خطبة جمعة للشيخ الخنيسي

kingfadhel

عضو فعال
إنضم
23 أوت 2008
المشاركات
420
مستوى التفاعل
335
الحمد لله وسع كلّ شيء برحمته وعمّ كلّ حيّ بنعمته لا إله إلا هو خضعت الخلائق لعظمته سبحانه يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته أحمده سبحانه وأشكره على توابع آلائه وجلائل منّته وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته وألوهيته وأشهد أنّ محمداً عبد الله ورسوله خيرته من بريته ومصطفاه لرسالته صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وعفرته والتابعين ومن تبعهم بإحسان وسار على نهجه طريقته.
أما بعد
ما هي الرحمة؟
الرّحمة هي الرّقة والعطف والمغفرة.
الرّحمة كمال في الطبيعة البشرية تجعل المرء يرقّ لآلام الخلق فيسعى لإزالتها كما يسعى في مواساتهم، كما يأس لأخطائهم فيتمنّى هدايتهم ويتلمّس أعذارهم.
الرّحمة صورة من كمال الفطرة وجمال الخلق تحمل صاحبها على البرّ وتهبّ عليه في الأزمات نسيماً عليلاً تترطّب معه الحياة وتأنس له الأفئدة.
النّاس في حاجة إلى كَنَف رحيم ورعاية حانية وبشاشة سمحة هم بحاجة إلى وُدٍّ يسعهم وحلم لا يضيق بجهلهم ولا ينفر من ضعفهم كما أنّهم في حاجة إلى قلب كبير يمنحهم ويعطيهم ولا يتطلع إلى ما في أيديهم يحمل همومهم ولا يثقلهم بهمومه.
إنّ الإنسان لا يتميّز في إنسانيته إلا بقلبه وروحه لا في أكوام لحمه وعظامه.
بالروح والقلب يعيش ويشعر، وينفعل ويتأثر، ويرحم ويتألم.
فرحمة الله عامة وخاصة ،
فالعامة تشمل الكافر والمؤمن الإنس والجنّ الحيوان والجماد فهي تعمّ وتشمل كلّ مخلوقاته. فقال عزّ وجلّ: إنّ الله كان بكم رحيما (النّساء 29) قال تعالى:كتب ربّكم على نفسه الرّحمة (الأنعام 54)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم لمّا قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش إنّ رحمتي غلبت غضبي.(متفق عليه)
قال الطيبي: في سبق الرّحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنّها تنالهم من غير استحقاق، وأنّ الغضب لا ينالهم إلاّ باستحقاق، فالرّحمة تشمل الشخص جنينا ورضيعا وفطيما وناشئا قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة ولا يلحقه الغضب إلاّ بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك.
روى مسلم وغيره من حديث سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم إنّ لله مائة رحمة فمنها رحمة بها يتراحم الخلق بينهم وتسعة وتسعون ليوم القيامة.(مسلم 2753) رحمة واحدة بين الجنّ والإنس والبهائم فبها يتعاطفون وبها يتراحمون وبها تعطف الوحش على ولدها وأخّر الله تسعا وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة. عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قدم رسول الله بسبي فإذا امرأةٌ من السبي تسعى قد تحلَّب ثديها إذا وجدت صبيا في السبي أخذته فألزقته ببطنها فأرضعته فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: أتُرون هذه المرأة طارحةً ولدها في النّار؟ قلنا: لا والله وهي تقدر على أن لا تطرحه قال:فالله تعالى أرحم بعباده من هذه بولدها.(أخرجه البخاري)
ربنا سبحانه متصفٌ بالرّحمة صفةً لا تشبه صفات المخلوقين، فهو أرحم الرّاحمين، وخير الرّاحمين قال عزّ وجلّ وقل ربّ اغفر وارحم وأنت خير الرّاحمين (المؤمنون 118)
وقال تعالى فالله خير حافظا وهو أرحم الرّاحمين(يوسف 64)
أمّا الرّحمة الخاصة كتبها الرّحمان الرّحيم
1 لكلّ مؤمن تقيّ يأتي أمر الله ويتبع رسوله خاتم الرّسل والنّبيين صلى الله عليه وسلّم فقال تعالى:وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِئَايَٰتِنَا يُؤْمِنُونَ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِىَّ ٱلامّىَّ (الأعراف 156و157)
2 لمن خافه وخشي من عقابه
قال تعالى: قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذّنوب جميعا (الزمر53)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: كان رجل يسرف على نفسه فلمّا حضره الموت قال لبنيه إذا مت فأحرقني ثمّ اطرحوني ثمّ ذروني في الرّيح فوالله لئن قدر الله عليّ ليعذبني عذابا ما عذّبه أحد.فلمّا مات فعل به ذلك فأمر الله تعالى الأرض فقال اجمعي ما فيك منه ففعلت فإذا هو قائم فقال ما حملك على ما صنعت؟ قال يا ربّ خشيتك حملتني.فغفر له.(متفق عليه)
3 لمن أقبل عليه مؤمنا تائبا فأدركته منيّته قبل ذلك
قال تعالى: ففرّوا إلى الله إنّي لكم منه نذير مبين(الذاريات 50)
وقال أيضا: ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثمّ يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما (النّساء 110)
