الله ما تزال قائمة لم تنسخ، يعمل بها حسب الأحوال، وأن فيها من الحكمة الشيء الكثير، وأن غياب هذه القاعدة من منهج الداعية، فضلاً عما فيه من مخالفة لسنن الله الكونية، وسننه الشرعية، فإن فيه اصطداماً مع واقع ليس من ورائه إلا الفشل، والنفور..، فشل الداعية.. ونفور المدعوين، والله الهادي إلى سواء السبيل




    [1]رواه أحمد (5/78،363)، والنسائي في السنن (4/208) ، وفي الكبرى (2693) ، وانظر صحيح الترغيب والترهيب (1023).
    [2]رواه مسلم ، واللفظ له ،كتاب الطهارة رقم (223) ، وأحمد (5/343) .
    [3]رواه البخاري(4347) واللفظ له، ومسلم (19).
    [4]رواه البخاري (6646)، ومسلم (1646).
    [5]رواه أحمد (5/72) رقم 20713، وابن ماجة (2118م)، والطبراني في الكبير (8/324)، ومحمد بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة (874)، وصححه الألباني في (الصحيحة136، 137).
    [6]رواه البخاري (350، 3935)، ومسلم (685).
    [7]تفسير ابن كثير (1/302)، والحديث رواه أحمد (4/368) واللفظ له، والبخاري (1200، 4534)، ومسلم (539).
    [8]رواه أحمد (5/246)، وأبو داوود ( 507)، والحاكم (2/274)، وصححه ووافقه الذهبي ،واقتصر على ذكر أحوال الصيام، ولم يذكر أحوال الصلاة، وذكره الشيخ الألباني في صحيح أبي داود (479) وقال: صحيح.
    [9]راجع البخاري (2089، 4003)، ومسلم (1979).
    [10]تفسير القرطبي ( 7/115)، والحديث رواه مسلم (1934) وغيره.
    [11]أبو داوود (3670)، والنسائي (8/286)، والترمذي (3049).
    [12]راجع إن شئت مسلم (1406).
    [13]ووجد منهم من لا يعرف من الإسلام إلا أنه يحرم أكل الخنزير، ولا يعلم توحيداً، ولا عبادة فضلاً عن حلال وحرام.بل سألتُ أحدَهم عن رسول الله ، فما عرف عنه شيئاً، سوى أنه مسلم، وأنه معه على دينه.
    [14]رواه أحمد (3/341)، وأبو داود (3025)، والبيهقي في دلائل النبوة (5/306)، وانظر الصحيحة للشيخ الألباني - رحمه الله - (1888).
    [15]رواه أحمد (5/24 ،25 ،363)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني(941)، وأبو نعيم كما في أسد الغابة (6/446) قلت: واسناده صحيح، رجاله ثقات، والرجل المبهم شيخ نصر صحابي، وجهالة الصحابي لا تضر .
    [16]رواه مسلم(1453).
    [17]من جميل ما حدث مرة، أن أحد العلماء سأل رجلاً عن سبب تركه للصلاة، فقال الرجل: أحب الصلاة ولكن الوضوء يصعب علي لبرودة الماء، لذلك تركت الصلاة، وكان ذلك في بلاد باردة، وقبل وجود أجهزة تدفئة المياه، فقال له العالم: تيمم وصل.. فضج العلماء الآخرون ودفعوا العالم للمحكمة على أنه أسقط الوضوء وهو معلوم من الدين بالضرورة.
    وبعد قيل وقال.. أصر الشيخ على فتواه معللاً أن وجود هذا الرجل في المسجد سيزيد من علمه وإيمانه، وسيدفعه ذلك إلى الوضوء.. وقد كان الأمر - بَعدُ - كذلك.
    [18]الصارم المسلول (2/413) .
    [19]رواه مسلم (2822).
    [20]رواه مسلم المصدر السابق.

     
    18 شخص معجب بهذا.
  2. humanbeing

    humanbeing عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 أفريل 2008
    المشاركات:
    1.687
    الإعجابات المتلقاة:
    7.560
      25-05-2009 21:14
    وسائل الدعوة بين التوقيف والاجتهاد (1-2) - حامد عبد الله العلي


    بسم الله الرحمن الرحيم
    الحمد لله الذي أرسل رسوله داعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا, والصلاة والسلام على المبعوث شاهدا ومبشرا ونذيرا.
    وبعد:
    فأصل هذه الرسالة الصغيرة، محاضرة بعنوان (وسائل الدعوة) في الكويت ضمن ندوة شاركت فيها بعض الأخوة الأفاضل بدعوة كريمة من جمعية إحياء التراث الموقرة، ثم استخرنا الله تعالى في طباعتها ليعم الانتفاع بها بتوفيق من الله تعالى .

    أولا: التعريف بالمفردات .
    (وسائل الدعوة) كلمه مركبة من كلمتين, وسائل وهي مضاف، والدعوة وهي المضاف إليه, ولا يعرف المقصود من هذا التركيب الإضافي إلا بعد معرفة معنى كل كلمة منه.
    تعريف الوسائل:

    أما الوسائل : فهي جمع وسيلة من (وسل إذا رغب والوا سل الراغب إلى الله عز وجل وقال لبيد: بل كل ذي دين إلى الله واسل) معجم مقاييس اللغة 6/110
    والوسيلة : المنزلة عند الملك والدرجة والقربة، ووسل إلى الله تعالى توسيلا عمل عملا تقرب به إليه كتوسل ) القاموس 4/63
    والوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير والجمع الوسيل والوسائل والتوسل واحد يقال وسل فلان إلى
    ربه وسيلة وتوسل إليه بوسيلة تقرب إليه بعمل ) الصحاح 5/1841
    وفي اللسان :(هي في الأصل ما يتوصل به الى الشيء ويتقرب به) 11/752
    فالكلمة تدور على (ما يتوصل به إلى الشيء المطلوب), فهو الوسيلة إليه, ومن هنا أطلق على
    الرغبة والقربة، وسمي الراغب واسلا لأنه يطلب شيئا يرغب فيه، فيسلك ما يوصله إليه.
    وقوله في اللسان (ما يتوصل به إلى الشيء) أي كل ما من شانه أن يوصل إلى المقصود من الطرق والأساليب والأفعال والأقوال ونحو ذلك فكلها وسائل ويسمى كل واحد منها وسيلة .

    تعريف الدعوة:
    الدعوة من دعا يدعو, ومعنى الكلمة يدور على (الطلب) ومنه الدعوة إلى الطعام, وفي القاموس (دعاه ساقه) 4/322 وفيه (الداعية صريخ الخيل في الحروب)4/322 وفي اللسان: (تدعى القوم دعى بعضهم بعضا حتى يجتمعوا ) 14/259 وفي الصحاح : داعية اللبن ما يترك في الضرع ليدعو ما بعده )5/2237.
    فالدعوة إذن طلب الشيء والحث عليه والسوق إليه, فإذا دعوتهم الى الدين فأنت تطلبهم لامتثاله وتحثهم على اعتناقه وتسوقهم إلى تحقيقه في حياتهم .
    وبهذا يدخل في معنى الدعوة, دعاء الناس إلى الدين وتعليمهم ما فيه من الهدي، وتحقيق ذلك
    في حياتهم وواقعهم كما في قوله تعالى :{هو الذي بعث في الأمين رسولا منهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلل مبين** (الجمعة :2)
    فالنبي صلي الله عليه وسلم يتلو آيات الله، ويتابع أثرها علي من يدعوهم بالتعليم المستمر، ويزكيهم أي: يسعى في تحقيق هذه التعاليم في واقع حياتهم، فالتزكية هي غاية الدعوة كما قال تعالي {قد أفلح من زكها** وقال {قد أفلح من تزكي** ومعلوم أن حصول الفلاح هو غاية الدعوة كما يصف الله تعالى المؤمنين بالمفلحين في مواضع كثيرة في القرآن.ولهذا يأتي في القرآن تسمية هذا المطلب الشرعي أيضا (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وهو بمعني الدعوة, لأنه طلب حصول المعروف في الواقع بالأمر به وزوال المنكر بالنهي عنه, وجاء في السنة الأمر بالتغيير أيضا، أي تغيير واقع الناس إلى أن يكون وفق مقاصد الدعوة الإسلامية، موافقا لما في الشريعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما في حديث ابي سعيد : "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم وأصحاب السنن. ..
    خلاصة ما تقدم في تعريف الدعوة :

    الدعوة: هي طلب تغيير الوقع الحياتي للناس بالقول والفعل ليكون موافقا للشريعة في جميع نواحي الحياة .
    وبهذا يكون مفهوم الدعوة كما يدل عليه النصوص الشرعية أعم من مجرد إلقاء القول إلى الناس وكفى، وإن كان هذا من الدعوة بل هو أصلها, لكن ليس هذا فحسب, بل يدخل في مفهومها هذا والذي هو التبليغ ,والتربية والتعليم لتكوين النماذج الإنسانية التي تتمثل فيها الناس في جميع ميادين الحياة.
    تحقيق أهداف الدعوة واجب الدولة في الإسلام:
    وبهذا تكون الدولة في الإسلام هي أول من يناط به تحقيق أهداف الدعوة وإظهار الدعوة الإسلامية على الدين كله أول واجباتها، وقال تعالى {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون** التوبة :33
    وكذلك كانت الدولة في الصدر الأول وفي العصور التي كانت فيها الدولة الإسلامية تعد الدعوة إلى الله – بالمفهوم السابق- أهم واجباتها وسر وجودها، وكانت تقوم من خلال مؤسساتها بتحقيق جميع ما يدخل تحت معنى الآية السابقة مما اسم الدين الحق في الواقع الحياة .
    فكانت تأمر بالمعروف وتقيم شعائره وتحمل الناس عليه بالترغيب والترهيب، وتنهى عن المنكر وتغيره وتدفع الناس عليه بالترغيب والترهيب والقول، ولو لم يتغير إلا بالقتال- في بعض الصور - سلكت سبيل القتال، كقتال أهل الردة والبغي وأهل الحرابة والطائفة الممتنعة عن بعض شعائر الإسلام كما لو تواطأت طائفة على الامتناع عن أداء الزكاة أو الآذان وغير ذلك مما هو مذكور في مواضعه من كتب الفقه.

