أئمة ومحن

B.k.Hamza

كبار الشخصيات
إنضم
17 أوت 2008
المشاركات
5.271
مستوى التفاعل
28.896
efgnsm.jpg

qrlmax.jpg



اخواني وأحبتي في الله


بمعونة الله ثم بمعونتكم سأحاول اليوم فتح موضوع مهم و هو التعريف ببعض
الأيمة و العلماء الأخيار ممن نفعوا و ينفعون و سينفعون الامة بإذن الله و توفيقه
و سأتناول في هذا الموضوع
1-التعريف بهم
2-التركيز على المحن و المصاعب التي مروا بها لنرى كم ضحوا من أجل هذا الدين و كم صبروا و تعرضوا لصعاب لكي يوصلوا لنا المعلومات و أحكام هذا الدين

بسم الله نبدا


29gdgdg.jpg


الإمام مالك

عندما تكلمنا عن محنة الإمام البخاري رحمه الله، قلنا: إنها محنة قديمة جديدة، حيث ما زالت أمثالها وأضرابها تقع كل يوم ولا يخلو منها عصر ولا جيل، وقل من يسلم من التلوث بأدرانها.

ومحنة الإمام مالك وإن كانت تختلف في فصولها عن محنة الإمام البخاري إلا إنها أيضًا محنة قديمة جديدة وما زالت تقع كل عصر وجيل، ولكن بأسماء ومواقف مختلفة، فمحنة الإمام مالك تتعلق بالدور المنوط لعلماء الأمة في بيان الحق وتعليم العلم وإرشاد الناس خاصة وقت النوازل، والصبر على المكاره واحتمال المشاق والمصاعب من أجل إظهار العلم وعدم كتمانه، في ظل تهديدات السلطة الحاكمة وطلبها الدائم بكتمان هذا العلم، الذي قد يمثل إحراجًا وضغطًا على هذه السلطة، كما إن للحسد والحقد دورًا بارزًا في أحداث المحنة التي تعرض لها الإمام مالك رحمه الله، وهذه هي أحداث وفصول هذه المحنة الأليمة.

نشأة الإمام مالك ومكانته:

كان مولد الإمام مالك بالمدينة النبوية على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم، وهي مهبط الوحي ودار الهجرة ومعدن الرسالة، وفيها ظهر الحق وقامت الدولة، ورفع منار الدين وانتشر، ومنها فتحت البلاد وتواصلت الأجداد، وبها مثوى الرسول صلى الله عليه وسلم ومعه صاحباه أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وفيها البقيع حيث يرقد معظم أصحابه والأخيار من المهاجرين الأولين والأنصار المباركين، وفي المدينة كان الحق ناصعًا والدين خالصًا، وعلى أنقابها ملائكة تحرسها حتى لا يدخلها الدجال ولا الطاعون، وفيها الفقهاء السبعة المشهورون، ولم يزل الدين بها قائمًا والسنة معلومة والعلماء متوافرين. وفي هذه البيئة الإيمانية والعلمية الخالصة ولد الإمام مالك ونشأ وشب وترعرع بين جنباتها، شق طريقه نحو حلق العلم والحديث، وجلس لأساطين العلم وقتها وكان مالك غلامًا عاقلاً حافظًا ثبتًا ضابطًا متقنًا برًا تقيًا، وقد جلس لابن هرمز عالم المدينة سبع سنين كاملة، تأثر خلالها مالك بأستاذه ابن هرمز كل التأثر، ثم جلس لربيعة الرأي ونافع مولى ابن عمر وحمل عنه ثمانين حديثًا وعرفت روايته عنه ـ مالك عن نافع عن ابن عمر ـ بالسلسلة الذهبية، ودار مالك على علماء زمانه وسمع منهم، وما زال مالك يرتقي في سلم العلم حتى درج إلى عليائه، وصار إمام دار الهجرة وعلمها المقدم، تضرب إليه أكباد الإبل من أقصى الأرض لسماع علمه ونقل فتاويه ومسائله وآرائه، وحمل كثير من العلماء الحديث الذي أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم فلا يجدون عالمًا أعلم من عالم المدينة) على الإمام مالك؛ حيث إنه لم يغادر المدينة أبدًا إلا للحج، وهو الذي كان يأتيه طلاب العلم من كل مكان، وهو في المدينة لا يخرج منها، بل حاول عدة خلفاء من بني العباس كالمهدي والرشيد إقناعه بالإقامة في بغداد وهو يأبى عليهم ولا يرى غير المدينة مقرًا.

وقد أثنى عليه كبار الأئمة مثل الشافعي الذي كان يصف الإمام مالك بالنجم الثاقب وقال عنه: لم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم لحفظه وإتقانه وصيانته، وقد جعلت مالكًا حجة بيني وبين الله عز وجل، وقال عنه أحمد بن حنبل: القلب يسكن إلى حديثه وإلى فتواه، حقيق أن يسكن إليه، مالك عندنا حجة لأنه شديد الاتباع للآثار التي تصح عنده، وقال عنه الليث بن سعد وهو قرينه ونظيره في العلم ولكنه لم يجد من يحمل عنه علمه قال عنه: والله ما على وجه الأرض أحب إلي من مالك، وعلم مالك علم نقي، ومالك أمان لمن أخذ به من الأنام.

وكان للإمام مالك منزلة رهيبة عند الناس تعدل بل تفوق منزلة الخلفاء والأمراء والولاة وكان مجلس درسه تحدوه السكينة والوقار والمهابة، لا يجرؤ فيه أحد على لغو ولا لغط، وإذا سأل سائل فأجابه لم يسأل عن الدليل ولا يطالب ببرهان، ولا يملك أحد أن يراجعه في جواب، حتى دخل على مجلسه يومًا أحد طلاب العلم الوافدين لسماع حديثه فوجد مجلسًا عامرًا بالهيبة والسكينة يعلوه الوقار فأنشد قائلاً:

يدع الجواب فلا يراجع هيبـة والسائلـون نواكس الأذقـان
أدب الوقار وعز سلطان التقى فهو المطاع وليس ذا سلطان

ولد مالك سنة 93 ومات سنة 179هـ أي إنه أدرك بهذا العمر الطويل المبارك الدولتين الإسلاميتين: الأموية والعباسية، والتي كانت كل واحدة منهما تحكم باسم الخلافة، بينما الواقع أن كلاهما كان ملكًا عضوضًا، يتوارثه الأبناء عن الآباء ويعضون عليه بالنواجذ، وهذه الطريقة في الحكم كان لها كثير من المعارضين والمخالفين، بعضهم بلسانه وقلمه والآخر بسيفه وترسه، وهذه المعارضة الأخيرة يعني المسلحة أخذت تتنامى شيئًا فشيئًا، حتى قامت المعارضة العباسية بقلب الدولة الأموية وإقامة دولتها مكانها، وذلك بعد ويلات وأهوال وشدائد ودماء مئات الآلاف التي تخضبت بها أرض خراسان والعراق والشام، وإن بقت الحجاز بمنأى عن هذه الأحداث الملتهبة فهي مستكينة وتبع لمن غلب منذ أحداث الحرة الأليمة سنة 61هـ، هذه الأحداث المتلاحقة جعلت العباسيين يشتدون مع معارضيهم حتى أنسوا الناس معنى العفو والصفح، فأدنى محاولة للخروج أو التلويح به أو حتى مجرد التلميح بالقول أو الفعل كان بنو العباس يقمعونها بمنتهى الشدة، ويأخذون البريء بالمذنب والقاعد بالساعي والبعيد بالقريب.

ومن أجل هذه المضار والمفاسد العظيمة المترتبة على الخروج على الحكام لم ير مالك الخروج عليهم وإن كانوا ظالمين وجائرين، وهو مع ذلك لم يكن مداهنًا لخليفة ولا أمير، أو يكتم العلم من أجلهم، بل يلتزم معهم الحياد، فهو وإن كان يلزم الجماعة والطاعة، لا يرى أن سياسة السلطان في عصره هي الحق الصراح الذي يتفق مع أحكام الإسلام وهدي القرآن، بل يرضى بالطاعة لأن فيها إصلاحًا نسبيًا، فكانت طريقته في الإصلاح حسب ما ارتآه ألا يناصر أحدًا عند الفتن، ورغم ذلك ورغم كره الإمام مالك للثورات والتحريض عليها إلا إنه لم يسلم من أذاها.