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ثمّ خرج يسأل فأتى رهبا فسأله فقال له: هل من توبة؟ قال: لا فقتله، فجعل يسأل فقال له رجل ائت قرية كذا وكذا فأدركه الموت فناء بصدره نحوها فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأوحى الله إلى هذه أن تقتربي وأوحى إلى هذه أن تباعدي وقال: قيسوا ما بينهما فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له.(متفق عليه)
4 على من تجاوز عن عباده
قال تعالى: وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون(البقرة 280) وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلّم تلقّت الملائكة روح رجل ممّن كان قبلكم قالوا أعملت من خير شيئا؟ قال: كنت آمر فتياني أن ينظروا ويتجاوزوا عن الموسر،قال: فتجاوزوا عنه.(متفق عليه)
5 لمن ظنّ الظنّ به
عن واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: قال الله تبارك وتعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي فليظنّ بي ما شاء.(رواه ابن ماجه)
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: يخرج رجلان من النّار فعرضان على الله ثمّ يؤمر بهما إلى النّار فيلتفت أحدهما فيقول: يا ربّ ما كان رجائي قال وما كان رجاؤك؟ قال: كان رجائي إذ أخرجتني منها أن لا تعيدني فيرحمه الله فيدخله الجنّة.(رواه ابن حبان) وعلى المؤمن أن يبقى بين رجاء رحمة الله والخوف من عقابه فهو القائل نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم (الحجر 49و50)
6 للذن يقومون اللّيل وجلون من الآخرة: قال تعالى: أمن هو قانت آناء اللّيل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربّه (الزمر 9)
7 للذين يهاجرون ويجاهدون في سبيل الله: قال تعالى: إنّ الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله (البقرة 218)
من ثمرات الرّحمة
1 تحقيق الإيمان: فعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النّبيّ صلى الله عليه وسلّم أنه قال: لن تؤمنوا حتى تراحموا.قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم قال: إنّه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنّها رحمة العامة.(رواه الطبراني ورجاله ثقات)
2 ورحمة الله سببٌ واصل بين الله وبين عباده بها أرسل رسله إليهم وأنزل كتبه عليهم لتستقيم حياتهم على سنن الرشاد بعيدا عن الضنك والعسر والضيق وبها هداهم،
3 أرسل نبيه محمداً صلى الله عليه وسلّم بالرّحمة فهو نبيّ الرّحمة للعالمين أجمعين قال تعالى: وَمَا أَرْسَلْنَـٰكَ إِلاَّ رَحْمَةً لّلْعَـٰلَمِينَ (الأنبياء 107) بعثه ربّه فسكب في قلبه من العلم والحلم وفي خُلُقه من الإيناس والبر وفي طبعه من السهولة والرفق وفي يده من السخاوة والندى ما جعله أزكى عباد الرحمان رحمة وأوسعهم عاطفة وأرحبهم صدراً.قال تعالى: لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِٱلْمُؤْمِنِينَ رَءوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة128)
4 بالرحمة تجتمع القلوب وبالرفق تتآلف النفوس قال تعالى: فَبِمَا رَحْمَةٍ مّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ ٱلْقَلْبِ لاَنْفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ (آل عمران 159)
5 ورحمته تعالى هي التي تدخل عباده المؤمنين الجنة يوم القيامة ولن يدخل أحد الجنّة بعمله كما قال عليه الصلاة والسلام : لن يُدخل أحداً عمله الجنّة،قالوا:ولا أنت يا رسول الله؟قال: لا ولا أنا إلاّ أن يتغمّدني الله بفضل ورحمة فسددوا وقاربوا ولا يتمنيّن أحدكم الموت: إمّا محسناً فلعله أن يزداد خيراً ، وإمّا مسيئاً فلعله أن يستعتب.(رواه البخاري 5349 ومسلم 7042 )
كيف أجلب رحمة الله؟
1 بطاعة الله وطاعة رسوله محمد صلى الله عليه وسلّم والاستقامة على أمر الإسلام قال تعالى: وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (آل عمران132)
2 بتقوى الله: قال تعالى:وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(الحجرات10)
وقال أيضا: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَءامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (الحديد 28)
3 بإقامة الصّلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر قال تعالى: وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (التوبة71)
4 الاستغفار: قال تعالى: لَوْلاَ تَسْتَغْفِرُونَ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (النمل 46)
5 ومن أعظم ما تُستجلب به رحمة الله الرّحمة بعباده ففي الحديث الصحيح: الرّاحمون يرحمهم الرّحمان ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء. (رواه أبو داود والترمذي)
إن المؤمن قويَّ الإيمان يتميّز بقلب حيّ مرهف لين رحيم يرقّ للضعيف ويألم للحزين، ويحنّ على المسكين، ويمدّ يده إلى الملهوف، وينفر من الإيذاء، ويكره الجريمة، فهو مصدر خير وبر وسلام لما حوله ومن حوله.