    وكذلك تحمل الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى خارج حدودها وهو الجهاد, جهاد الطلب, فتحمل الناس في الأرض على الخضوع للدين الحق كما قال تعالى {واقتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله**.
    ويدخل تحت هذا كله إرسال الدعاة ونصب القضاة والأئمة للفتيا, وإقامة الحدود وتجنيد الجنود, وما يلزم لذلك من الوسائل والتراتيب الإدارية وغيرها.
    معني وسائل الدعوة:
    ويتبين مما تقدم أن وسائل الدعوة هي كل الطرق والأسباب التي من شأنها أن تجعل الدعوة الإسلامية، واقعا متحققا في الحياة سواء كانت أسبابا شرعية أمر الله بها أو ندب إليها في الكتاب والسنة، و كونية دل الشرع على إباحتها وجعلها الله كونا وقدرا تقتضي مسبباتها التي تكون في هذه الحال هدفا من أهداف الدعوة.
    وهي بهذا الاعتبار تكون شرعية أيضا من جهة أن الشريعة دلت على إباحتها، ودلت نصوصها العامة على شرعية استعمالها في تحقيق مقاصد الشريعة .
    وسائل الدعوة يصعب حصرها:
    وبهذا يتبين أن وسائل الدعوة، بالمفهوم الشامل الذي بيناه، والذي دلت عليه النصوص الشرعية، يصعب دخولها تحت الحصر، فإن الأسباب والطرق التي يتوصل بها إلى تمثل المعروف في الحياة وزوال المنكر بقدر الاستطاعة كثيرة جدا ومتغيرة جدا، فإن الله تعالى قد أجرى سننه الكونية على تغير كثير من الأسباب بتغير الزمان والمكان، فقد يكون من الأسباب ما يقتضي حصول مسببات لم يكن يمكن حصولها في أزمان مضت, بل إن منها ما لم يسبق زمن بحصولها قط, مثل ما يستعمل الآن من السلاح في الحروب فإنه يحصل به من تحقيق أهداف الحرب ما لم يمكن في الماضي، منه ما يقضي على الأمة العظيمة من الجند بلحظة واحدة، ومعلوم أن هذا لم يكن قط ليتحقق في الأسباب العادية الطبيعية في جميع العصور السابقة منذ بدأت الحروب بين البشر.
    وسائل تحسين الجيوش الإسلامية من وسائل الدعوة:
    وكذلك وسائل تحسين الجيوش وإدارتها وتقسيم الجند والقادة وما يلزم في ذلك من التراتيب الإدارية وأنظمة الجزاء والتعزير والعقوبات العسكرية وغيرها، ما هو كثير يصعب حصره وخاضع للتغير والتطوير المستمر.
    ومعلوم أن ذلك كله من وسائل الدعوة، ما يحتاج إليه المسلمون من الأسباب والطرق التي تقتضيها ظروف العصر لتحصيل العلوم الشرعية وتمكين حملتها من ممارسة دورهم في المجتمعات وإدخالهم في مؤسسات الدولة ليتمكنوا من خلالها من إيصال الدعوة الإسلامية.
    مثل إنشاء الكليات الجامعية، وإدارتها بأساليب الإدارة الحديثة التي يكون غالبها مما أحدثه غير المسلمين، ومنحهم الشهادات على النظام التي تعترف به الدولة وقد يكون من الأنظمة المستوردة من غير بلاد المسلمين.

    ولهذا رأي من رأى من العلماء جواز استعمال نظام منح الشهادات العليا في العلوم الذي يستعملها غير المسلمين ،ولا تعترف غالب الدول الإسلامية إلا به، استعماله نفسه في علوم الشريعة، مثل ما يسمي (الماجستير والدكتوراه) بنفس الترتيب الإداري الذي أحدثه أولئك، ليتمكن حملة العلوم الشرعية بواسطته من تبوء المراكز العلمية التي تخولهم لإحداث التغير الذي ينشدون في مجتمعاتهم.
    بل إن منهم من يدرس في البلاد النصرانية ويحصل على الشهادات العليا الشرعية من هناك، وإنما يمنحه إياها جامعات تتبع دول النصارى ويكون ذلك عنده من الوسائل المباحة التي بها يتوصل إلى دعوة الناس إلى دين الإسلام وسائل تنظيم الإدارات في الدولة.
    ويدخل تحت وسائل الدعوة - إذا اعتبرنا الدولة الإسلامية ما هي إلا المؤسسة العليا المنوط بها القيام بالدعوة الإسلامية – كل ما تحتاجه الدولة من وسائل معنوية ومادية وإدارية، حتى أساليب الإدارة الحديثة التي تدرس اليوم في كليات متخصصة وينال الدارسون فيها شهادات إدارية، وكذا ما تحتاجه الدولة من ذلك لإقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونظام العقوبات الشرعية وترتيب إدارات القضاء والفتيا وتقسيم العاملين في ذلك كله وفق أنظمة العمل المعمول بها في العالم، إذا لم يخالف شيء من ذلك الشريعة المطهرة.

    ومعلوم أن هذا لا بد منه للدولة في العصر الحديث حتى لو كانت تدين بتحكيم الشريعة في كل شئون الدولة .
    وأن هذه كله مما يصح دخوله تحت اسم الوسائل وأن ما يتحقق به هو نفسه أهداف الدعوة الإسلامية إذا كان ذلك ضمن عمل الدولة الإسلامية
    وسائل الدعوة في عمل الجماعات الإسلامية :
    وإذا كانت الدولة في الإسلام يجوز لها استعمال كل الوسائل المباحة للتوصل إلى ترجمة التعاليم الإسلامية إلى واقع عملي وهو حقيقة عمل الدعوة.
    فالأمر فيما يتعلق بعمل الجماعات التي تتحرك لتحقيق أهداف الدعوة الإسلامية في المجتمعات الإسلامية التي لا تكون الدولة فيها تدين بتحكيم الشريعة, لا يختلف إذ لا وجه لاختلافه البتة، فيصير تحت يديها كل ما لم ينص على تحريمه من الوسائل التي تمكنها من تحقيق أهدافها، وكل التراتيب الإدارية الحديثة في تنظيم العمل الدعوى وأنظمة الإدارة التي تتطور ويتوصل الباحثون
    فيها إلى أساليب أكثر فعالية كلما تطور الزمان.
    كما أن للدعوة الإسلامية أن تستعمل الوسائل الإعلامية المتطورة إذا خلت من المحاذير الشرعية، وقد تحتاج إلى ابتكار أساليب ووسائل جديدة أو تقتبس من ما توصل إليه غير المسلمين من وسائل والأسباب التي سكت عنا الشرع لإنجاح أعمال الدعوة في المجتمع، كما فعل أولئك الذين اقتبسوا نظام التعليم عن غير المسلمين، وجعلوا علوم الشريعة منتظمة تحته كوسيلة لتحقيق هدف التعليم الشرعي في الأمة، بما يناسب العصر .
    التخريج الشرعي لوسائل الدعوة:
    وقد يظن ممن لم يتمعن في لوازم ما يقول أن الوسائل المتعلقة بالدعوة إلى الله ينبغي أن تكون توقيفية لأن الدعوة إلى الله أمر شرعي داخل تحت اسم العبادة والعبادة توقيفية فوسائلها كذلك ينبغي أن تكون توقيفية .
    ومعلوم أن التوقيفي هو ما يتوقف العمل به على النص الخاص وما لا يصح فيه استعمال القياس.
    وليتبين ما في هذا القول من مجانية الصواب، مع أنه قد يصدر من أفضل أهل العلم، لا بد من تناول المسألة من بابها الشرعي حسب قواعد الفقه وأصوله.
    علاقة وسائل الدعوة بأفعال النبي صلي الله عليه وسلم:
    ويبدو في ظاهر الأمر أن الوسائل التي استعملها الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته في زمانه، تدخل في حكم أفعاله، لان الوسائل غالبا ما تكون أفعالا وطرقا استعملها صلى الله عليه وسلم لتحقيق أهداف دعوته، وقبل أن نبين العلاقة بين وسائل الدعوة وأفعاله صلى الله عليه وسلم، لا بد من تقديم بيان موجز لأفعال النبي صلي الله عليه وسلم وكيف يستدل بها على الأحكام.
    أقسام الفعل النبوي:
    وقد قسم العلماء أفعاله صلي الله عليه وسلم إلى عشرة أقسام :
    - الفعل الجبلي.
    - الفعل العادي.
    - الفعل الدنيوي.
    - الفعل المعجز.
    - الفعل الخاص.
    - الفعل البياني المراد منه بيان مشكل أو مجمل في الأحكام الشرعية.
    - الفعل الامتثالي الذي يقصد به مجرد الامتثال لطلب معلوم.
    - الفعل المؤقت في انتظار الوحي، كإهلاله مطلقا قبل نزول الوحي في يمينه.
    - والفعل المتعدي كتحريكه صلى الله عليه وسلم لابن عباس في الصلاة من يساره إلى يمينه.
    - و الفعل المبتدأ المجرد وهو الذي لا يقارنه قول ولا يدخل في الأقسام التسعة السابقة.
    والصحيح انه يدل على الإباحة فقط ولا يستدل بمجرده على الاستحباب .
    متعلقات الفعل النبوي:
    وذكر العلماء أيضا ما يسمى متعلقات الفعل النبوي وذلك أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم لا يقع إلا مع التلبس بأمور مختلفة مثل:
    1-يقع لسبب معين.
    2-يقع من فاعل هو الرسول صلى الله عليه وسلم.
    3-يقع متعديا إلى مفعول.
    4-لا بد أن يقع في زمان معين ومكان معين.
    5- وعلى هيئة معينة.
    6-وقد يستعمل فيه آله وعناصر مادية معينة.
    7-وقد يقارنه أمور تقع معه.
    8- وقد يقع الفعل مرة أو مرات معلومة أو مجهولة .
    فقد يقع الفعل وله متعلق واجب وأخر مندوب وأخر مباح كصلاة الاستسقاء :صلى ركعتين
    بثياب بذلة ولها لون خاص.
    فالأول: واجب أي أن تكون الصلاة ركعتين.
    والثاني :مستحب.
    والثالث : مباح.
    والقاعدة الشرعية الجامعة في هذا الباب أن المطلوب المماثلة إذا كان متعلق الفعل مقصود على أنه شرع عندما فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الفعل.
    ومثال ذلك ما لو فعل النبي صلى الله عليه وسلم أمرا لسبب ثم زال ذلك السبب فإنه لا يشرع ولا يكون فعل ذلك الفعل بعد زوال السبب سنة لأنه ليس للشارع غرض مقصود في ذلك السبب على أنه شرع، ، بمعنى أنه ليس كل ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، أو ما يتعلق بأفعاله من متعلقات يكون شرعا، إلا إذا دل الدليل على أنه فعله بقصد التقرب إلى الله تعالى بخصوص ذلك الفعل، وسيأتي مزيد إيضاح .
    جهة فاعلية النبي صلى الله عليه وسلم للأفعال :
    وكذلك من جهة فاعلية النبي صلى الله عليه وسلم للأحكام، فإنه صلى الله عليه وسلم يتصرف:
    1 – بمقتضى التبليغ للرسالة .