فبعد أن ارتفعت مكانة ومنزلة الإمام مالك عند الخاصة والعامة حتى جلس الخلفاء بين يديه وقرأ الأمراء له وأخذ الخلفاء بمشورته، وصدع الناس لما أمرهم به حسده على ذلك بعض أهل العلم ممن يؤثرون الدنيا ويسعون إليها، ووشوا به عند أمير المدينة جعفر بن سليمان في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور وذلك سنة 147هـ، وكانت التهمة: أن مالكًا لا يرى أيمان البيعة للخلافة هذه بشيء، ولكن هل قال مالك ذلك حقًا؟

إن الذي أفتى به الإمام مالك رحمه الله أن يمين المكره لا تلزمه، وذلك عملاً بالحديث الموقوف عن ابن عباس: (ليس لمكره ولا لمضطهد طلاق) وهو صحيح على ابن عباس ولا يصح رفعه وقد علقه البخاري في كتاب الطلاق، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: (ليس على مستكره طلاق) ولم يكن سبب المحنة هو التحديث بهذا الحديث وحده، ولكن التحديث به وقت الفتن واستخدام الثائرين لذلك الحديث ولمكانة الإمام مالك العلمية لتحريض الناس على الخروج على الخليفة، فلما بلغ الأمر السلطة الحاكمة أمر أبو جعفر المنصور الإمام مالكًا ألا يحدث الناس بهذا الحديث وبهذه الفتوى ونهاه عن ذلك بشدة، فلم يستجب مالك رحمه الله لهذه الضغوط ولم يسكت، فقد كان يرى في السكوت عنه كتمانًا للعلم الذي استودعه إياه الله عز وجل، وقد نهى الله عز وجل ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم عن كتمان العلم وتوعدا فاعله بالنار.

ولعلم أبي جعفر المنصور أن الإمام مالكًا لن يسكت عن نشر العلم فقد أمر واليه على المدينة جعفر بن سليمان أن يدس على مالك من يسأله عن هذا الحديث على رءوس الناس، وبالفعل أجاب مالك على المسألة وروى حديث ابن عباس، وعندها أرسل جعفر بن سليمان من قبض على الإمام مالك واحتج عليه بما رفع إليه عنه، فلم ينكر الإمام ولم يخش في الله عز وجل لومة لائم، فأمر جعفر بتجريده من ملابسه وضربه بالسياط وجبذت يده حتى انخلعت من كتفه وعذبه عذابًا شديدًا، وأهانه وتعمد إسقاط هيبته ومنزلته بكل هذه الإساءات، ولكن الله عز وجل قد رفع قدر مالك بعد هذه المحنة وازداد رفعة بين العالمين وهذه ثمرة المحنة المحمودة فإنها ترفع صاحبها عند المؤمنين.

عندما علم أهل المدينة بما جرى للإمام مالك اشتد سخطهم على الوالي وتطاولوا عليه بل وعلى الخليفة نفسه، خاصة وأن مالكًا قد أصيب في هذه المحنة بعجز كبير في ذراعه بحيث لم يقدر بعدها على رفعها إلا بمساعدة ذراعه الأخرى وقد جلس في بيته، وشعر الخليفة أبو جعفر المنصور بمرارة ما فعل فأرسل إلى الإمام مالك يعتذر إليه ويتنصل مما فعله واليه، ولما جاء أبو جعفر إلى الحجاز حاجًا أرسل إلى مالك واجتمع معه وبالغ له في الاعتذار، وذلك كله لتطييب خاطر العامة أولاً ثم الإمام ثانيًا، وإلا فجميع ما وقع بعلمه وبأمره والله أعلم.

في هذه المحنة اختلفت النظرة إلى الحديث بين الإمام مالك العالم التقي الرباني قدوة الناس ومفتيهم ومرشدهم عند النوازل والحاجات والذي يمثل طبقة العلماء، وبين الحكام الذين يمثلون طبقة أولي الأمر التي لها حق السمع والطاعة، فرأى مالك في إذاعة الحديث نشرًا للعلم وتبصيرًا للناس، فلم يكتمه إرضاء للحكام ولا لأي سبب مهما كان.

ورأى الحكام في إذاعته تحريضًا على الفتنة والثورة لأن فيه بيانًا ببطلان بيعة الخليفة، وصادف ذلك خروج محمد بن عبد الله بن حسن العلوي الملقب بالنفس الزكية على المنصور ومطالبته بالخلافة لنفسه وكان في المدينة وذلك سنة 146هـ.

ومهما يكن من مبررات الخليفة والتي ساقها من أجل منع الإمام من التحديث، يبقى ثبات الإمام مالك وجهره بالحق وصبره على الضرب والتجريد والإهانة علامة فارقة في حياة الإمام، إذ ضرب لعلماء الأمة كلهم مثالاً يحتذى به في الصبر والثبات نسج على منواله الأئمة من بعده مثل الشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري ممن ابتلوا في ذات الله، وصبروا على الحق وجهروا بالعلم ورفعهم الله عز وجل بذلك لأعلى الدرجات بين العالمين.


1zu0jp.jpg

17btrd.jpg

 

B.k.Hamza

كبار الشخصيات
إنضم
17 أوت 2008
المشاركات
5.271
مستوى التفاعل
28.896
الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى


في بداية الحديث عن تاريخ المحن التي تعرض لها علماء الأمة، لا يسعنا الحديث إلا أن نبدأه بأشد هذه المحن وأعظمها وأخطرها، ألا وهي محنة القول بخلق القرآن، والتي تعرض لها الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله، وهي المحنة التي تأتي على رأس قائمة المحن التي تعرض لها علماء الأمة الربانيون، وعلى الرغم من وجود العديد من المحن الشديدة والتي تعرض لها كبار علماء الأمة، إلا أننا آثرنا أن نبدأ الحديث بهذه المحنة العاتية وذلك لعدة أسباب:

1ـ أن هذه المحنة كانت في باب العقيدة أي في صميم قلب الأمة، وفي أصل قوتها ومصدر عزتها، وكان أهل الاعتزال هم من وراء هذه المحنة والفتنة.

2ـ أن الدولة بكافة أجهزتها ورجالها وقوتها كانت تدعم هذه المحنة، حيث استطاع بعض أهل الاعتزال مثل بشر المريسي وأحمد بن أبي دؤاد وغيرهما من خداع ثلاثة خلفاء عباسيين متتاليين وهم: المأمون ثم المعتصم ثم الواثق، وإقناعهم بتبني عقيدة الاعتزال الضالة والمليئة بالبدع الغليظة، وليس فقط مجرد التبني والاعتناق، ولكن وإجبار الناس على ذلك الضلال ولو بالقوة وحد السلطة التي لا تطيق عادة أن تخالف أو يتحدى سلطانها أي أحد مهما كانت مكانته وعلمه.

3ـ أن هذه المحنة العاتية لم تكن خاصة بالإمام أحمد وحده، وإن كان قد تحمل عبأها الأكبر وحده، بل كانت محنة عامة وفتنة شاملة، طالت الكبير والصغير، العالم والعامي، الأحرار والعبيد، حتى الأسارى عند الأعداء كانوا يمتحنون على القول بخلق القرآن، فإن أجابوا وإلا تركوا رهن الأسر عند العدو ولم تفتكهم الدولة.


4ـ أن هذه المحنة عندما وقعت لم يصمد فيها سوى الإمام أحمد بن حنبل، أما باقي العلماء فأغلبهم قد أجاب فيها كرهًا وبعضهم قد مات تحت وطأة التعذيب في سجن المبتدعة مثل البويطي ومحمد بن نوح ونعيم بن حماد، وكان صمود الإمام أحمد أعظم فصول هذه المحنة، وسبب تقدمه وشهرته ورفع ذكره، حتى صارت الإمامة مقرونة باسمه في لسان كل أحد فيقال: قال الإمام أحمد وهذا مذهب الإمام أحمد، ولو قدر الله عز وجل ولم يصمد الإمام أحمد في هذه المحنة لضل خلق كثير ولربما الأمة كلها والله أعلم، لذلك قال المزني رحمه الله: (عصم الله الأمة بأبي بكر يوم الردة وبأحمد بن حنبل يوم المحنة).