6 برّ الوالدين: يجلب الرّحمة وبالإحسان إليهما تكون السعادة قال تعالى: وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا (الإسراء24)
7 ثمّ من بعد ذلك الأولاد فلذات الأكباد عن أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: كان رسول الله يأخذني فيقعدني على فخذه ويقعد الحسن على فخذه الأخرى ثمّ يضمهما ثمّ يقول: اللّهمّ ارحمهما فإنّي ارحمهما.(أخرجه البخاري) والنفوس ذات الفطر السليمة تتعلّق بالصغير حتى يكبر والمريض حتى يُشفى والغائب حتى يحضر وفي الحديث: ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا. (أخرجه أحمد والترمذي، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح")
8 صلة الأرحام: إن الغلظة والجفاء والقطيعة والصدود في حق ذي الرحم تحرم العبد بركة الله وفضله، وتعرّضه لسخط الله ومقته، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلّم يقول: الرحم شجنة من الرحمة تقول: يا رب، إني قُطعت، يا رب، إني ظُلمت، يا رب، إني أُسيءَ إليّ، فيجيبها: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟(أخرجه أحمد)
9 تحنّ عن اليتيم: جاء رجل إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلّم يشكو قسوة قلبه فقال له: أتحبّ أن يلين قلبك؟ أرحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلنْ قلبك.
من مواطن الرّحمة:
1 مع الحيوان: جنات عدن تفتح أبوابها لامرأة بغيّ سقت كلباً فغفر الله لها، ونار جهنّم فتحت أبوابها لامرأة حبست هرة حتى ماتت لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض فإذا كانت الرحمة بكلب تغفر ذنوب البغايا فإنّ الرّحمة بالبشر تصنع العجائب.
وفي المقابل فإذا كان حبس هرة أوجب النّاس، فكيف بحبس البرآء من البشر؟
تترقَّى تعاليم ديننا في الرحمة بالبهائم حتى في حال ذبحها، والمشروع من قتلها، يقول عليه الصلاة والسلام: إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليُحدَّ أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته.