    2 – بمقتضى الإمامة والسلطة العامة ومقتضاها السياسة العامة وتنفيذ الأحكام والقيام بالمصالح.
    3 – وبمقتضى الإفتاء .
    4 – وبمقتضى الحكم والقضاء .
    نتائج مما تقدم من بيان أفعال النبي صلى الله عليه وسلم :
    * كانت الوسائل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم هي ـ في كثير من الأحيان ـ أفعاله صلى الله عليه وسلم التي يفعلها أو يأمر بفعلها أو يقر فعلها من صحابته للوصول إلى أهداف دعوته.
    * والنبي صلى الله عليه وسلم كان يحقق أهداف دعوته من جميع هذه الجهات

    * وكان يستعمل أساليب وأسبابا معينة وترتيب إدارية كوسائل في التبليغ وممارسة السلطة وتنفيذ الأحكام والقيام بمصالح العامة والإفتاء وغيرها .
    * وكثير منها إنما هو من باب الأفعال النبوية لا الأقوال التي تخضع لدلالات الألفاظ الموضوع لها لغة وشرعا .
    * وأفعاله صلى الله عليه وسلم كانت في كثير من الأحيان الأسباب الطبيعية والعادية التي تؤدي إلى تحقيق الأهداف التي أمر بتحقيقها من خلال تنوع جهات فعله صلى الله عليه وسلم من مبلغ وإمام ورئيس دولة وقائد للجيوش ومنفذ للأحكام وقاض ومفت. . . إلخ .
    * وربما كانت في الأصل مباحة - لأن الفعل المجرد يدل على الإباحة -، ولكنه استعملها ليتوصل بها إلى مستحب أو واجب من المأمورات العامة التي أمر بها ولم يتعبد بخصوص هذا الفعل وهذا السبب .

    * وربها لم تكن موصلة في زمان آخر ومكان آخر لنفس المأمور ضرورة تغير الأسباب بتغير الزمان وهو من السنن الكونية المستقرة في العقول بداهة .
    * فالواجب أن يسلك حينئذ ما هو مباح من الأسباب والوسائل الأخرى ويكون ذلك من سنته وشريعته .
    * وربما زال السبب الذي من أجله فعل النبي صلى الله عليه وسلم الفعل فيزول الفعل تبعا لذلك ويكون عدم فعله من سنته وشريعته .
    * وهذا كله لأن هذه هي طريقة الاستدلال الشرعي بالأفعال النبوية، فإذا نطر إليها من خلال ما تقدم من متعلقات فعلها، وجهات صدورها منه صلى الله عليه وسلم، تنوعت دلالتها على الأحكام وهي تختلف بذلك عن أقواله صلى الله عليه وسلم .
    استعمال النبي صلى الهل عليه وسلم للوسائل :
    والنبي صلى الله عليه وسلم يفعل أفعالا لتحصيل نفع في بدن أو مال له أو لغيره أو دفع ضرر كذلك أو يدبر تدبيرا في شأنه خاصة أو شئون المسلمين عامة، لغرض التوصل لجلب نفع أو دفع ضرر ويدخل تحت ذلك :
    التدابير التي اتخذه في الحرب من استعمال المجانيق والسيوف والرماح والسهام، وتربية الخيل للقتال، وحفر الخنادق، وترتيب الجيوش وتدريبها .
    والتدابير التي اتخذها في الإدارة المدنية من اتخاذ الولاة والكتاب والحراس والحجاب والسفراء والأعلام والشعارات، وقد ألف في ذلك الكتاني كتابه (التراتيب الإدارية).
    وكثير من الوسائل التي استعملها عليه الصلاة والسلام ـ والتي هي من جملة أفعاله، والاستدلال بها يدخل في باب الاستدلال بالأفعال النبوية ـ اقتضت الظروف في وقته أن تكون هي الأسباب الطبيعة التي تؤدي إلى تحقيق أهداف دعوته .
    وليست كلها هو متعبد بفعلها لذاتها على وجه الخصوص وكثير منها هو في الأصل فعل مجرد مباح لكنه صار واجبا لأنه يوصله إلى غرض واجب وليس بالضرورة يكون كذلك في حقنا .
    أمثلة على ما تقدم وزيادة إيضاح :
    فالنبي صلى الله عليه وسلم استعمل أسلوب الهجرة لتكوين المجتمع الإسلامي النواة في بيئة أصلح ثم الدولة .
    والهجرة كانت في حياته صلى الله عليه وسلم حدثا عظيما يشكل متغيرا تاريخيا أو كما يسمى هذه الأيام (القرار الاستراتيجي ).
    وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم الهجرة كوسيلة من وسائل تحقيق أهداف دعوته، وهي مع ذلك تدخل في الاستدلال بأفعاله صلى الله عليه وسلم، ولو لم يحتج إليها لم يهاجر، ولو لم يقع السبب الذي اضطره إلى الهجرة لما سلك هذه الوسيلة .
    فهل يجب علينا سلوك هذه الوسيلة في كل ظرف وزمان ومكان حتى لو زال السبب الذي اقتضى هذه الوسيلة ؟

    وقد ظن هذا بعض الجماعات، فأسسوا منهج الدعوة عندهم على أساس الهجرة ثم تكوين المجتمع النواة ثم الانقضاض على المجتمع الجاهلي، وهي جماعة (التكفير والهجرة) .
    وأغرب منهم من يستدل بالأدوات والعناصر المادية التي كان يستعملها صلى الله عليه وسلم، على أنها مما يتبع فيه مطلقا كاستناده إلى جذع ثم المنبر وبناء المسجد من طين والمنع من مكبر الصوت في باب الترك مثلا .

    وقد أُتي الجميع من قلة فقههم في وجه الاستدلال بالأدلة الشرعية عموما وبالسنة والسيرة النبوية على وفق القواعد التي ضبط بها العلماء ذلك، وظنوا أن مقتضى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة هو فعل ما فعل مطلقا .
    والاستدلال بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم - التي تعتبر وسائل الدعوة وثيقة الصلة بها -– يحتاج إلى فقه عميق ومعرفة بالقواعد والضوابط التي وضعها العلماء لتعصم من الاستدلال الجزئي أو العشوائي الذي ينظر إلى النص مقطوعا عن نظائره وعن القواعد التي يفهم من خلالها .
    جماع الاستدلال بأفعال النبي صلى الله عليه وسلم على مسألة وسائل الدعوة:
    وجماع ذلك يرجع إلى ثلاثة أمور :
    1 – أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المجردة في الأصل إنما تدل على الإباحة لا يستدل بها بالنظر إلى ذاتها على أكثر من ذلك .
    2 – أن ما كان من أفعاله صلى الله عليه وسلم قد استعملها كوسيلة من وسائل الدعوة، إنما استعملها لأنها في زمنه وظروف بيئته هي الأسباب الطبيعية التي تحقق له أهدافه فصارت مستحبة أو واجبة تبعا لذلك .
    3- أن الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب يتحقق بمماثلته في صورة الفعل وحكمه وسببه والمقصد منه ويتخرج من المجموع حقيقة الائتساء به .
    أمثلة :
    ولهذا لو اتخذ من يريد الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، اتخذ شعرا طويلا وفعله على وجه القربة والعبادة فليس متأسيا به لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك على وجه الإباحة فهذا حكمه فلا يفعل إلا على وجه الإباحة .
    ولو فعل شيئا كان صلى الله عليه وسلم قد فعل لسبب في غير ذلك السبب لم يكن ذلك ائتساء به كالهجرة إذا لم يقم مقتضاها .
    ولو فعل شيء فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحقق هدفا ومقصدا لا يتحقق بنفس الفعل في هذا الزمان أو المكان لم يكن ذلك ائتساء به وهذا قد يكون في العبادات أيضا .
    ومن الأمثلة على هذا :ما قاله شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله، قال : ( والأخرى – يعني الرواية الأخرى عن أحمد – يخرج ما يقتاته وإن لم يكن من هذه الأصناف، وهو قول أكثر العلماء كالشافعي وغيره وهو أصح الأقوال فإن الأصل في الصدقات أنها تجب على وجه المواساة للفقراء كما قال تعالى : {من أوسط ما تطعمون أهليكم **والنبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير لأن هذا كان قوت أهل المدينة ولو كان هذا ليس قوتهم بل يقتاتون غيره لم يكلفهم أن يخرجوا مما لا يقتاتونه) جزء الزكاة من مجموع الفتاوى ص 69 .
    فتأمل كيف جعل إخراج الزكاة من غير الأصناف المنصوص عليها والتي فعلها صلى الله عليه وسلم وكانت وسائل مواساة الفقير في زمنه، جعل ذلك هو الصواب الموافق للشريعة المحمدية.
    ومما قال أيضا : (وهذا باب واسع قد بسطناه في غير هذا الموضع وميزنا بين السنة والبدعة وبينا أن السنة هي ما قام الدليل الشرعي عليه بأنه طاعة لله ورسوله فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو فعل على زمانه أولم يفعله ولم يفعل على زمانه لعدم المقتضي حينئذ لفعله أو لوجود المانع منه ) مجموع الفتاوى 21 / 381 .
    استعمال وسائل للدعوة لم يستعملها النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون من سنته:
    يتبع في الجزء الثاني - بمشيئة الله تعالى...
     
    12 شخص معجب بهذا.
  3. humanbeing

    humanbeing عضو

    إنضم إلينا في:
    ‏10 أفريل 2008
    المشاركات:
    1.687
    الإعجابات المتلقاة:
    7.560
      28-05-2009 17:28
    وسائل الدعوة بين التوقيف والاجتهاد (2-2)
    حامد العلي السبت 29 ربيع الثاني 1430 الموافق 25 إبريل 2009