10o1w28.jpg


التعريف به:

هو الإمام حقًا، وشيخ الإسلام صدقًا، وإمام أهل السنة، الفقيه المحدث، والقلم الجبل، وركن الدين، وإمام المسلمين، وصاحب رابع المذاهب الفقهية المتبوعة، الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني، أحد كبار أئمة الإسلام. وُلد في ربيع الأول سنة 164هـ بمرو، وقد مات أبوه وهو جنين في بطن أمه فتحولت به إلى بغداد، وطلب العلم وهو في سن الخامسة عشرة، أي سنة 179هـ أي في نفس العام الذي مات فيه الإمام مالك، وعني بطلب الحديث وبرع فيه للغاية، وطاف الأقاليم وجمع الحديث من الثقات الأعلام، وتفرغ لطلب العلم وجمع الأحاديث حتى إنه لم يتزوج إلا بعد الأربعين، حتى بلغ عدد مروياته من الأحاديث والآثار ألف ألف حديث كما قال ذلك الحافظ أبو زرعة، حتى عدوه من أحفظ علماء الإسلام قاطبة.

10o1w28.jpg


خصاله:

كان الإمام أحمد موصوفًا بالكمال من الرجال، فلقد كان أهلاً بخصاله وأخلاقه وشمائله الجمة أن يصمد في وجه هذه المحنة الهائلة، فلقد كان على طراز علماء الأمة الربانيين الذين كمل حالهم في العلم والعمل، فلقد كان عابدًا ناسكًا ورعًا تقيًا نقيًا خالصًا مخلصًا، في غاية الزهادة والخشوع، أتاه من أموال الدنيا مما يحل أخذه بالآلاف وهو يرد ذلك كله، وعرضت عليه المناصب والولايات، وهو يفر منها فراره من الأسد، يحيي ليله بالصلاة والذكر والدعاء والبكاء، ويقضي نهاره في طلب العلم والدرس والفتيا، وحاله الدنيوي على أضيق ما يكون، لربما تأتي عليه عدة أيام لا يأكل من رقة الحال وانعدام المال، ولا يغير ملابسه لعدة سنوات، حتى إنه قد احتاج لأن يرهن نعله عند خباز، وأكرى نفسه من جمَّالين ليجد نفقة رحلته العلمية إلى اليمن، ومع ذلك فقلبه عامر بالإيمان، يتبرك الناس برؤيته والسلام عليه، ولقد حج خمس مرات منها ثلاث مرات ماشيًا على رجليه، وكان يصلي كل ليلة ثلاثمائة ركعة، فلما امتحن وأوذي بالسياط كان يصلي مائة وخمسين ركعة في الليلة.
ومع شدة اجتهاده في العلم والعمل كان الخوف من الله عز وجل، إذا ذكر الموت خنقته العبرة وامتنع عن الطعام والشراب، وكان يكره الشهرة بشدة وينكر أيما نكير على المغالين فيه، شديد الحب للفقراء والزهاد، يقربهم ويجلهم فوق السلاطين والأعيان، كثير التواضع، تعلوه السكينة والوقار، عازفًا عن الدنيا وأهلها.


10o1w28.jpg


فصول المحنة


الفصل الأول: أصل المحنة:

كان المسلمون أمة واحدة وعقيدتهم صحيحة وصافية من معين النبوة حتى وقعت الفتنة الكبرى وقتل عثمان رضي الله عنه مظلومًا شهيدًا، فتفرقت الكلمة وظهرت الشرور وتمت وقعة الجمل ثم صفين وبدأت البدع في الظهور، وحدث أول انحراف في تاريخ العقيدة الإسلامية بظهور فرقة الخوارج التي كفرت الصحابة خير الناس، ثم أخذت زاوية الانحراف أكثر و تعددت الفرق، وكلما ظهرت فرقة مبتدعة ظهرت في المقابل لها وعلى النقيض منها فرقة أخرى، الأولى تغالي والأخرى تعادي، فكما ظهرت الخوارج ظهرت فرقة المرجئة التي أخرت العمل وقالت إن الإيمان هو مجرد التصديق فقط، فجعلت إيمان أفجر الخلق كإيمان أتقاهم، وكما ظهرت الروافض ظهرت النواصب، وكما ظهرت فرقة القدرية نفاة القدر ظهرت فرقة الجبرية التي تنفي أي اختيار وإرادة للإنسان، وكما ظهرت فرقة المعتزلة والجهمية نفاة الصفات ظهرت فرقة المجسمة الذين يشبهون صفات الخالق بالمخلوق، ولكن كل هذه الفرق الضالة كانت مقهورة بسيف الشرع وقوة السنة وسلطان الدولة الأموية ثم العباسية، وكثير من رءوس البدعة قد قتل بسيف الحق مثل الجعد بن درهم رائد التعطيل والجهم بن صفوان رائد القدرية والمغيرة بن سعيد وغيرهم، وقد ظل المبتدعون في جحر ضب مختفين بضلالهم، لا يرفع أحد منهم رأسًا ببدعة أو بضلالة حتى ولي المأمون العباسي وكان محبًا للعلوم العقلية وكلام الفلاسفة الأوائل، فبنى دارًا لترجمة كتب فلاسفة اليونان وأسماها بيت الحكمة، فأخذت أفاعي البدع تخرج من جحورها وأخذت في التسلل بنعومة إلى بلاط المأمون ثم التفت حول عقله ولعبت به ونفثت سموم الاعتزال في رأسه، ونفق عليه رجال من عينة بشر المريسي الذي كان هاربًا أيام أبيه الرشيد الذي كان يتطلبه بشدة ليقتله ببدعته، وأحمد بن أبي دؤاد رأس الفتنة ومسعرها، وأبي الهذيل العلاف وثمامة بن أشرس وغيرهم، حتى مال المأمون لقولهم واعتنق مذهب الاعتزال والذي يقوم على عدة أصول وهي:

1ـ نفي الصفات وتعطيلها، وأبرز معالم نفي الصفات القول بأن القرآن مخلوق.

2ـ نفي القدر وأن العباد هم خالقو أفعالهم.

3ـ القول بالمنزلة بين المنزلتين بالنسبة لمرتكب الكبيرة.

4ـ الوعد والوعيد، ومعناه تخليد مرتكب الكبيرة في النار وإيجاب دخول المؤمن الجنة على الله.

5ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومعناه الخروج على ولاة الأمور بالسلاح.
ظل المأمون معتنقًا لهذه العقيدة الضالة ولا يجبر أحدًا على اعتناقها ويتردد ويراقب الشيوخ والعلماء والمحدثين وهو يخشى مكانتهم وتأثيرهم على جماهير المسلمين، وفي نفس الوقت يحاول استمالة من يقدر على استمالته منهم، فلما رأى إعراض العلماء عن القول ببدعته زين له أحمد بن أبي دؤاد وبشر المريسي أن يجبر العلماء وذلك بقوة الدولة وحد التهديد والوعيد، وبالفعل سنة 218هـ أمر المأمون العباسي قائد شرطة بغداد العاصمة «إسحاق بن إبراهيم» بأن يجمع كبار الفقهاء والعلماء والمحدثين ويمتحنهم في القول بخلق القرآن، وقرأ عليهم كتاب المأمون الذي يفيض بالتهديد والوعيد وقطع الأرزاق والعزل من المناصب لمن يرفض القول بخلق القرآن، ومن يومها بدأت فصول المحنة العظمى التي تحمل الإمام أحمد بن حنبل وحده عبأها والوقوف في وجه أربابها ودعاتها.

10o1w28.jpg


الفصل الثاني: الإمام أحمد والمأمون العباسي:

حمل الإمام أحمد ومن معه من العلماء إلى دار السلطان وأخذ إسحاق بن إبراهيم قائد الشرطة في امتحانهم، ومع جدية التهديد أخذ العلماء الواحد تلو الآخر يجيب بالقول بخلق القرآن، فلما رأى أحمد بن حنبل الناس يجيبون وكان من قبل رجلاً لينًا، انتفخت أوداجه واحمرَّت عيناه وذهب ذلك اللين وغضب لله عز وجل وجهر بالحق، وبعد أول يوم لامتحان العلماء عاد الإمام أحمد بن حنبل إلى مسجده وقعد للدرس والتحديث، فالتف حوله الناس وسألوه عما جرى وألحوا في معرفة من أجاب من العلماء في هذه المحنة، فرفض بشدة وكره الإجابة على هذا السؤال، ولكن الأمر قد انتشر بسرعة بين الناس وعُرف من أجاب ممن رفض.
وصلت أخبار الامتحان للخليفة المأمون وكان وقتها مقيمًا بطرسوس على الحدود مع الدولة البيزنطية، فتغيظ بشدة ممن رفض القول بخلق القرآن وطلب من قائد شرطته «إسحاق بن إبراهيم» أن يجمع العلماء مرة أخرى ويمتحنهم ويشتد في التهديد والوعيد، وبالفعل اشتد إسحاق في التهديد حتى أجاب كل العلماء ما عدا أربعة: أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح، والقواريري، وسجَّادة، فقام إسحاق بحبسهم وتهديدهم بالضرب والحبس، فأجاب سجَّادة والقواريري فخرجا من السجن وبقي أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح، فأرسل بخبرهما إسحاق إلى الخليفة المأمون الذي استشاط غضبًا وأمر بحملهما مقيدين زميلين إلى طرسوس، وقد أقسم ليقتلهما بيده إذا لم يجيبا في هذه الفتنة، بل أشهر سيفًا ووضعه بجانبه استعدادًا لقتلهما إذا أصرا على الرفض.