ودخل النّبيّ صلّى الله عليه وسلم ذات مرة بستاناً لرجل من الأنصار فإذا فيه جَمَل فلمّا رأى الجملُ النّبيَّ صلى الله عليه وسلم ذرفت عيناه فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح عليه حتى سكن فقال:لمن هذا الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار فقال: لي يا رسول الله فقال له: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إيّاها فإنّه شكا لي أنّك تجيعه وتتعبه. (رواه أبو داوود)
ويحكي لنا النّبيّ صلى الله عليه وسلم قصة رجل غفر الله له لأنّه سقى كلبًا عطشان، فيقول صلى الله عليه وسلم: بينما رجل يمشي بطريق اشتدّ عليه العطش فوجد بئرًا فيها فشرب ثمّ خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش فقال الرجل لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ بي فنزل البئر فملأ خُفَّهُ(حذاءه)بالماء ثمّ أمسكه بفيه(بفمه)فسقى الكلب فشَكَرَ اللهُ له فَغَفَر له.فقال الصحابة:يا رسول الله وإنّ لنا في البهائم لأجرًا؟قال:في كل ذات كبد رطبة أجر. (يقصد أن في سقي كل كائن حي ثوابًا) البخاري
2 إحسان معاملة الخدم والترفق بهم فيما يكلّفون به من أعمال والتجاوز عن هفواتهم، وليحذر المرء من سطوة التصرف، فيسخّرهم ويسخر منهم، فإن الله إذا ملك أحداً شيئاً فاستبد به وأساء سلبه ما ملك، ويُخشى عليه من سوء المنقلب. وهذا أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: خدمتُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم عشر سنين، فما قال لي: أفٍ قط، وما قال لي لشيء صنعتُه: لم صنعته؟ ولا لشيء تركته: لم تركته. (رواه مسلم)
وتحكي السيدة عائشة رضي الله عنها عن رحمة النبي صلى الله عليه وسلم فتقول: ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادمًا له قط ولا امرأة. (أحمد)
وعن أبي مسعود البدري رضي الله عنه قال: كنت أضرب غلاماً لي بالسوط فسمعت صوتاً خلفي: اعلم أبا مسعود فلم أفهم الصوت من الغضب، فلمّا دنا فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلّم وإذا هو يقول: اعلم ـ أبا مسعود ـ أنّ الله أقدر عليك منك من هذا الغلام فقلت: يا رسول الله هو حرّ لوجه الله، فقال: أما لو لم تفعل لفحتك النار.
وجاءه عليه الصلاة والسلام رجل يسأله:كم أعفو عن الخادم؟فقال صلى الله عليه وسلّم: كل يوم سبعين مرة. (أخرجه أبو داود) ومن الناس قساة ينتهزون بعض الخدم فيوقعون بهم أنواع الأذى وقد شدد الإسلام في ذلك وغلّظ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلّم: من ضرب سوطاً ظلماً اقتُصَّ منه يوم القيامة.
وكان صلى الله عليه وسلّم يقول في شأن الخدم: هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل وليلبسه ممّا يلبس ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم فإن كلفتموهم فأعينوهم.
ومن مظاهر الرحمة بهم كذلك ما جاء في قوله صلى الله عليه وسلم : إذا جاء خادم أحدكم بطعامه فليقعده معه أو ليناوله منه فإنه هو الذي ولي حره ودخانه.(رواه ابن ماجة وأصله في مسلم)
3 في بيع والشراء وفي طلب الحقوق بعفاف
روى البخاري وغيره من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى لله عليه وسلّم قال: رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى.(رواه البخاري 2086)
وللنّسائي وابن ماجه من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم أدخل الله عزّ وجلّ رجلا كان سهلا مشتريا وبائعا وقاضيا ومقتضيا الجنّة.(رواه النسائي 4710 و ابن ماجه 2202)
4 مع الأطفال:
كان صلى الله عليه وسلم يعطف على الأطفال ويرقّ لهم حتى كان كالوالد لهم يقبّلهم ويضمّهم ويلاعبهم ويحنّكهم بالتمر كما فعل بعبد الله بن الزبير عند ولادته، وكان يحمل الأطفال ويصبر على أذاهم فعن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إيّاه. (رواه البخاري)
وقبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلّم الحسن والحسين رضي الله عنهما وعنده الأقرع بن حابس فقال الأقرع: إنّ لي عشرةً من الولد ما قبّلت منهم أحداً فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقال: من لا يَرحم لا يُرحم. وفي رواية: أَوَ أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك؟ (مخرج في الصحيحين من حديث عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما)
وصلّى عليه الصلاة والسلام مرّة وهو حامل أمامة بنت زينب فكان إذا سجد وضعها وإذا قام حملها .وكان إذا دخل في الصلاة فسمع بكاء الصبيّ أسرع في أدائها وخفّفها.
فعن أبي قتادة عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه قال:إنّي لأقوم في الصّلاة أريد أن أطول فيها فأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاتي كراهية أن أشقّ على أمّه. (رواه البخاري ومسلم)
5 مع النّساء
لما كانت طبيعة النّساء الضعف وقلّة التحمل كانت العناية بهنّ أعظم والرفق بهنّ أكثر وقد تجلّى ذلك في خلقه وسيرته على أكمل وجه فحثّ صلى الله عليه وسلم على رعاية البنات والإحسان إليهنّ وكان يقول: من ولي من البنات شيئاً فأحسن إليهن كنّ له سترا من النّار.
بل إنّه شدّد في الوصية بحق الزوجة والاهتمام بشؤونها فقال:ألا واستوصوا بالنّساء خيرا فإنهنّ عوان عندكم ليس تملكون منهنّ شيئا غير ذلك إلاّ أن يأتين بفاحشة مبينة.