    استعمال وسائل للدعوة لم يستعملها النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون من سنته :
    وقوله: "لعدم المقتضى حينئذ لفعله أو لوجود المانع منه" هو موضع عظيم النفع فإن كثيرا من وسائل الدعوة المعاصرة هي أسباب مباحة توصل لتحقيق أهداف النبي صلى الله عليه وسلم من دعوته ولم توجد في زمنه لعدم قيام المقتضي لفعلها أو لوجود مانع منها لو زال رجعت إلى أنها مشروعة داخله في سنته وشريعته صلى الله عليه وسلم.
    وقد يتنازع العلماء من أجل هذه القاعدة في أمور وقعت منه صلى الله عليه وسلم، فيما يتعلق بالعبادات المحضة من أفعال اقترنت بها هل هي سنة، أم لا تدل على ذلك.
    قال ابن تيميه رحمه الله : "وهذا هو الأصل فإن المتابعة في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل ولهذا لما اشتبه على كثير من العلماء جلسة الاستراحة هل فعلها استحبابا أو لحاجة عارضة تنازعوا فيها، وكذلك نزوله بالمحصب عند الخروج من منى لما اشتبه هل فعله لأنه كان أسمح لخروجه أو لكونه سنة ؟ تنازعوا في ذلك" مجموع الفتاوى 1 / 281 .
    وإذا كان هذا في مثل هذه العبادات المحضة فكيف في غيرها مما سلكه رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الوسائل والأسباب التي توصله لتحقيق أهداف دعوته العامة.
    فكيف يصح أن يقال أنها توقيفية مطلقا ويغلق على المسلمين باب الاجتهاد فيها والقياس، وكيف يمكنهم أن يحققوا أهداف الدعوة الإسلامية مع تغير الزمان والمكان واقتضاء ذلك لتغير الأسباب والوسائل، إذا كانوا يرفضون هذه الأسباب التي لا تدل الشريعة أصلا على تحريمها وإنها هي من المباح.
    وبهذا يتبين أن القول بأن وسائل الدعوة توقيفية ليس بوجيه، وإن كان قد يقوله من أهل العلم والفضل من هو منهما بمكان.
    شبهة للعلمانيين والرد عليها :
    ولا يلتفت إلى ما تشغب به الأحزاب العلمانية الضالة على الشريعة من خلال هذه الأصول الشريفة.
    وهم يتعلقون بكثير من كلام علماء الإسلام وقواعد الفقه العامة ،لكنهم يضعونها في غير موضعها ويشبهون بها على ضعاف العقول ومرضى القلوب، ولهذا نجحوا في الترويج لمذهبهم وبدعتهم الشنيعة في بلاد المسلمين وأشكل كلامهم ـ كقولهم بأن إقامة الدولة وترتيب الإمامة بل وإقامة الحدود وسائل لتحقيق أهداف وروح الدين الإسلامي وأن ذلك يتحقق بغيرها في هذا الزمان ـ أشكل ذلك على كثير من المنتسبين إلى العلم الشرعي فتخبطوا في فقه السنة.
    وجماع الجواب على ما تعلقوا به أن يقال :
    أن جوانب الحياة البشرية لا تخرج عن ثلاثة أقسام :
    القسم الأول :
    جوانب ثابتة متعلقة بحقيقة الإنسان ذاته في أي مكان وزمان وجد، وتلك حقيقة ثابتة لا تتغير ولا تتبدل، فجاءت الشريعة الحكيمة له بأحكام تفصيلية ثابتة بثباتها، كالعبادات المحضة من صلاة وصيام وحج وأحكام الطهارة والأسرة والمحرمات المتفق عليها المغروس في فطرة الإنسان قبحها كالزنا والسرقة والخيانة . . . إلخ .
    القسم الثاني :
    جوانب ثابتة الغاية والهدف ولكنها متغيرة الوسائل والأساليب والطرق التي تؤدي إلى الغاية حسب سنة الله الكونية مثل طريقة الحكم ورسم المنهج الاقتصادي والخطة التعليمية . . . إلخ .
    فهذه وضعت لها الشريعة قواعد وضوابط عامة لا يجوز الخروج عنها .
    فالحكم يقوم على أصول منها : أن يكون يما أنزل الله وأن يكون بالشورى ويراعي فيه العدل وجلب المصالح ودرء المفاسد بقدر الإمكان . . إلخ . وتركت الوسائل إلى اجتهاد الأمة مثل كيفية تنظيم الشورى ومبايعة الحاكم وتحديد المصلحة والمفسدة . . . إلخ.
    والاقتصاد يقوم على أن المال لله تعالى والناس مستخلفون فيه وعلى تحريم أكل الناس بالباطل وتحريم الربا وما ورد في النصوص من المعاملات المحرمة .
    أما الوسائل كأسلوب وضع الخطط الاقتصادية التي تنهض باقتصاد الأمة داخل إطار الأحكام الشرعية وكيفية التعامل في الأسواق وتنظيم دور داخل في اجتهاد الأمة على أن يراعى فيه تحقيق المصالح الشرعية وفق قواعد وأحكام الشرع العامة .
    القسم الثالث:
    ما سوى القسمين السابقين من الأمور المباحة التي اقتضت حكمة الله تعالى أن يتعلمها الإنسان يما أودع الله فيه من العقل، كالاكتشافات العلمية والأنشطة البشرية التي لا تدخل في حكم الواجب أو المستحب أو المكروه أو الحرام فهي من المباح .
    كشئون الصناعة والزراعة والعمارة ومظاهر الحياة المادية وغيرها .
    فهذه مسكوت عنها رحمة لا نسيانا؛ لأنها تخضع للتجربة البشرية وسريعة التغير والتطور في حياة البشر فتركت لهم .
    لكنها تقع تحت الغاية الأساسية من الوجود وهي عبادة الله، إذا توصل بها المسلمون إلى تحقيق علو كلمة المسلمين على غيرهم ورفع دين الإسلام على الدين كله .
    وقد يدخل شيء منه في الأحكام التكليفية الأربعة إذا اقترن به أمر خارج عنه فيصير تبعا لذلك واجبا أو محرما أو مستحبا أو مكروها، أما بالنظر إلى ذاته فهو مباح .
    وبالجملة فإن جوانب الحياة البشرية لا تخرج عن هذه الأقسام، وتصير الأحكام الشرعية تبعا لذلك قسمين:
    قسم قد جاء فيه نصوص خاصة تفصيلية ثابتة، وهو في الجوانب الثابتة التي لا تختلف باختلاف الظروف إلا ما كان من متعلقات ثانوية قد تتغير كالمثال المتقدم في زكاة الفطر .
    وقسم جاءت النصوص فيه عامة وأمر المسلمون أن يحققوه بأي وسيلة مباحة .
    من محاسن الشريعة الإسلامية :
    وهذا من محاسن الشريعة الإسلامية، لأن الحياة فيها ما هو متغير ومتطور فأنزل الله نصوصها قابلة لهذا التغير والتطور ومنها ما هو ثابت فجاءت النصوص كذلك، ولهذا بقيت الشريعة صالحة لكل زمان ومكان .
    ومن الأمثلة على ذلك أن الله تعالى علق بعض الأحكام على الاسم العام كالسفر ليدخل فيه كل سفر وإن كانت مدته قصيرة كسفر الطائرة مثلا – وذلك ليستوعب الحكم تغير الزمان، وأمر بالإنفاق من السعة ليقبل ذلك اختلاف الزمان والمكان وأعراف الناس .
    وكل ذلك عمل بالشريعة كل في بابه التوقيفي وغير التوقيفي .
    وقد وضع القائلون بأن وسائل الدعوة توقيفية وغير التوقيفي في القسم التوقيفي، وذلك يلزم منه إدخال الدعوة في حرج عظيم وتضييق لما وسع الله، مما يؤثر على صورة سماحتها وقابليتها لمواكبة المتغيرات في زمن نحن أحوج ما نكون إلى إظهار ذلك .
    خلاصة مهمة :
    وبهذا يتبين أن القول بأن الوسائل توقيفية يعني أن وسائل الدعوة في عهد النبوة لا يجوز لأحد أن يسلك غيرها ولا يتخذ سواها للوصول إلى أهداف الدعوة الإسلامية، وهذا يقتضي أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المجردة واجبة الاتباع وليس مباحة في الأصل، لأن الوسائل التي اتخذها صلى الله عليه وسلم هي من أفعاله، والقول بأنها واجبة الاتباع خلاف الصواب.
    كما أن القول بأن الوسائل توقيفية يقتضي أن نخالف الرسول صلى الله عليه وسلم في مقصده من سلوك وسائله، لأنها في زمنه كانت تؤدي إلى مقاصده، وقد لا تؤدي في غير زمنه نفس المقاصد، وذكرنا على هذا مثال إخراج زكاة الفطر من الأصناف التي أخرجها صلى الله عليه وسلم، فلو قيل إن هذه الوسيلة في مواساة الفقير توقيفية، لأدى ذلك إلى الوقوع في حرج كبير، إذ قد لا تحصل مواساة الفقير في كل زمان ومكان بنفس الذي حصل في زمنه صلى الله عليه وسلم.
    والنتيجة أن أفعال الرسول صلى الله عليه وسلم المجردة حكمها الإباحة، والقول بان الوسائل توقيفية يؤدي إلى أن تكون واجبة، وأن فعل الوسائل التي كانت في عهده صلى الله عليه وسلم قد لا يؤدي إلى مقاصد الشريعة بل إلى ضدها، لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما فعلها لأنها في زمنه تؤدي إلى مقاصده، ولو لم تكن كذلك لما فعلها، فليس فعلها لذاته هو المطلوب، وإنما مجموع فعلها المؤدي إلى مقاصدها هو المطلوب.
    وبهذا يتبين أن القول بأن الوسائل توقيفية في غاية الضعف .
    استعمال النبي صلى الله عليه وسلم لوسائل الدعوة :
    وقد استعمل النبي صلى الله عليه وسلم، لإنجاح دعوته أتم وأكمل وأفضل الأسباب والوسائل في عصره فقد:
    1ـ استعمل أسلوب الأهداف المرحلية فبدأ بالدعوة الفردية مع شيء من السرية ثم انتقل إلى مرحلة الجهر .
    2ـ واستعمل التمرحل أيضا في التنفيذ فقد أمر أولا بكف الأيدي وعدم استعمال العنف ثم أذن فيه ثم أمر به كما أوحى الله إليه وعلمه .
    3ـ واستعمل أسلوب التراكم الكمي الذي يؤدي إلى التغير الكيفي فقد امتلأت المدينة من أتباعه وحرص على نشر دعوته فيها قبل قدومه ليؤدي ذلك إلى التغير الكيفي بالتدريج .
    كما قال جابر رضي الله عنه : "حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا ودخله الإسلام" رواه أحمد.
    4ـ واستعمل تغيير البيئة وإيجا بيئة أفضل للدعوة كما في قصة الهجرة، ولم يبق في مكة حيث البيئة لم تعد صالحة لبقية الأهداف المرحلية .
    5ـ واستعمل أسلوب تغيير بعض مراحل الخطة إذا اقتضى الأمر ذلك كما فعل في الحديبية .