حُمل أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح من بغداد إلى طرسوس، وفي الطريق وقعت عدة حوادث كان لها أثر كبير في تثبيت الإمام أحمد ورفيقه، ودللت أيضًا على أن الناس كانت كلها وراء الإمام وتؤيده وإن كانت لا تملك له شيئًا، فقد قابله بالرحبة (موضع على شاطئ الفرات على بعد مائة فرسخ من بغداد) رجل من عامة المسلمين يعمل في غزل الصوف والشعر، قد جاء لمقابلته خصيصًا من بادية العراق ليقول له: يا أحمد إن يقتلك الحق مت شهيدًا وإن عشت عشت حميدًا، وما عليك أن تقتل هاهنا وتدخل الجنة، فقوي قلب الإمام أحمد بهذه الكلمات. ثم بعد فترة استراح الركب في خان بالطريق للمسافرين، وفي الخان قابل الإمام أحمد أحد أصدقائه القدامى واسمه أبو جعفر الأنباري، والذي عبر الفرات للقاء الإمام أحمد قبل سفره إلى طرسوس، فلما رآه الإمام أحمد قال له: يا أبا جعفر تعنيت (أي كلفت نفسك مشقة السفر وعبور الفرات) فقال له أبو جعفر: يا هذا أنت اليوم رأس، والناس يقتدون بك، فوالله لئن أجبت إلى خلق القرآن ليجيبن خلق، وإن أنت لم تجب ليمتنعن خلق من الناس كثير، ومع هذا فإن الرجل إن لم يقتلك فإنك تموت، لابد من الموت، فاتق الله ولا تجب. فجعل الإمام أحمد يبكي ويقول: ما شاء الله، ثم قال: يا أبا جعفر أعد عليَّ، فأعاد عليه، وأحمد يبكي ويقول: ما شاء الله.

وفي طريق السفر كان الإمام أحمد يتهجد ويصلي في جوف الليل ويدعو الله عز وجل أن لا يرى المأمون وألا يجتمع معه أبدًا، ويلح في الدعاء، وفي رجب سنة 218هـ وقبل أن يصل الإمام أحمد ورفيقه محمد بن نوح إلى طرسوس هلك المأمون فجأة بلا مرض ولا تعب، فراح ضحية سهم من سهام الليل من قوس مظلوم بوتر مكلوم هو دعاء الإمام أحمد عليه.

10o1w28.jpg


الفصل الثالث: الإمام أحمد والمعتصم العباسي:

هذا الفصل هو الأشد والأروع في فصول هذه المحنة العظمى، وتجلى فيه صمود الإمام أحمد حيث أصبح وحده في الميدان بعد أن مات محمد بن نوح تطت وطأة الحبس والتنكيل، ورغم أن الخليفة المعتصم لم يكن من أهل الفكرة ولا يعتقدها في الأساس، ولكنه خاض في الفتنة وانغمر فيها لأن أخاه المأمون قد أوصاه بذلك، فحمله حبه لأخيه المأمون لأن يعمل بوصيته، بل يزيد عليها، فكان أول قرار أخذه المعتصم هو رد الإمام أحمد إلى بغداد وسجنه هناك في سجن ضيق مظلم والقيود في يديه ورجليه حتى إنه أصيب بمرض شديد في شهر رمضان، فنقلوه إلى سجن أوسع مع عموم الناس، ومكث في هذا السجن ثلاثين شهرًا.

وفي السجن أخذ رجال الاعتزال ورءوس الفتنة يأتونه واحدًا تلو الآخر ليناظروه في خلق القرآن وهو يناظرهم وتعلو حجته حججهم، وكلما غلبهم في المناظرة اشتدوا عليه وضيقوا عليه وزادوا في قيوده، وبعد عدة أيام وكانوا في شهر رمضان بدأت فصول المناظرة العلنية بحضور الخليفة المعتصم نفسه.

ولنا أن نتخيل هذا المشهد المهول الذي حضره الإمام أحمد وحده وكان في مجلس الخليفة المعتصم وفيه كل رجال البدعة والوزراء والقادة والحجَّاب والسيافون والجلادون، وكان الذي بدأ معه الكلام هو المعتصم نفسه وقد حاول استمالته وترغيبه في أول الأمر، ثم أمر علماء البدعة بمناظرته، فهزمهم الإمام كلهم، وهو يحتج عليهم بالآيات والأحاديث والآثار وهم يحتجون بكلام الفلاسفة مثل العرض والجوهر والشيء والوجود والقدم، لذلك فقد علت حجته حجتهم والإمام يقول: أعطوني شيئًا من كتاب الله وسنة رسوله، وكان قائد الشرطة عبد الرحمن بن إسحاق ـ وهو بالمناسبة ابن إسحاق بن إبراهيم القائد السابق ـ ممن يدافع عن الإمام أحمد ويقول للخليفة المعتصم: يا أمير المؤمنين أعرفه منذ ثلاثين سنة، وإنه ليرى طاعتك والحد والجهاد معك، وإنه لعالم وإنه لفقيه، ولكن في المقابل كان أحمد بن داود أشد الناس عليه ويحرض المعتصم عليه بشدة ليقتله ويقسم له أنه ضال وكافر ومبتدع.

استمرت هذه المناظرة العلنية ثلاثة أيام وكانوا في شهر رمضان، والإمام ثابت لا يتزعزع وخصومه من حوله تتساقط شبههم وبدعهم، حتى كان اليوم الرابع وكان المعتصم قد ضجر من طول المناظرة وأغراه قاضي المحنة أحمد بن داود، حتى وصل التهديد للضرب والجلد، وأحضرت الخشبة والسياط وشد أحمد على العقابين (وهما خشبتان يشد الرجل بينهما للجلد) فخلعت يداه وهو صامد، وعندها أخذت المعتصم شفقة على الإمام وأعجب بثباته وصلابته، ولكن أحمد بن أبي دؤاد أغراه وقال له: يا أمير المؤمنين تتركه فيقال غلب خليفتين؟ فعمى المعصتم لكلمته الشريرة وأمر بالإمام فأخذ الجلادون في ضربه بالسياط، يتناوبون على ضربه؛ هذا يضربه سوطين والآخر ثلاثة وهكذا، حتى إذا بلغ سبعة عشر سوطًا قام إليه المعتصم وقال له: يا أحمد علام تقتل نفسك؟! إني والله عليك لشفيق، وجعل عجيف أحد قادة الأتراك العسكريين في جيش المعتصم ينخسه بقائمة سيفه ويقول: أتريد أن تغلب هؤلاء كلهم؟ وجعل بعضهم يقول: ويلك إمامك الخليفة على رأسك قائم، وقال بعضهم: يا أمير المؤمنين دمه في عنقي، اقتله، وجعلوا يقولون: يا أمير المؤمنين أنت صائم وأنت في الشمس قائم، والمعتصم يقول: ويحك يا أحمد ما تقول؟ فيجيب الإمام بكل صمود وثبات: أعطوني شيئًا من كتاب الله أو سنة رسول الله أقول به، فيأمر المعتصم بمواصلة الضرب، ثم قال له المعتصم مرة أخرى: أجبني إلى شيء فيه أدنى فرج حتى أطلق عنك بيدي، ومع ذلك الإمام صامد، فأخذوا في ضربه حتى أغمي عليه من شدة الضرب وقد تمزق ظهره من لهيب السياط.