وضرب صلى الله عليه وسلم أروع الأمثلة في التلطّف مع أهل بيته حتى إنّه كان يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رضي الله عنها رجلها على ركبته حتى تركب البعير وكان عندما تأتيه ابنته فاطمة رضي الله عنها يأخذ بيدها ويقبلها ويجلسها في مكانه.
6 مع الضعفاء عموماً
وكان صلى الله عليه وسلم يهتمّ بأمر الضعفاء مثل ذلك اليتامى والأرامل فقد حثّ النّاس على كفالة اليتيم وكان يقول: أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنّة وأشار بالسبابة والوسطى.
وجعل الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وكالذي يصوم النّهار ويقوم اللّيل واعتبر وجود الضعفاء في الأمّة والعطف عليهم سبباً من أسباب النّصر على الأعداء
فقال صلى الله عليه وسلم:أبغوني الضعفاء فإنّما تنصرون وتُرزقون بضعفائكم.
7 رحمته بالجمادات
ولم تقتصر رحمته صلى الله عليه وسلم على الحيوانات بل تعدّت ذلك إلى الرحمة بالجمادات
وقد روت لنا كتب السير حادثة عجيبة تدل على رحمته وشفقته بالجمادات وهي : حادثة حنين الجذع فإنّه لمّا شقّ على النّبيّ صلى الله عليه وسلّم طول القيام استند إلى جذعٍ بجانب المنبر فكان إذا خطب النّاس اتّكأ عليه ثمّ ما لبث أن صُنع له منبر فتحول إليه وترك ذلك الجذع فحنّ الجذع إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم حتى سمع الصحابة منه صوتاً كصوت البعير فأسرع إليه النّبيّ صلى الله عليه وسلم فاحتضنه حتى سكن ثمّ التفت إلى أصحابه فقال لهم : لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة. (رواه أحمد)
8 رحمته بالأعداء حرباً وسلماً
فعلى الرغم من تعدد أشكال الأذى الذي ذاقه النّبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الكفار في العهد المكي إلاّ أنّه صلى الله عليه وسلم قد ضرب المثل الأعلى في التعامل معهم وليس أدلّ على ذلك من قصة إسلام الصحابي الجليل ثمامة بن أثال رضي الله عنه عندما أسره المسلمون وأتوا به إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فربطوه بسارية من سواري المسجد ومكث على تلك الحال ثلاثة أيّام وهو يرى المجتمع المسلم عن قرب حتى دخل الإيمان قلبه ثمّ أمر النّبيّ صلى الله عليه وسلم بإطلاقه فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثمّ دخل المسجد فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، يا محمد: والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك ، فأصبح دينك أحبّ الدّين إليّ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ، وسرعان ما تغير حال ثمامة فانطلق إلى قريش يهددها بقطع طريق تجارتهم، وصار درعاً يدافع عن الإسلام والمسلمين .كما تجلّت رحمته صلى الله عليه وسلم أيضاً في ذلك الموقف العظيم ، يوم فتح مكة وتمكين الله تعالى له حينما أعلنها صريحةً واضحةً: اليوم يوم المرحمة وأصدر عفوه العام عن قريش التي لم تدّخر وسعاً في إلحاق الأذى بالمسلمين،فقابل الإساءة بالإحسان،والأذيّة بحسن المعاملة.
نصيحة للذين يتكالبون على هذه الحياة الدنيا
قال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ وَشِفَاء لِمَا فِى ٱلصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ ٱللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ (يونس57و 58) وقال أيضا:أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَـٰتٍ لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبّكَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ (الزخرف 22)
تحذير عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: لا يرحم الله من لا يرحم النّاس.(متفق عليه)
الواجب العملي
1 خصّص نصيبا من المال كلّ شهر لترحم به الفقراء كلّ حسب سعته.
2 ارحم الزوجة بالكلام الطيّب وهديّة التي تشرح صدرها،
والزوجة ترحم زوجها بغضّ النّظر على أخطائه وترعاه كما ترعى صغيرها وتعطف عليه كما تعطف الأمّ على ابنها.
3 ارحم الوالدين بطاعتك لهما.
4 رجال التعليم يرحمون أبنائنا (يرضون لأبنائنا ما يرضون لأبنائهم)
5 ارحم نفسك بالابتعاد عن جميع المعاصي.​
 
أعلى