    6 ـ واستعمل أسلوب الحرص على مراكز القوة في المجتمع ولهذا كان – أحيانا – ينتقي في الدعوة فأبو بكر الصديق رضي الله عنه كان معروفا في قريش مؤثرا في الدعوة، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على إسلام عمر . رواه أحمد وغيره .
    7ـ وكان يستعمل أساليب الأعلام الأكثر تأثيرا كالشعر فاتخذ شاعرا هو كعب بن مالك .
    ومما يدل على تمام حكمته وعلمه عليه الصلاة والسلام أنه عندما جاءه وفد الأنصار فوافوه شعب العقبة آخر العهد المكي قال للعباس هل "تعرف هذين الرجلين" قال العباس : نعم هذا البراء بن معرور سيد قومه وهذا كعب بن مالك، قال كعب: لا أنسى قول النبي صلى الله عليه وسلم : الشاعر؟ قال نعم.
    فكأنه أعجبه صلى الله عليه وسلم أن يكون معه شاعر ليكون جهازا إعلاميا لدعوته في العرب .
    ولهذا اتخذ خطيبا أيضا هو ثابت بن قيس .
    8ـ وكان حريصا على السمعة الحسنة لدعوته وتكثير المؤيدين، ومن ذلك ما كان يفعله في المؤلفة قلوبهم وقد عفا عن ذلك الأعرابي الذي سل سيفه وهو نائم فوجده قائما وبيده السيف على رأس النبي صل الله عليه وسلم وهو يقول من يمنعك منى ؟ قال : "الله" فسقط السيف من يده فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال : "من يمنعك منى"؟ قال الأعرابي : كن خير آخذ، فعفا عنه صلى الله عليه وسلم، وانطلق الأعرابي يثني على النبي صلى الله عليه وسلم في قومه .
    9ـ وكان يسلك وسيلة التربية القيادية الخاصة والتوجيه والإرشاد العام لتوسيع القاعدة الشعبية.
    10ـ واستعمل أسلوب التمرحل من التجنيد إلى التمنيخ.
    11ـ وكان يقسم معارضوه إلى درجات متفاوتة ويحرص على تميز هذه الدرجات (مناصر، مؤيد، محايد، عدو محارب، عدو غير محارب)
    12ـ وكان يحرص على الروابط بين القيادين في دعوته ويدل عليه مصاهراته للقادة وهم خلفاءه من بعده .
    13ـ واستعمل أسلوب الهيكل التنظيمي كما نقب النقباء في بيعة العقبة .
    14ـ واستعمل أسلوب الإفادة من الوضع السياسي القائم كما أمر أصحابه بالهجرة إلى النجاشي لعدله .
    15ـ وأسلوب التخلي عن بعض المصالح الجزئية طلبا لما هو أعظم منها والرجوع خطوة إلى الوراء لكسب خطوتين إلى الأمام كما في صلح الحديبية
    16ـ واستعمل أسلوب الثواب والعقاب المادي والمعنوي كما في قصة المخلفين وغيرها كثير .
    17ـ وكان يستعمل في الجهاد الذي كان أعظم وسيلة لتحقيق أهداف دعوته، واستعلم فيه –كل الوسائل المباحة المشروعة التي أتيحت له في عصره :
    كالحصار، وضرب الخندق، والمباغتة، والمخابرات، والحرب النفسية (شعر حسان)، ووسائل الاتصال كما في غزوة حنين، ونداء أصحاب السمرة، ورفع الروح المعنوية في الأنشودة كما في أثناء حفر الخندق، وإرهاب العدو (نصرت بالرعب) و (قتل الأسرى)، والمهادنة، والتوقيت المناسب للحرب، والاغتيال، وجر الخصم إلى المعركة، وفتح الجبهات على العدو لإشغاله كما في قصة الخندق .
    وغيرها كثير جدا، وكثير منها سلكها النبي صلى الله عليه وسلم، لأنها الأسباب الطبيعية المؤدية إلى مقاصده في زمنه صلى الله عليه وسلم، وليس لأنه متعبد بخصوصها كما هو متعبد بالعبادات التوقيفية .
    ماذا يترتب على القول بأن وسائل الدعوة توقيفية :
    والقول بأن وسائل الدعوة توقيفية يترتب عليه إلغاء أي وسيلة لم تكن على عهد صلى الله عليه وسلم، وإن كانت مباحة في شريعته وإن أدت إلى تحصيل مصلحة شرعية توافق سنته ودينه .
    وفي هذا العالم المعقد المتطور تطورا سريعا، حيث يقف الدعة وأمامهم معركة متشابكة الأطراف متداخلة الأهداف، في عالم قامت فيه أحدث المؤسسات الثقافية والاتصالاتية والإعلامية والسياسية والتجارية والتكنولوجيا المتطورة .
    كيف ينتصرون في معركتهم مع أعداء الإسلام ؟ بل كيف يبقون في ميدان الصراع مع عدم الأخذ بالوسائل والأسباب الحديثة التي يكافئون أو يقاربون بها أعداؤهم إذ لم تدل الشريعة على تحريمها .
    بعض صور الوسائل الحديثة :
    وفي مجال العمل الدعوى المنظم، يحتاج الدعاة – في كثير من البلاد إلى عمل منظم جماعي حركي ذو آلية متطورة – يتخذ فيه القرار بناء على معلومات دقيقة عن المجريات اليومية المتلاحقة فحسابات فمعرفة بالبدائل فدرجة مخاطرة ثم ينتج القرار الذي يكون مصيريا في كثير من الأحيان يحتاج فيه إلى معلومات تجمعها لجان متخصصة متابعة للأحداث وذلك كله لا يتم على الوجه المطلوب إلا باستعمال وسائل الإدارة الحديثة ونظرياتها .
    ويحتاج فيه إلى منهجية دقيقة للاتصال الداخلي وتقويم للعلم الحركي مستمر، ومناخ تنظيمي سليم وتخطيط ومتابعة وتطوير، حتى لو لم يكن كل ذلك سريا، بل علني تسمح به الدولة.
    فهذا ما يتعلق بنظام الدعوة الداخلي .
    أما في المجال الخارجي على جسمها، فإنا – مثلا – قد تواجه نظاما جديدا تعيش فيه، تضطر إلى سلوك أساليب معينة للمحافظة على الدعوة قد لا تناسب بيئة أخرى .
    ومن ذلك أنه قد يكون (ولي الأمر) هذا الاسم الشرعي، هو في الواقع عبارة عن مؤسسات مترابطة، وشبكة من الإدارات السياسية، تؤثر في درجة وجودها وقوتها وبقائها عوامل خارجية سياسية، وقوة اقتصادية، وثقل عائلي أو طبقي.
    وقد تكفل هذه المؤسسات بطبيعتها، أساليب مسموحا بها للضغط على الحاكم، لأن الحكومة تعتبر طرفا في هذه المؤسسات لا أكثر، ونكاما لنزع الثقة من الحكومة أو من وزير من وزرائها .
    ويضمن أن لا يصيب الداعين إلى ذلك ضرر ما يسمى بالحصانة البرلمانية .
    فكيف تتعامل الدعوة مع هذا الوضع وهل تفهم النصوص الشرعية في ولاة الأمر بأن تضعها في غير موضعها كما في هذا المثال .
    وهل تبقى الدعوة بعيدا عن التأثير في الأحداث وكسب المواقف لصالح أهدافها من خلال الظروف الجديدة التي تكتسح العالم هذه الأيام بما يسمى ( بالديمقراطية).
    أم يجوز أن تسلك هذه الوسائل، مما يحتاج من الدعاة إلى فهم ووعي لأساليب (العمل السياسي) في الدولة وكيفية التعامل مع كل طرف منها، وكيف تناور لتكسب، أو تخسر شيئا لتكسب شيئين، وكيف تحافظ على التوازن بين الضوابط الشرعية والمواقف التي يضطرها إليها دخولها المعترك السايسي لتحافظ على نفسها ؟
    مما يجعلها محتاجة إلى منظومة من الإدارات السريعة الحركة والحكيمة والمترابطة ونظاما للمعلومات وانسيابا في الخطوات المرحلية يتناسب مع سرعة التغيرات في الساحة ؟
    وقد يحتاج إلى قدر من السرية، لأنها في معترك سياسي تتنافس فيه الأحزاب على ضرب بعضها بعضا وتستفيد من المعلومات الداخلية لكل حزب بشكل مؤثر وخطير .
    توسيع دائرة وسائل الدعوة ضرورة لتغيير واقع المسلمين في بعض البلاد :
    ومما يستعمله الدعاة في بعض البلاد – هذه الأيام ويمكن بواسطته تغيير كثير من واقع المسلمين إلى الأفضل، ولوج الاتحادات الطلابية، ونقابات العمال والمعلمين ونحو ذلك، والمجالس النيابية أو غيرها مما يحتاج في القيام بأعبائه إلى عمل دؤوب ولجان متخصصة، وهي وسائل لم تكن على عهده صلى الله عليه وسلم، ولو تركت بهذه الحجة بناء على أن وسائل الدعوة متوقفة على نصوص خاصة لأنها توقيفية، لأدى ذلك – في بعض البلاد –إلى استغلال أهل الفساد وأعداء الدين وأصحاب المذاهب العلمانية لها لاجتيال شعائر الدين في المجتمعات الإسلامية وما أحرصهم على ذلك .
    يجوز استعمال الوسائل المحرمة أحيانا :
    بل إنه يجوز على الصحيح استعمال وسائل تقترن بمحرم في الأصل إذا دخل ذلك في قاعدة (ارتكاب أخف الضررين) وقد جاء في الشريعة ما هو أصل لذلك، وهو إباحة الكذب في الإصلاح بين الناس، لأن مفسدة فساد البين أعظم من مفسدة الكذب، ولا يعني هذا استعمال الكذب في مصلحة الدعوة، فإنه ليس من مصلحة الدعوة في شيء، بل أعظم مصلحة للدعوة إنما تكون في الصدق، والصدق يجب أن يكون شعارها، والدعاة أولى الناس بأن يكونوا أصدق الناس فإن الكذب من شعب النفاق .
    وإنما المقصود إعمال هذه القاعدة الشرعية في مواضعها إذا تحققت شروطها، وأن هذا يجوز – أيضا – في وسائل الدعوة بحسب الضوابط الشرعية.
    خلاصة البحث :
    وبهذا يتبين – إن شاء الله – أن وسائل الدعوة الأصل فيها أنه يجوز استعمال المباح منها ولا يتوقف ذلك على نص خاص يدل على مشروعية استعمالها بخصوصها، وأن القول بأنها توقيفية بعيد عن قواعد الفقه وأصول الاستدلال الصحيح بأدلة الشرع والله أعلم .
    فتوى للشيخ العلامة محمد الصالح العثيمين :
    ومما قاله العلامة الفقيه محمد الصالح العثيمين رحمه الله : "والوسائل ليس لها حد شرعي، فكل ما أدى إلى المقصود فهو مقصود، ما لم يكن منهيا عنه بعينه، فإن كان منهيا عنه بعينه فلا نقربه، فلو قال : أنا أريد أن أدعو شخصا بالغناء والموسيقى لأنه يطرب لها ويستأنس بها وربما يكون هذا جذبا له فأدعوه بالموسيقى والغناء هل نبيح له ذلك ؟ لا، لا يجوز أبدا، لكن إذا كانت وسيلة لم ينه عنها ولها أثر فهذه لا بأس بها، فالوسائل غير المقاصد وليس من اللازم أن ينص الشرع على كل وسيلة بعينها يقول هذه جائزة وهذه غير جائزة، لأن الوسائل لا حصر لها، ولا حد لها، فكل ما كان وسيلة لخير فهو خير" لقاء الباب المفتوح رقم 15 ص 49 .
    وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين .
     