بعد هذا الثبات العجيب التي تعجز عن مثله الجبال الراسيات، أمر المعتصم بإطلاق سراحه، ولكن بعد أن فعل شيئًا في منتهى العجب والغرابة، وهو قيامه بإحضار أقارب الإمام أحمد وأهله وجيرانه وأشهدهم على أنه سليم البدن، وذلك خوفًا من ثورة الناس عليه إن حصل للإمام مكروه، هذا على الرغم من قوة المعتصم وشجاعته وسلطته، ولكن قوة الحق وسلطة الصمود وشجاعة الثبات الذي عليه الإمام أحمد كانت أكبر من ذلك كله، وخرج الإمام أحمد وعاد إلى بيته بعد 28 شهرًا من الحبس والضرب من سنة 218هـ حتى سنة 221هـ.
والمعتصم وإن كان هو الذي أقدم على ضرب الإمام أحمد إلا أنه لم يكن مثل المأمون مقتنعًا أو معتنقًا لهذه البدعة، وكان يود لو أطلق سراح أحمد بلا ضرب، ولكن رءوس الضلالة أوغروا صدره وأشعلوا غضبه حتى أقدم على جناية ضرب الإمام، لذلك فلقد جعله الإمام أحمد في حلٍ من هذه الجناية وذلك يوم أن جاءه خبر فتح عمورية سنة 223هـ.

10o1w28.jpg


الفصل الرابع: الإمام أحمد والواثق العباسي:

ظل أحمد بعد خروجه من سجن المعتصم يعالج في بيته فترة طويلة من آثار الضرب والتعذيب حتى تماثل للشفاء، وأخذ يحضر الجمعة والجماعة ويحدث الناس ويفتي حتى مات المعتصم، وولي مكانه ابنه الواثق، وكان قد تربى في حجر قاضي المحنة أحمد بن أبي دؤاد فشربه البدعة منذ صغره ، فكان الواثق من أشد وأخبث الناس في القول بالبدعة، حيث أظهرها بقوة وأجبر الناس عليها وأطلق يد أحمد بن أبي دؤاد فيها، فكان يفرق بين الرجل الذي لا يقول ببدعته وبين امرأته ويأمر المعلمين بتعليم الصبيان في المكاتب هذه البدعة الخبيثة، وبلغ الأمر ذروته عندما كان أحمد بن أبي دؤاد يمتحن أسرى المسلمين عند الروم، فمن قال ببدعة خلق القرآن افتداه، ومن امتنع يتركه أسيرًا بيد الروم حتى ضج الناس وضاقت نفوسهم.
بلغ الأمر بالناس ذروته من فجاجة نشر البدعة وتسلط المعتزلة على الناس حتى أقدمت مجموعة من أهل بغداد بقيادة أحمد بن نصر الخزاعي على التحضير للخروج على حكم الخليفة الواثق العباسي وخلعه من الخلافة، وذهب نفر منهم للإمام أحمد لاستفتائه في الخروج وعددوا له مساوئ الواثق وجرائمه وبدعه، فلم يوافق الإمام أحمد على ذلك ومنعهم وناظرهم في القضية وأمرهم بالصبر وذلك من فقه وورع ودين الإمام أحمد، على الرغم من الأذى والاضطهاد والعذاب الشديد الذي ناله الإمام على يد هذه الحكومة الجائرة المبتدعة والتي لو خرج عليها الإمام أحمد ما لامه أحد، إلا إنه قد أدرك أن المفاسد المترتبة على الخروج أعظم وأكبر من المصالح المتوقعة من وراء إسقاطها، والذي توقعه الإمام قد وقع بالفعل، فلقد فشلت حركة الخزاعي وراح فيها الكثيرون.

وعلى الرغم من الدور الذي لعبه الإمام أحمد في إقناع الكثيرين بعدم الخروج على الواثق، إلا إن الواثق قد قابل ذلك بفعل شرير بالغ السوء حيث أمر بنفيه من بغداد وأرسل إليه يقول: «لا يجتمعن إليك أحد ولا تساكني بأرض ولا مدينة أنا فيها»، فخرج الإمام من بيته واختبأ بدار أحد تلاميذه عدة أيام، ثم انتقل إلى موضع آخر فمكث فيه عدة شهور حتى هدأ الطلب عليه، ثم تحول إلى مكان آخر وظل هكذا لا يستطيع أن يخرج إلى صلاة ولا إلى مجلس علم وتحديث حتى هلك الواثق العباسي سنة 231هـ، فخرج الإمام للناس وجلس للتحدث، وذلك أن المتوكل الذي ولي بعد الواثق كان على مذهب أهل السنة وقد أمر برفع البدعة وإظهار السنة، وأيضًا لم يسلم الإمام من الفتنة أيام المتوكل ولكنها كانت فتنة بالسراء ليس بالضراء، ذلك أن المتوكل قد أفاض عليه بالأموال والعطايا الجزيلة وحاول استمالته ليسكن مدينة سامراء ويترك بغداد، وأن يتولى تعليم وتأديب ولده «المعتز» ولكن الإمام رفض ذلك بشدة وعانى بسبب هذا الرفض معاناة شديدة.

ثناء الناس على الإمام:

كان الناس يثنون على الإمام أحمد بن حنبل قبل أحداث الفتنة والمحنة، فلما رأوا ثباته وصموده وحده أمام حكومة البدعة ودولة الاعتزال زاد ثناؤهم وتقديرهم للإمام، حتى لربما خرج لطور المغالاة والمدح الزائد عن الشرع، ومن يقرأ في ترجمة الإمام في كتاب حلية الأولياء لأبي نعيم الأصبهاني يجد نماذج كثيرة لهذا الغلو ربما خرج لحد السخف كما يقول الحافظ الذهبي، لذلك نقتصر في هذا المقام على ما ذكره ثقات العلماء وصحاح الآثار:

قال قتيبة بن سعيد: خير أهل زماننا ابن المبارك، ثم هذا الشاب، يعني أحمد بن حنبل، وإذا رأيت رجلاً يحب أحمد فاعلم أنه صاحب سنة، ولو أدرك عصر الثوري والأوزاعي والليث لكان هو المقدم عليهم، وقال أيضًا: لولا الثوري لمات الورع ولولا أحمد لأحدثوا في الدين، أحمد إمام الدنيا.

قال الشافعي: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلاً أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل.

قال علي بن المديني: أعز الله الدين بالصديق يوم الردة وبأحمد يوم المحنة، وقال أيضًا: أحمد أفضل عندي من سعيد بن جبير في زمانه، لأن سعيدًا كان له نظراء.

قال ابن خزيمة: رحم الله أحمد بن حنبل، عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبهه، وبالصالحين ما كان ألحقه، عرضت له الدنيا فأباها، والبدع فنفاها.

قال بشر الحافي: قام أحمد مقام الأنبياء، وأحمد عندنا امتحن بالسراء والضراء فكان فيهما معتصمًا بالله.

10o1w28.jpg


والخلاصة:

أن هذه المحنة التي وقعت عامة بأرض الإسلام لم يصمد فيها سوى الإمام أحمد، وقد تداوله ثلاثة خلفاء يسلطون عليه من شرق الأرض إلى غربها ومعهم من العلماء المتكلمين والقضاة والوزراء والأمراء والولاة والقادة العسكريين، فبعضهم تسلط عليه بالحبس وبعضهم بالتهديد والوعيد بالقتل، وبعضهم جلده وعذبه وألقاه في غياهب السجون، وبعضهم بالنفي والتشريد والمطاردة، ثم كانت فتنة السراء أيام المتوكل، وقد خذله في ذلك أهل الأرض حتى أصحابه العلماء والصالحون وهو مع ذلك لا يجيبهم إلى كلمة واحدة مما طلبوا منه، وما رجع عما جاء به الكتاب والسنة ولا كتم العلم ولا استعمل التقية، بل قد أظهر من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وآثاره ما قمع به البدعة، ورفض كل المحاولات التي بذلها معه قرناؤه العلماء في إقناعه بقبول التقية، ورأى أن التقية لا تجوز إلا للمستضعفين الذين يخشون ألا يثبتوا على الحق والذين هم ليسوا بموضع القدوة للناس، أما أولو العزم من الأئمة الهداة فإنهم يأخذون بالعزيمة ويحتملون الأذى ويثبتون، والإمام أحمد كان يرى نفسه ولم يبق أحد سواه أمام البدعة مسئولاً عن إخمادها والصمود أمامها مهما تكن العواقب، ولو أخذ بالتقية والرخصة لاستساغ الناس الرخصة ولضلوا من وراءها، ولذلك كان الإمام أحمد هو إمام أهل السنة وهو جبل الحق والسنة يوم أن حكمت البدعة، وثباته بإذن الله عز وجل كان ثباتًا للدين والسنة وإنما تنال الإمامة بالصبر واليقين كما قال ربنا رب العالمين: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة:24].


1zu0jp.jpg

17btrd.jpg

 

B.k.Hamza

كبار الشخصيات
إنضم
17 أوت 2008
المشاركات
5.271
مستوى التفاعل
28.896
الإمام البخاري
10o1w28.jpg


الكلام عن محنة البخاري يثير في القلب شجونًا وأحزانًا وآلامًا كثيرة؛ ذلك لأن هذه المحنة بالذات ما زالت أصداؤها تتردد لوقتنا الحاضر ولكن بصورة مختلفة وبأوجه جديدة، وما زالت ضروب هذه المحنة وأقرانها تقع كل يوم وفي كل عصر وجيل، ولب هذه المحنة وأسها وأساسها الغيرة والحسد بين الأقران، فهي كما قال البخاري رحمه الله نفسه في وصيته: لا يسلم عالم متقدم على أقرانه من ثلاثة أمور: طعن الجهلاء وملامة الأصدقاء وحسد العلماء، وهو عين ما جرى للبخاري في محنته، وهذه هي فصولها:

10o1w28.jpg


الإمام البخاري ومنزلته بين الناس:

منزلة البخاري معروفة بين الناس لا تحتاج لبيانها، فهو المجمع على فضله، المقدم في علمه، الرائد في فنه، ولكننا نرمي من وراء بيان ذلك مداخل من خاض في حقه، ومأرب من اشترك في محنته، ليعلم أن الحسد والغيرة ولا شيء سواهما كانا وراء ما حاق بهذا الإمام العلم، وهاكم طائفة من كلام الناس في مكانة ومنزلة البخاري رحمه الله:

قال يحيى بن جعفر: لو قدرت أن أزيد في عمر محمد بن إسماعيل من عمري لفعلت، فإن موتي موت رجل واحد وموته ذهاب العلم.

سئل قتيبة مرة عن طلاق السكران فقال: هذا أحمد بن حنبل وابن المديني وابن راهويه قد ساقهم الله إليك وأشار إلى محمد بن إسماعيل البخاري.

قال نعيم بن حماد: محمد بن إسماعيل فقيه هذه الأمة.

وقال أبو سهل الشافعي: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها، كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل فضلوه على أنفسهم، وقال: سمعت أكثر من ثلاثين عالمًا من علماء مصر يقولون: حاجتنا من الدنيا النظر في "تاريخ" محمد بن إسماعيل.

قال سليم بن مجاهد: لو أن وكيعًا وابن عيينة وابن المبارك كانوا في الأحياء لاحتاجوا إلى محمد بن إسماعيل.

قال إمام الأئمة ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظ له من محمد بن إسماعيل.

قال الإمام مسلم للبخاري مرة: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله.

قال أبو عيسى الترمذي: لم أر بالعراق ولا بخراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من محمد بن إسماعيل.

قال الحافظ أبو عمرو الخفاف: محمد بن إسماعيل أعلم بالحديث من إسحاق بن راهويه وأحمد بن حنبل وغيرهما بعشرين درجة، ومن قال فيه شيئًا فمني عليه ألف لعنة، فإن محمد هو التقي النقي العالم الذي لم أر مثله.

قال عبد الله بن حماد: وددت أني شعرة في صدر محمد بن إسماعيل.

10o1w28.jpg


محنة البخاري في نيسابور:

بدأ البخاري في طلب الحديث وهو دون العاشرة، فسمع من مشايخ بلده، ثم خرج في رحلة علمية طويلة لسماع الحديث وطلب العلم فطاف البلاد ودخل العواصم والتقى مع آلاف الشيوخ ولم يترك بقعة من بقاع العالم الإسلامي المعروفة بالعلم والحديث إلا زارها ودخلها، فطاف خراسان كلها ودخل العراق فزار بغداد والبصرة والكوفة مرات كثيرة، ودخل الشام والحجاز واليمن ومصر، وكان كلما دخل بلدًا انهال عليه الآلاف من أهلها من طلبة العلم وغيرهم للاستفادة من علمه الغزير وأدبه الوفير وسمته وهديه، وكان الناس يستقبلونه استقبال الملوك والخلفاء والعظماء ويبالغون في تعظيمه وتبجيله واحترامه.

وبدأت فصول محنة البخاري عندما توجه إلى مدينة نيسابور وهي من المدن الكبيرة في خراسان، فلما وصل إليها خرج إليه أهلها عن بكرة أبيهم، فلقد استقبله أربعة آلاف رجل ركبانًا على الخيل سوى من ركب بغلاً أو حمارًا، وسوى الرجال، وخرج الولاة والعلماء كافة لاستقباله قبل أن يدخل المدينة بمرحلتين أو ثلاثة [قرابة المائة كيلو متر مربع] وبالغوا في إكرامه بصورة لم تكن لأحد قبله ولا حتى بعده.

ومن روعة الاستقبال وعظيم التقدير والاحترام الذي وجده البخاري بنيسابور قرر المقام فيها لفترة طويلة واتخذ فيها دارًا، وأخذ علماء نيسابور في حض طلبة العلم على السماع من البخاري، وكان رأس علماء نيسابور وقتها الإمام محمد بن يحيى الذهلي، وكان رأسًا متبوعًا مطاعًا ليس في نيسابور وحدها بل في خراسان كلها، الناس يطيعونه أكثر من طاعتهم للخليفة والوالي، وكان الذهلي ممن حض الناس على الجلوس للبخاري وحضور مجالسه ودروسه، والذهلي نفسه كان ممن استفاد كثيرًا من البخاري، حتى أنه كان يمشي خلف البخاري في الجنائز يسأله عن الأسامي والكنى والعلل والبخاري يمر فيه مثل السهم.

ومع استقرار البخاري في نيسابور أخذت مجالس التحديث تخلو شيئًا فشيئًا من طلاب الحديث لصالح مجلس البخاري، حتى ظهر الخلل في مجلس كبير علماء نيسابور محمد بن يحيى الذهلي نفسه، عندها تحركت النوازع البشرية المركوزة في قلوب الأقران، فدب الحسد في قلب الذهلي وتسللت الغيرة المذمومة إلى نفسه شيئًا فشيئًا، حتى وصل الأمر به لأن يخوض في حق البخاري ويتكلم فيه ويرميه بتهمة البخاري بريء منها، فما هذه التهمة يا ترى والتي كانت سبب محنة البخاري؟

هذه التهمة هي تهمة اللفظية، وهي تعني قول القائل: أن لفظي بالقرآن مخلوق، فقد قال لأصحاب الحديث إن البخاري يقول: اللفظ بالقرآن مخلوق، فامتحنوه في المجلس، فلما حضر الناس مجلس البخاري، قام إليه رجل، فقال: يا أبا عبد الله ما تقول في اللفظ بالقرآن مخلوق هو أم غير مخلوق؟ فأعرض عنه البخاري ولم يجبه، فأعاد الرجل السؤال ثلاث مرات، فالتفت إليه البخاري وقال: القرآن كلام الله غير مخلوق وأفعال العباد مخلوقة والامتحان بدعة، أي أن البخاري قد أدرك مغزى السؤال وعلم أنه من *** السؤالات التي لا يراد بها وجه الله عز وجل، وإنما يراد بها امتحان العلماء وإثارة الفتن والفرقة بين الناس، فشغب الرجل السائل على مجلس البخاري فقام البخاري من مجلسه وجلس في منزله.

ولعل البعض لا يدري ما المراد بمسألة اللفظية هذه، لذلك يحسن أن نبين معناها في عجالة، ذلك أنه خلال فتنة القول بخلق القرآن وامتحان الخلفاء المأمون والمعتصم والواثق للناس فيها، التبس الأمر على بعض الناس، فتوقف البعض في المسألة، وقال البعض الآخر إن لفظنا بالقرآن مخلوق، وكان أول من قال إن اللفظ بالقرآن مخلوق هو الفقيه الكرابيسي، فأنكر عليه الإمام أحمد بشدة واعتبره من قبيل البدع وسبيلاً للتجهم والاعتزال، وقال الإمام أحمد: من قال القرآن مخلوق فهو جهمي، ومن قال: القرآن كلام الله ولا يقول: غير مخلوق ولا مخلوق فهو واقفي، ومن قال لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع، فرد الفقيه الكرابيسي وأوضح المسألة فقال: تلفظك بالقرآن يعني غير الملفوظ من باب أن أفعالنا مخلوقة. ومع ذلك أنكر الإمام أحمد عليه هذه المقولة وذهب لأن يعرض الإنسان عن هذه الكلمة بالكلية حتى لا تفتح بابًا للتجهم والابتداع في الدين.