    6 شخص معجب بهذا.
  4. tounsiman

    tounsiman عضو مميز عضو قيم

    إنضم إلينا في:
    ‏18 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    736
    الإعجابات المتلقاة:
    3.359
      11-06-2009 15:52
    إشتراط العلم في الدعوة إلى الله






    قوله جل وعلا: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ يتبين أنه لابد من العلم، لماذا؟ لابد أن تعلم ما تدعو إليه أنه من شرع الله، فتعلم أولاً ثم ادع ثانياً، أما أن تدعو إلى سبيل الله وأنت لا تعلم سبيل الله فكيف يمكن هذا؟! ولهذا قال الله تعالى في آية أخرى: قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ [يوسف:108] على علم، فلابد أن يكون الإنسان عالماً بما يدعو إليه، وأنه حق ومن شريعة الله. أما مجرد أن ينقدح في ذهنه أن هذا حق بدون دليل شرعي فإنه لا يجوز أن يتكلم، لأن الله يقول: وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ [الإسراء:36]، ويقول الله جل وعلا: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ [الأعراف:33]



    لابد أن يكون الإنسان عالماً بالشرع، فلو رأيت إنساناً يصلي ولكنه لا يطمئن في صلاته، يقول: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، ثم يسجد بدون أن يطمئن، هل يصح أن تقول له: إن صلاتك باطلة بدون علم؟ لا يصح؛ لأنه كيف تدعو إلى شيء لا تدري عنه؟ لكن إذا كنت تعلم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال للذي كان يصلي ولكنه لا يطمئن، قال: (ارجع فصلِ فإنك لم تصلِ) حينئذٍ يكون عندك دليل ويمكن أن تدعو إلى الله.



    لابد أيضاً أن يكون عالماً بحال المدعو، وإلا فلا يجوز أن يتكلم، لابد أن تكون عالماً بحال المدعو وأنه يحتاج إلى دعوة، وأنه ممن عنده علم أو ممن ليس عنده علم، ودليل هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لـمعاذ وقد بعثه إلى أهل اليمن ، قال: (إنك تأتي قوماً أهل كتاب) لماذا أخبره بحالهم؟ من أجل أن يعرف كيف يخاطب هؤلاء؛ لأن خطاب العالم ليس كخطاب الجاهل، خطاب العالم لابد أن يكون عندك قدرة على مجادلته، إذ إن العالم الذي كان على باطل لا يمكن أن يقبل أو يستقبل الدعوة بسهولة؛ لأن عنده علماً، فتجده عندما تدعوه إلى الحق يجادل لإبطال الحق وإحقاق الباطل الذي كان عليه، فلابد أن تعلم لو أنك أردت أن تدعو نصرانياً إلى الدين الإسلامي يحتاج أن تعرف أنه نصراني وأن عقيدته التثليث مثلاً، يقول: إن الله ثالث ثلاثة، فيحتاج أن تعرف كيف ترد عليه فيما لو احتج عليك بباطل وإلا لهزمت، وهزيمة الداعي إلى الله عز وجل والذي بنى دعوته على غير علم هذه مصيبة، ليست مصيبة عليه وحده بل مصيبة على ما يدعو إليه من الدين،



    فلابد أن تكون عالماً بحال المدعو. انظروا إلى قصة الرجل الذي دخل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فجلس، هل دعاه الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أن يصلي ركعتين قبل أن يعلم حاله؟ لم يدعه حتى علم بحاله، ووجه ذلك أن الرجل لما دخل جلس فقال له: (أصليت؟ قال: لا، قال: قم فصل ركعتين). إذا وجدت إنساناً يأكل في رمضان هنا في المدينة هل أنكر عليه من أول الأمر؟ لا أنكر عليه حتى أقول: أمسافر أنت؟ أو أنت ممن يحل له الفطر؟ لكن لو وجدت شخصاً من أهل البلد أعرف أنه من أهل البلد وأنه لا عذر له في الفطر فحينئذٍ أنكر عليه، أذكره لعله نسي،



    وعجباً من بعض العامة يقولون: إذا رأيت إنساناً يأكل في رمضان فلا تذكره لماذا؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه) ما دام الله أطعمه وسقاه لا تحرمه، لا تقطع رزقه، دعه يأكل ويشرب، وهذا غلط ، الواجب أن يذكر المؤمن أخاه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم: لما سها في صلاته، قال: (إنما أنا بشرٌ مثلكم أنسى كما تنسون؛ فإذا نسيت فذكروني) فيجب على المؤمن أن يذكر أخاه، وهذا من باب التعاون على البر والتقوى، أما قوله: هذا رزق ساقه الله إليه دعه يأكل ويشرب، هذا غلط.

    دروس وفتاوى الحرم المدني لعام 1416هـ للشيخ : محمد بن صالح العثيمين
     
    6 شخص معجب بهذا.
  5. tounsiman

    tounsiman عضو مميز عضو قيم

    إنضم إلينا في:
    ‏18 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    736
    الإعجابات المتلقاة:
    3.359
      14-06-2009 22:31
    بسم الله الرحمن الرحيم
    محمد صالح بن عثيمين غفر الله له

    الاعتدال في الدعوة


    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله تعالى بالهدى ودين الحق فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    أما بعد:

    فيسرني أن التقي بكم هذا اللقاء في موضوع هام يهم جميع المسلمين ألا وهو الدعوة إلى الله عز وجل.

    قال الله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)(1)، والاستفهام في الآية بمعنى النفي أي لا أحسن قولاً.

    والغرض من الإتيان بالاستفهام في موضع النفي إفادة أمرين:

    الأول: انتفاء هذا الشيء.

    الثاني: تحدي المخاطب أن يأتي به، فالاستفهام مشرباً معنى التحدي أي إذا كان عندك شيء أحسن من هذا فأت به، ولكننا نقول لا أحد أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين.

    والدعوة إلى الله تعالى هي الدعوة إلى شريعة الله الموصلة إلى كرامته. ودعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام، تدور على ثلاثة أمور:

    أولاً: معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته.

    ثانياً: معرفة شريعته الموصلة إلى كرامته.

    ثالثاً: معرفة الثواب للطائعين والعقاب للعاصين.

    والدعوة إلى الله تعالى أحد أركان الأعمال الصالحة التي لا يتم الربح إلا بها كما قال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ . إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ . إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ . وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ . وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).

    فإن التواصي بالحق يلزم منه الدعوة إلى الحق، والتواصي بالصبر يلزم منه الدعوة إلى الصبر على دين الله – عز وجل – في أصوله وفروعه.

    إن الدعوة إلى الله – عز وجل – صارت الآن وما زالت بين طرفين ووسط.

    أما الطرفان فجانب الإفراط، بحيث يكون الداعية شديداً في دين الله يريد من عباد الله – عز وجل – أن يطبقوا الدين بحذافيره ولا يتسامح عن شيء الدين يسمح به، بل إنه إذا رأى من الناس تقصيراً حتى في الأمور المستحبة تأثر تأثراً عظيماً وذهب يدعو هؤلاء القوم المقصرين دعاء الغليظ الجافي وكأنهم تركوا شيئاً من الواجبات ومن الأمثلة على ذلك:

    * المثال الأول: رجل رأى جماعة من الناس لا يجلسون عند القيام إلى الركعة الثانية أو عند القيام إلى الركعة الرابعة، وهي التي تسمى عند أهل العلم جلسة الاستراحة، هو يرى أنها سنة ومع ذلك إذا رأى من لا يفعلها اشتد عليه وقال لماذا لا تفعلها؟ ويتكلم معه تكلم من يظهر من كلامه أنه يقول بوجوبها، مع أن بعض أهل العلم حكى الإجماع على أن هذه الجلسة ليست بواجبة وأن خلاف العلماء فيها دائر بين ثلاثة أقوال:

    القول الأول: أنها مستحبة على الإطلاق.

    القول الثاني: ليست مستحبة على الإطلاق.

    القول الثالث: أنها مستحبة لمن كان يحتاج إليها حتى لا يشق على نفسه كالكبير والمريض ومن في ركبه وجع وما أشبه ذلك.

    فيأتي بعض الناس ويشدد فيها ويجعلها كأنها من الواجبات.

    * المثال الثاني: بعض الناس يرى شخصاً إذا قام بعد الركوع ووضع يده اليمنى على اليسرى قال أنت مبتدع لابد أن تسدل يديك فإن وضعتهما على الصدر فإن ذلك من البدع والمنكرات، مع أن المسألة مسألة اجتهادية، وقد يكون الدليل مع من قال: إن اليدين توضعان بعد الركوع على الصدر كما توضعان قبله أيضاً على الصدر؛ لأن هذا هو مقتضى الحديث الذي رواه البخاري عن سهل بن سعد – رضي الله عنه – قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة".

    * المثال الثالث: كذلك بعض الناس ينكر على من يصلي إذا تحرك أدنى حركة وإن كانت هذه الحركة مباحة وقد ورد في السنة ما هو مثلها أو أكثر فتجده ينكر عليه الإنكار العظيم، حتى إنه يجعل هذا الأمر هو محل الانتقاد في هؤلاء القوم مع أنها حركة مباحة جائزة ورد نظيرها أو ما هو أكثر منها في شريعة النبي صلى الله عليه وسلم، هذا تشديد، وكان أبو جحيفة – رضي الله عنه – ذات يوم يصلي وقد أمسك زمام فرسه بيده فتقدمت الفرس فذهب رضي الله عنه، وهو يصلي يسايرها شيئاً فشيئاً حتى انتهى من صلاته فرآه رجل من طراز هذا المتشدد، فجعل يقول انظروا إلى هذا الرجل، انظروا إلى هذا الرجل، انظروا إلى هذا الرجل – وأبو جحيفة صحابي جليل، رضي الله عنه – فلما سلم أبو جحيفة بين لهذا الرجل أن مثل هذا العمل جائز وأنه لو ترك فرسه لذهبت ولم يحصل عليها إلى الليل، فانظر إلى الفقه في الشريعة والتسامح والتيسير فيها.

    وهذا النبي، صلى الله عليه وسلم، كان يصلي بأصحابه وهو يحمل إمامة بنت زينب بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلم – يعني أن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، جد هذه الطفلة – فكان يصلي بالناس يحمل هذه الطفلة إذا قام حملها وإذا سجد وضعها، صلى الله عليه وسلم، هذا فيه حركة، وفيه ملاطفة للطفلة، وفيه أنه يؤم الناس فقد يلتفت بعضهم لينظر ماذا كان للنبي، صلى الله عليه وسلم، مع هذه الطفلة ومع ذلك فالنبي، صلى الله عليه وسلم، وهو أتقى الناس لله – عز وجل – وأعلمهم بما يتقي كان يفعل ذلك.