10o1w28.jpg


والخلاصة

أن مسألة اللفظ يراد بها أمران: أحدهما الملفوظ نفسه وهو غير مقدور للعبد ولا فعل له فيه، والثاني التلفظ به والأداء له وهو فعل العبد، فإطلاق الخلق على اللفظ قد يوهم المعنى الأول وهو خطأ، وإطلاق نفي الخلق عليه قد يوهم المعنى الثاني وهو خطأ أيضًا، فمنعا الإطلاقين، أما إذا فصَّل القائل في المسألة وفرق بين اللفظ والملفوظ، فقال إن الملفوظ هو كلام الله عز وجل والمتلو هو القرآن المسموع بالآذان وبالأداء من فم الرسول صلى الله عليه وسلم وهي حروف وكلمات وسور وآيات تلاه جبريل وبلَّغه جبريل عن الله تعالى، وهو صفة من صفات الله وبالتالي الملفوظ غير مخلوق، أما لفظ العباد وأصواتهم وحركاتهم وأداؤهم كل ذلك مخلوق لله بائن عنه ـ فهذا حق وصواب تمامًا لا مرية فيه، وهذا ما كان يقول به البخاري.

بعد هذه الحادثة أخذ الذهلي في التشنيع على البخاري واتهمه بالتجهم وقال: قد أظهر البخاري قول اللفظية واللفظية عندي شر من الجهمية، ومن ذهب بعد إلى محمد بن إسماعيل البخاري فاتهموه، فإنه لا يحضر مجلسه إلا من كان على مثل مذهبه، ثم تمادى الذهلي في التشنيع والهجوم على البخاري ونادى عليه في الناس ومنع طلبة الحديث من الجلوس إليه، ثم ألزم كل من يحضر مجلسه ألا يجلس للبخاري، فقال يومًا: ألا من قال باللفظ فلا يحل له أن يحضر مجلسنا، وكان في المجلس وقتها الإمام الكبير مسلم بن الحجاج وأحمد بن سلمة، فقام الاثنان من مجلس الذهلي، وهذا الأمر جعل الذهلي يزداد في هجومه على البخاري، ويصل لأعلى درجات الغلو والغيرة المذمومة، إذ قال بعد حادثة خروج الإمام مسلم من مجلسه: لا يساكنني هذا الرجل [يعني البخاري] في البلد، وأخذ الجهال والسفهاء يتعرضون للبخاري في الطريق يؤذونه بالقول والفعل، مما أجبر معه البخاري في النهاية لأن يخرج من البلد.

وبالنظر لما قام به الذهلي بحق البخاري نجد أن الذهلي قد تدرج في التشنيع والهجوم على الإمام البخاري للوصول لغاية محددة منذ البداية، ألا وهي إخراج البخاري من نيسابور حسدًا منه على مكانة البخاري العلمية، وحتى لا ينسحب بساط الرياسة العلمية منه لصالح البخاري، وهذا ما فهمه البخاري منذ البداية وقاله لتلامذته ومن سأله عن هذه النازلة، فهذا تلميذه محمد بن شاذل يقول: دخلت على البخاري لما وقع فيه محمد بن يحيى فقلت: يا أبا عبد الله، ما الحيلة لنا فيما بينك وبين محمد بن يحيى، كل من يختلف إليك يطرد؟ فقال البخاري: كم يعتري محمد بن يحيى الحسد في العلم، والعلم رزق الله يعطيه من يشاء، وقال أحمد بن سلمة: دخلت على البخاري فقلت: يا أبا عبد الله هذا رجل مقبول بخراسان خصوصًا في هذه المدينة، وقد لج في هذا الحديث حتى لا يقدر أحد منا أن يكلمه فيه فما ترى؟ فقبض البخاري على لحيته ثم قرأ: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: 44]، اللهم إنك تعلم أني لم أرد المقام بنيسابور أشرًا ولا بطرًا ولا طلبًا للرياسة وقد قصدني هذا الرجل [يقصد الذهلي] حسدًا لما آتاني الله لا غير، ثم قال لي: يا أحمد إني خارج غدًا لتتخلصوا من حديثه لأجلي، فقال أحمد بن سلمة: فأخبرت جماعة من أصحابنا بخروج الإمام، فوالله ما شيعه غيري وكنت معه حين خرج من البلد.

وبالفعل خرج البخاري من نيسابور واتجه إلى مرو من أعمال خراسان ليواصل رحلته العلمية، فإذا بالذهلي يواصل هجومه الشرس على البخاري حتى بعد خروجه من نيسابور، حيث أخذ في الكتابة لسائر بلاد ومدن خراسان يحذرهم من البخاري وأنه يتبنى قول اللفظية، وقد أتت هذه الحملة أكلها، فكلما توجه البخاري إلى بلد في خراسان وجد الناس ثائرين عليه، وكتب الذهلي في حقه تنهال على علماء المدن وأمرائها فتوغر الصدور وتحرك الشكوك وتسيء الظنون، حتى وصلت حدة الحملات التشويهية ضد البخاري لأن يقدم رجلان من أكبر علماء الرجال في الحديث وهما أبو حاتم وأبو زرعة لأن يقولا: إن البخاري متروك، ولا يكتبان حديثه بسبب مسألة اللفظ، وسبحان الله لا أدري كيف أقدم أبو حاتم وأبو زرعة على مثل هذه المقولة؟ وكيف تجاسرا عليه؟ والبخاري حامل لواء الصناعة ومقدم أهل السنة والجماعة، والبخاري أعلى منهما كعبًا في كل باب في الحديث والفقه والحفظ، قال الذهبي في السير: كلام الأقران بعضهم في بعض لا يعبأ به لاسيما إذا لاح لك أنه لعداوة أو لمذهب أو لحسد وما ينجو منه إلا من عصم الله، وما علمت أن عصرًا من الأعصار سلم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين.

وكان البخاري يؤكد في كل مكان أنه لم يقل إن لفظه بالقرآن مخلوق، فعندما سأله الحافظ أبو عمرو الخفاق عن هذه المسألة فقال له: يا أبا عمرو احفظ ما أقول لك: من زعم من أهل نيسابور وقوس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت: لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب فإني لم أقله، إلا إني قلت: أفعال العباد مخلوقة. ومعنى هذا التصريح أن الذهلي الذي خاض في حق البخاري وشوه سيرته ومكانته قد بنى حملته على البخاري على لازم قول البخاري أن الأفعال مخلوقة، فقال الذهبي: إن البخاري يقول: إن ألفاظنا من أفعالنا وأفعالنا مخلوقة، إذًا هو يقول إن لفظي بالقرآن مخلوق ولازم القول ليس بلازم كما هو مذهب جمهور المحققين من العلماء، إلا إذا التزمه صاحب القول، أما إذا نفاه وتبرأ منه فلا يلزمه ولا يشنع عليه بسببه، قال الذهبي: ونعوذ بالله من الهوى والمراء في الدين وأن نكفر مسلمًا موحدًا بلازم قوله وهو يفر من ذلك اللازم وينزه ويعظم الرب، لذلك كان البخاري ينفي في كل موطن هذه التهمة عن نفسه ويبرأ منها.

وهكذا نرى كيف كانت فصول محنة البخاري وهي كما قال الذهبي رحمه الله: لا يسلم منها عصر من الأعصار، فهي كانت وما زالت قائمة وموجودة، بل هي الآن على أشدها، فكم من عالم وداعية خاض الحاسدون وعشاق التصنيف وأنصار الحزبية في حقه ورموه بكل قبيح ونسبوا إليه من هو منه براء لا لشيء إلا حسدًا من عند أنفسهم على حب الناس له والتفافهم حوله، وكم عالم وداعية راح ضحية هذه التشنيعات حتى ضاع ذكره وخبره تحت أمواج الوشايات والأباطيل التي ملأت الأسماع وأوغرت الصدور وشحنت النفوس، حتى أصبح مجرد ذكر اسم هذا العالم أو الداعية مدعاة للطعن والشك والريب والطرح.

والخلاصة أنها قصة جديدة قديمة وفصولها كلها محزنة أليمة والسالم من سلَّمه الله والمعصوم من عصمه الله وقليل من هم.