    * ومثال آخر: اجتمع نفر من أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، فسألوا عن عمله في السر، فأخبروا بذلك فتقالوا عمل النبي، صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إن النبي، صلى الله عليه وسلم، غفر الله له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر، ولكن نحن بحاجة إلى عمل أكثر ليغفر الله لنا ذنوبنا، فقال أحدهم: أنا أصوم ولا أفطر. وقال الثاني: أنا أقوم ولا أنام. وقال الثالث: أنا لا أتزوج النساء، فبلغ قولهم النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال: "أما أنا فأصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني" هذا كله يدل على أنه لا ينبغي لنا بل لا يجوز لنا أن نغلو في دين الله سواء في دعاء غيرنا إلى دين الله، أو في أعمالنا الخاصة بنا، بل نكون وسطاً مستقيماً كما أمرنا الله تعالى بذلك، وكما أمر بذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، فالله – عز وجل – يقول: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(2)، والنبي، صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم" وأخذ حصيات وهو في أثناء مسيره من مزدلفة إلى منى أخذ حصيات بكفه وجعل يقول: "يا أيها الناس بأمثال هؤلاء فارموا وإياكم والغلو في الدين".

    * وضد ذلك: من يتهاون في الدعوة إلى الله – عز وجل – فتجده يرى الفرص مواتية والمقام مناسباً للدعوة إلى الله ولكن يضيع ذلك، تارة يضيعه لأن الشيطان يملي عليه أن هذا ليس وقتاً للدعوة، أو أن هؤلاء المدعوين لن يقبلوا منك، أو ما أشبه ذلك من المثبطات التي يلقيها الشيطان في قلبه فيفوت الفرصة على نفسه.

    وبعض الناس إذا رأى مخالفاً له بمعصية بترك أمر أو فعل محظور كرهه واشمأز منه وابعد عنه، وأيس من إصلاحه وهذه مشكلة والله سبحانه وتعالى بين لنا أن نصبر وأن نحتسب قال الله تعالى لنبيه: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ)(3). فالإنسان يجب عليه أن يصبر ويحتسب ولو رأى على نفسه شيئاً من الغضاضة فليجعل ذلك في ذات الله عز وجل، والنبي، صلى الله عليه وسلم، عندما أدميت إصبعه في الجهاد قال هل أنت إلا إصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت.

    وهذا عكس الأول حتى إن هذا ليرى الأمر بعينه ويسمعه بأذنه يجد هذا الأمر المخالف لشريعة الله ولا يدع الناس إلى الاستقامة وعدم معصية الله – عز وجل – ومخالفته، بل إنا نسمع أن بعض الناس يقول:

    يجب أن تجعل الأمة الإسلامية التي تنتسب إلى الإسلام وتتجه في صلاتها إلى القبلة يجب أن تكون طائفة واحدة غير متميزة، لا يفرق بين مبتدع وصاحب سنة، وهذا لا شك خطأ وخطل وخطر؛ لأن الحق يجب أن يميز عن الباطل، ويجب أن يميز أصحاب الحق عن أصحاب الباطل حتى يتبين، أما لو اندمج الناس جميعاً وقالوا نعيش كلنا في ظل الإسلام وبعضهم على بدعة قد تخرجه من الإسلام فهذا لا يرضى به أحد ناصح لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم.

    ويوجد أناس يستطيعون الدعوة إلى الله لما عندهم، من العلم والبصيرة ويشاهدون الناس يخلون في أشياء ولكن يمنعهم خوف مسبة الناس لهم أو الكلام فيهم أن يقولوا الحق فتجدهم يقصرون ويفرطون في الدعوة إلى الله – عز وجل-. وهؤلاء إذا نظروا إلى القوم الوسط الذين تمسكوا بدين الله على ما هو عليه إذا رأوهم قالوا: إن هؤلاء لضالون، إن هؤلاء لمتعمقون، إن هؤلاء لمتشددون متنطعون، مع أنهم على الحق.

    وإذا نظر إليهم المفرطون الغالون قالوا أنتم مقصرون لم تقوموا بالحق ولم تغاروا لله – عز وجل -، ولهذا يجب أن لا نجعل المقياس في الشدة واللين هو ما تمليه علينا أهواؤنا وأذواقنا، بل يجب أن نجعل المقياس هدي النبي، صلى الله عليه وسلم، وهدي أصحابه، والنبي، صلى الله عليه وسلم، رسم لنا هذا بقوله وبفعله وبحاله، صلى الله عليه وسلم، رسمه لنا رسماً بيناً، فإذا دار الأمر بين أن اشتد أو اتيسر بمعنى أنني كنت في موقف حرج لا أدري الفائدة في الشدة أم الفائدة في التيسير والتسهيل فأيهما أسلك؟ أسلك طريق التيسير لأن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: "إن الدين يسر" ولما بعث معاذاً أو أبا موسى الأشعري إلى اليمن قال: "يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا" ولما مر يهودي بالنبي، صلى الله عليه وسلم، فقال السام عليكم يا محمد – يريد الموت عليك لأن السام بمعنى الموت – وكان عند النبي، صلى الله عليه وسلم، عائشة رضي الله عنها فقالت "عليك السام واللعنة" فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام، "إن الله رفيق يحب الرفق وإن الله ليعطي بالرفق مالا يعطي على العنف"، فإذا أخذنا بهذا الحديث في الجملة الأخيرة منه: "إن الله ليعطي بالرفق مالا يعطي على العنف" عرفنا أنه إذا دار الأمر بين أن استعمل الشدة أو استعمل السهولة كان الأولى أن استعمل السهولة ثقة بقول الرسول، عليه الصلاة والسلام: "إن الله ليعطي بالرفق مالا يعطي على العنف" ومن أراد أن يفهم هذا الأمر فليجرب، لأنك إذا قابلت المدعو بالشدة إشمأز ونفر وقابلك بشدة مثلها، إن كان عامياً قال عندي علماء أعلم منك، وإن كان طالب علم ذهب يجادلك حتى بالباطل الذي تراه مثل الشمس وهو يراه مثل الشمس ولكنه يأبى إلا أن ينتصر لنفسه، لأنه لم يجد منك رفقاً وليناً، ودعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. والحق لا يخفى إلا على أحد رجلين: إما معرض وإما مستكبر، أما من أقبل على الحق بإذعان وانقياد فإنه بلا شك سيوفق له.

    ومن التطرف ما يكون من الآباء والأمهات في زمننا هذا حين صار الشباب – ولله الحمد – من ذكور وإناث عندهم اتجاه إلى العمل بالسنة بقدر المستطاع، صار بعض الآباء والأمهات يضايقون هؤلاء الشباب من بنين وبنات في بيوتهم، وفي أعمالهم حتى إنهم لينهونهم عن المعروف مع أنه لا ضرر على الآباء في فعله ولا ضرر على الأبناء أو البنات في فعل هذا المعروف، كمن يقول لأولاده لا تكثروا النوافل لا تصوموا البيض، أو الاثنين، أو الخميس، أو ما أشبه ذلك، مع أن هذا لا يضر الوالدين شيئاً ولا يحول دون قضاء حوائجهما، وليس بضار على الابن في عقله، أو بدنه، أو في دروسه ولا على البنت كذلك. وأنا أخشى على هؤلاء القوم أن يكون هذا النهي منهم لأولادهم كراهة للحق والشريعة وهذا على خطر، فالذي يكره الحق أو الشريعة ربما يؤدي به ذلك إلى الردة لأن الله تعالى يقول: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ)(4)، ولا تحبط الأعمال إلا بردة عن الإسلام كما قال الله تعالى: (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)(5) هذا مثال من الشدة في أولياء الأمور.

    أما بالنسبة للأولاد من بنين أو بنات إذا كانوا متمشين في منهاجهم وسيرهم على شريعة الله فليسوا في شدة.

    * وهناك في المقابل من يكون شديداً من الأولاد بنين وبنات عل أهله بحيث لا يتسع صدرهم لما يكونون عليه من الأمور المباحة فتجده يريد من أبيه أو أمه أو إخوته أو أخواته أن يكونوا على المستوى الذي هو عليه من الالتزام بشريعة الله، وهذا غير صحيح، الواجب عليك إذا رأيتهم على منكر أن تنهاهم عن المنكر، أما إذا رأيتهم قد قصروا في أمر يسعهم التقصير فيه كترك بعض المستحبات فإنه لا ينبغي لك أن تشتد معهم، وكذلك في بعض الأمور الخلافية يجب عليك إذا كانوا مستندين إلى رأي أحد من أهل العلم أن لا تضيق بهم ذرعاً وأن لا تشتد عليهم.

    فالذي ينبغي للإنسان سواء كان داعية لغيره إلى الله أم متعبداً لله أن يكون بين الغلو والتقصير مستقيماً على دين الله – عز وجل – كما أمر الله – عز وجل – بذلك في قوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ)(6).

    وإقامة الدين الإتيان به مستقيماً على ما شرعه الله – عز وجل -، ولا تتفرقوا فيه نهى عن ذلك سبحانه وتعالى لأن التفرق خطره عظيم على الأمة أفراداً وجماعات.

    والتفرق أمر مؤلم ومؤسف لأن الناس إذا تفرقوا كما قال الله تعالى: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم)(7)، فإذا تفرق الناس وتنازعوا فشلوا وخسروا وذهبت ريحهم ولم يكن لهم وزن وأعداء الإسلام ممن ينتسبون للإسلام ظاهراً، أو ممن هم أعداء للإسلام ظاهراً وباطناً يفرحون بهذا التفرق وهم الذي يشعلون ناره ويلقون العداوة والبغضاء بين هؤلاء الأخوة الدعاة إلى الله – عز وجل – فالواجب أن نقف ضد كيد هؤلاء المعادين لله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولدينه، وأن نكون يداً واحدة، وأن نكون إخوة متآلفين على كتاب الله، وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم، كما كان سلف الأمة في سيرهم ودعوتهم إلى الله – عز وجل -، ومخالفة هذا الأصل ربما تؤدي إلى انتكاسة عظيمة، والتفرق هو قرة عين شياطين الإنس والجن؛ لأن شياطين الإنس والجن لا يودون من أهل الحق أن يجتمعوا على شيء، بل يريدون أن يتفرقوا لأنهم يعلمون أن التفرق تفتت للقوة التي تحصل بالالتزام بالوحدة والاتجاه إلى الله – عز وجل – ويدل لهذا قوله تعالى:(وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُم)(8)، وقوله: (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)(9)، وقوله: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ)(10)، وقوله: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيه)(11)، فالله تعالى قد نهانا عن التفرق وبين لنا عواقبه الوخيمة، والواجب علينا أن نكون أمة واحدة، وكلمة واحدة، وإن اختلفت آرائنا في بعض المسائل، أو في بعض الوسائل؛ فالتفرق فساد وشتات للأمر، وموجب للضعف، والصحابة رضوان الله عليهم حصل بينهم الاختلاف لكن لم يحصل منهم التفرق ولا العداوة ولا البغضاء حصل بينهم الاختلاف حتى في عهد النبي، صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال لأصحابه: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة " . وخرجوا رضوان الله عليهم من المدينة إلى بني قريظة وحان وقت صلاة العصر، فاختلف الصحابة فمنهم من قال: لا نصلي إلا في بني قريظة ولو غابت الشمس لأن الرسول، صلى الله عليه وسلم، قال: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" فنقول سمعنا وأطعنا.

    ومنهم من قال إن النبي، عليه الصلاة والسلام، أراد بذلك المبادرة والإسراع إلى الخروج وإذا حان الوقت صلينا الصلاة لوقتها. فبلغ ذلك النبي، صلى الله عليه وسلم، ولم يعنف أحداً منهم ولم يوبخه على ما فهم، وهم بأنفسهم لم يتفرقوا من أجل اختلف الرأي في فهم حديث الرسول، عليه الصلاة والسلام. وهكذا يجب علينا أن لا نتفرق وأن نكون أمة واحدة. قد يقول قائل: إذا كان المخالف صاحب بدعة فكيف نتعامل معه؟

    فأقول: إن البدع تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: بدع مكفرة.

    القسم الثاني: بدع دون ذلك.

    وفي كلا القسمين الواجب علينا أن ندعو هؤلاء الذين ينتسبون إلى الإسلام ومعهم البدع المكفرة وما دونها إلى الحق ببيان الحق دون أن نهاجم ما هم عليه إلا بعد أن نعلم منهم الاستكبار عن قبول الحق لأن الله تعالى يقول للنبي، صلى الله عليه وسلم: (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ)(12)، فندعوا أولاً هؤلاء إلى الحق ببيان الحق وإيضاحه بأدلته والحق مقبول لدى ذي كل فطرة سليمة، فإذا وجد منهم العناد والاستكبار فإننا نبين باطلهم على أن بيان باطلهم في غير المجادلة معهم أمر واجب.

    أما هجرهم فهذا يترتب على البدعة؛ فإذا كانت البدعة مكفرة وجب هجرهم، وإذا كانت دون ذلك فإننا ننظر فإن كان في هجرهم مصلحة فعلناه، وإن لم يكن فيه مصلحة اجتنبناه، وذلك أن الأصل في المؤمن تحريم هجره لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لرجل مؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث" فكل مؤمن وإن كان فاسقاً فإنه يحرم هجره ما لم يكن في الهجر مصلحة فإذا كان في الهجر مصلحة هجرناه؛ لأن الهجر دواء، أما إذا لم يكن فيه مصلحة، أو كان فيه زيادة في المعصية والعتو فإن ما لا مصلحة فيه تركه هو المصلحة.

    وحل هذه المشكلة: أعني مشكلة التفرق – أن نسلك ما سلكه الصحابة رضي الله عنهم، وأن نعلم أن هذا الخلاف الصادر عن اجتهاد في مكان يسوغ فيه الاجتهاد لا يؤثر بل إنه في الحقيقة وفاق لنا لأن كل واحد منا أخذ بما رأى بناءً على أنه هو مقتضى الدليل، إذاً فمقتضى الدليل أمامنا جميعاً، وكل منا لم يأخذ برأيه إلا لأنه مقتضى الدليل فالواجب على كل واحد منا أن لا يكون في نفسه على أخيه شيء، بل الواجب أن يحمده على ما ذهب إليه لأن هذه المخالفة مقتضى الدليل عنده.

    ولو أننا ألزمنا أحدنا أن يأخذ بقول الآخر لكن إلزامي إياه أن يأخذ بقولي ليس بأولى من إلزامه إياي أن آخذ بقوله، فالواجب أن نجعل هذا الخلاف المبني على اجتهاد أن نجعله وفاقاً حتى تجتمع الكلمة ويحصل الخير.

    وإذا حسنت النية سهل العلاج، أما إذا لم تحسن النية وكان كل واحد معجباً برأيه ولا يهمه غيره فإن النجاح سيكون بعيداً.

    وقد أوصى الله عباده بالاتفاق فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)(13) فإن هذه الآية موعظة للإنسان أي موعظة.

    أسأل الله تعالى أن يجعلني وإياكم من الهداة المهتدين والصلحاء المصلحين إنه جواد كريم. والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
     
    4 شخص معجب بهذا.
  6. tounsiman

    tounsiman عضو مميز عضو قيم

    إنضم إلينا في:
    ‏18 ديسمبر 2007
    المشاركات:
    736
    الإعجابات المتلقاة:
    3.359
      10-09-2009 19:58
    آداب النصيحة في الإسلام

    د. بدر عبد الحميد هميسه


    قال تعالى واصفاً أثر الكلمة وقيمتها وذلك في وصف إلهي بديع : {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء . تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ . وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ** سورة إبراهيم: 24-26.

    ولقد دعانا الله تعالى إلى الطيب والحسن من القول فقال : {وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ **. وقال : { وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً ** سورة البقرة : 83.
    وقال : {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا** سورة الإسراء : 53.
    فالكلم الحسن الطيب هو الذي يصعد إلى الله تعالى قال عز من قائل : {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ **. سورة فاطر : 10.
    وحسن الجواب وطيب الرد من صفات المسلم الحق , فالمؤمن لا يعرف الطعن ولا اللعن في الكلام . وعن ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً : \" ليس المؤمن بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء \" حسنه الترمذي .

    فهو يعرف أنه سوف يحاسب على كل ما يتلفظ به , ولقد ضرب لنا النبي صلى الله عليه وسلم أمثلة رائعة في حسن الخلق وقوة المنطق وبيان الحجة والإقناع والجواب الطيب فحينما جاءه شاب يستأذنه في الزنا يقول: يا رسول الله ائذن لي في الزنا، فدعاه النبي وقال: ((يا هذا، أترضى بالزنا لأمك؟!)) قال: لا، قال: ((والناس لا يرضونه لأمهاتهم، أترضاه لزوجتك؟!)) قال: لا، قال: ((والناس لا يرضونه لزوجاتهم، أترضاه لابنتك؟!)) قال: لا، قال: ((والناس لا يرضونه لبناتهم، أترضاه لعمتك؟!)) قال: لا، قال: ((والناس لا يرضونه لعماتهم، أترضاه لخالتك؟!)) قال: لا، قال: ((والناس لا يرضونه لخالاتهم))، ثم إنه ضرب صدره وقال: ((اللهم أعفه وحصنه وطهر قلبه))، قال رضي الله عنه: فما هممت بفاحشة بعد ذلك \". أخرجه أحمد (5/257)، والطبراني في الكبير (7679)، والبيهقي في الشعب (5415) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه بنحوه، قال الهيثمي في المجمع (1/129): \"رجاله رجال الصحيح\".
    وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ:( لَقِيَنِى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ ، فَانْخَنَسْتُ ، فَذَهَبْتُ فَاغْتَسَلْتُ ثُمَّ جِئْتُ ، فَقَالَ : أَيْنَ كُنْتَ ؟ قَالَ : كُنْتَ لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَقَالَ : إِنَّ الْمُسْلِمَ لاَ يَنْجُسُ) .( رواه مسلم ).
    وفي الصحيحين من حديث سهل بن حنيف, قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي, ولكن ليقل: لقست نفسي.
    سأل َ رجل العباس – رضي الله عنه - قائلا: أأنت أكبر أم رسول الله - صلى الله عليه و سلّم؟؟فأجاب العباس على الفور:رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أكبر مني وأنا وُلدت ُقبله .
    وروي عن عمر -رضي الله عنه- أنه خرج يعس المدينة بالليل, فرأى ناراً موقدة في خباء, فوقف وقال: (يا أهل الضوء). وكره أن يقول: يا أهل النار.
    وسأل رجلاً عن شيء: هل كان؟ قال: لا، أطال الله بقاءك, فقال: (قد علمتم فلم تتعلموا, هلا قلت: لا, وأطال الله بقاءك)؟.

    وكان لبعض القضاة جليس أعمى, وكان إذا أراد أن ينهض يقول: يا غلام, اذهب مع أبي محمد, ولا يقول: خذ بيده, قال: والله ما أخلَّ بها مرة.

    وروى الجاحظ أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه نظر إلى النخّار بن أوس العُذري، الخطيب الناسب، في عباءة في ناحية من مجلسه، فأنكره وأنكر مكانه زِرايةً منه عليه، فقال: من هذا؟ فقال النخّار: يا أمير المؤمنين، إن العباءة لا تكلمك، وإنما يكلمك من فيها!.

    وروي أن رجلا أحضر طفله إلى مجلس احد الخلفاء فأراد الخليفة أن يختبره, فأراه خاتماً من الماس في يده وقال: أرأيت أحسن من هذا الخاتم.؟أجاب الطفل:نعم الأصبع التي فيها.ثم سأله الخليفة سؤلاً أخر:أيهما أجمل.. دار أمير المؤمنين أم داركم؟.فأجاب الطفل:- إذا كان أمير المؤمنين في دارنا كانت أجمل.!!

    قيل أن ملكا من ملوك الفرس قرب إليه طباخه طعاما قوقعت منه نقطة على المائدة فأعرض الملك إعراضا تحقق به الطباخ قتله فعمد إلى الإناء فكفأه على المائدة فقال الملك ما حملك على ما فعلت و قد علمت أن سقوط النقطة أخطأت بها يدك ... قال : استحييت أن الناس تسمع عن الملك أنه استوجب قتلي و استباح دمي مع قديم خدمتي و لزومي حرمته في نقطة واحدة أخطأت بها يدي فأردت أن يعظم ذنبي ليحسن بالملك قتلي و يعذر في قتل من فعل مثل فعلي .. فعفا عنه و أمر بإجازته و وصله.

    وجيء بامرأة إلى الحجاج وقد أسر جنده ابنها وزوجها وأخاها . فقال لها الحجاج:اختاري أحدهم فأطلق سراحه فقالت:يا أمير المؤمنين أما الزوج فهو موجود وأما الابن فهو مولود ولكن الأخ مفقود لذا اخترت الأخ؟ فأعجب الحجاج بذكائها وأطلق سراحهم جميعا .
    فتعلم أيها – الحبيب – حسن الجواب , ولا تكن ممن يرمي الناس بلسانه فيجرحهم , فالكلمة إذا خرجت فإنها لا تعود .
    قال الشاعر :
    أحب مكارم الأخلاق جهد ي* * * وأكـره أن أعيب وأن أعابا
    وأصفح عن سباب الناس حلما * * * وشر الناس من يهوى السبابا
    ومن هاب الرجال تهيبـوه * * * ومن حقر الرجـال فلـن بهـابا

     
    2 شخص معجب بهذا.

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...