1zu0jp.jpg

17btrd.jpg

 

B.k.Hamza

كبار الشخصيات
إنضم
17 أوت 2008
المشاركات
5.271
مستوى التفاعل
28.896
الإمام النسائي

10o1w28.jpg


لا يزال الجهل والجهلاء هم أعدى أعداء العلم والعلماء؛ فهما نقيضان متضادان، كلاهما حرب على الآخر، كلاهما في حالة صراع قائمة ومستمرة عبر التاريخ، فالعلم نور وحق وبيان والعلماء أهله وحراسه ومناصروه، والجهل ظلام وباطل وبهتان والجهلاء أهله وحراسه ومناصروه، الجهل داء والعلم دواء، الجهل سقام القلوب والنفوس والعقول والعلم شفاؤها، لذلك فإن الله عز وجل قد أعلى من شأن العلم والعلماء وجعلهم ورثة الأنبياء، وجعل فضل العالم على العابد كفضل النبي صلى الله عليه وسلم على أدنى المسلمين، وعلى مر التاريخ عانى علماء الأمة الربانيون من سفاهة الجهلاء وحماقة الأغبياء الكثير من الويلات والمحن، بل إن بعضهم قد راح ضحية الجهل والغباوة، ففقدت الأمة العديد من كبار الأئمة والعلماء بسبب ذلك، وعلى رأس هؤلاء العلماء الذين راحوا ضحية الجهل والجهلاء الإمام النسائي صاحب السنن رحمه الله.

10o1w28.jpg


التعريف به:

هو الإمام الحافظ الحجة الثبت، شيخ الإسلام، ناقد الحديث، وبحر العلوم، وواحد من كبار علماء الأمة، وصاحب السنن المشهورة، أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر النسائي، ولد سنة 215هـ بمدينة نسا من أعمال خراسان [بين إيران وأفغانستان الآن] وطلب العلم صغيرًا وقد ملك حب الحديث وطلبه والرحلة إليه مجامع فؤاده، فارتحل لطلب الحديث سنة 230هـ أي وهو في الخامسة عشر، فرحل أولاً إلى المحدث الشهير «قتيبة بن سعيد» ومكث عنده عامًا كاملاً، سمع خلاله مروياته كلها، ثم انطلق بعدها يجول في طلب العلم والحديث في خراسان والحجاز ومصر والعراق والجزيرة والشام والثغور، ثم استوطن مصر، وصارت الرحلة إليه، وإليه ضربت أكباد الإبل، وارتحل إليه الحفاظ، ولم يبق له نظير في هذا الشأن.
كان النسائي شيخًا مهيبًا، مليح الوجه، حسن الشيبة، وضيئًا كأن في وجهه قنديل مضاء، مقتصدًا في لباسه، حسن العيش بحيث كان له أربع زوجات ويأكل جيدًا مع ذلك آية من آيات الرحمن في الحفظ والفهم والإتقان والاجتهاد في العبادة ونشر العلم والسنة، مع صحة عقيدة وسلفية منهج وإتباع للآثار وإحياء للسنن.

10o1w28.jpg


مصنفاته:

كان النسائي رحمه الله من بحور العلم مع الفهم والإتقان والبصر ونقد الرجال وحسن التأليف، وواحد من أصحاب السنن الأربعة الكبار، وكان متحريًا ضابطًا محققًا، وقد ترك العديد من المصنفات الهامة والنافعة، والتي ما زالت معينًا ينتفع منه الناس وطلبة العلم والعلماء، وعلى رأس مصنفاته كتابه الشهير «السنن» ورتبة هذا الكتاب من حيث الصحة والجودة والدقة، تلي الصحيحين، وذلك لاشتداده في الرجال، حتى قيل إن شرطه في الرجال الذين يروي عنهم أشد من شرط البخاري ومسلم، ولقد ليَّن جماعة من رجال صحيحي البخاري ومسلم، وكلام النسائي على فقه الحديث في سننه يدل على مدى فقهه وسعة علمه ورتبته بين العلماء، ولقد اصطفى الحافظ ابن السني كتاب «المجتبى» من سنن النسائي وكل ما فيه صحيح؛ لذلك طارت الشهرة للمجتبى ونسي الناس «السنن».

وللنسائي مصنفات أخرى مثل كتاب الخصائص لعلي رضي الله عنه، وكتاب فضائل الصحابة، وله كتاب المناسك على مذهب الشافعي، ومسند عليّ، وكتاب الكنى، وكتاب عمل يوم وليلة، كتاب التفسير، كتاب الضعفاء.

10o1w28.jpg


ثناء الناس عليه:

يحتل النسائي مكانة سامقة في ثبت علماء الأمة، فهو يقف في مصاف كبار علماء الأمة، وإمامًا من أكبر أئمة الحديث، حتى أن السيوطي رحمه الله قد قال عنه: (النسائي مجدد المائة الثالثة). وثناء الناس عليه وإقرارهم بإمامته وريادته مذكور في كل كتب التراجم التي ترجمت كحياة هذا الإمام الكبير وهذه طائفة منتقاة من أقوالهم:

قال الحافظ أبو علي النيسابوري: أبو عبد الرحمن النسائي الإمام في الحديث بلا مدافعة.

قال الإمام الدارقطني: أبو عبد الرحمن النسائي مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره.

قال محمد بن المظفر الحافظ: سمعت مشايخنا بمصر يصفون اجتهاد النسائي في العبادة بالليل والنهار، وأنه خرج إلى الفداء مع أمير مصر، فوصف من شهامته وإقامته السنن المأثورة في فداء المسلمين، واحترازه عن مجالس السلطان الذي خرج معه.

قال أبو بكر بن الحداد الفقيه: رضيت بالنسائي حجة بيني وبين الله تعالى.

قال أبو سعيد بن يونس: كان أبو عبد الرحمن النسائي إمامًا حافظًا ثبتًا.

قال الإمام الذهبي: لم يكن أحد في رأس الثلاث مائة أحفظ من النسائي، وهو أحذق بالحديث وعلله ورجاله من مسلم وأبي داود والترمذي، وهو جارٍ في مضمار البخاري وأبي زرعة.

قال الإمام الطحاوي: أبو عبد الرحمن النسائي إمام من أئمة المسلمين.

قال مأمون المصري المحدث: خرجنا إلى طرسوس مع النسائي، فاجتمع جماعة من الأئمة: عبد الله بن أحمد بن حنبل، ومحمد بن إبراهيم، وأبو الآذان، وأبو بكر الأنماطي، فتشاوروا: من ينتقي لهم على الشيوخ؟ فأجمعوا على أبي عبد الرحمن النسائي، وكتبوا كلهم بانتخابه.

قال ابن الأثير في مقدمة كتابه «جامع الأصول»: النسائي من أئمة الحديث والفقه الشافعي، له مناسك على مذهبه، وكان ورعًا متحريًا، شديد التحري والضبط لرواياته حتى أنه قد أتى أحد رواة الحديث المشهورين وهو «الحارث بن مسكين» وكان الحارث خائفًا من أمور تتعلق بالسلطان، فخاف من النسائي أن يكون عينًا عليه، فمنعه من دخول بيته، فكان النسائي يجيء فيقعد خلف الباب ويسمع، وكان بعدها إذا روى الحديث عن الحارث لا يقول: حدثنا حارث، إنما يقال: قال الحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع، من شدة تحريه وصدقه وضبطه لألفاظ الرواية.

10o1w28.jpg


مـحنتــه:

كان النسائي كما أسلفنا إمامًا من أكبر أئمة الحديث والفقه في عصره، وقد طاف معظم بلاد الإسلام طلبًا للحديث سماعًا ورواية، ثم استقر المقام به في مصر، وخلال طوافه وسياحه في أقاليم الدولة الإسلامية، لاحظ أن أهل الشام منحرفون عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبالطبع ليس كل أهل الشام بل بعضهم، وإن كان هذا البعض كثيرًا في نظر الإمام النسائي، مما دفعه لئن يصنف كتاب «الخصائص» في فضائل علي وأهل البيت، حتى يردهم إلى الصواب ويكشف عنهم عماية الجهل والتعصب، وقد نوى إن عاود الرحلة إلى الشام، ومتى دخلها أن يروي لهم كتاب الخصائص، وهذا الفعل من الإمام النسائي منقبة عظيمة وعلامة صادقة على ربانية هذا الإمام والعالم الكبير وإحساسه بأحوال المسلمين ومواضع الجهل والحاجة عندهم وتصديه لمواجهة هذا الداء العضال الذي يعصف بعقول المسلمين ألا وهو الجهل والتعصب.

بدأت محنة النسائي عندما بلغ أعلى المكانات العلمية في عصره وصارت الرحلة إليه وعيَّنه أمير مصر قاضيًا على عموم البلاد، وخرج معه للجهاد والفداء، وعندها حسده الأقران، وظهر ذلك منهم في قسمات وجوههم وفلتات ألسنتهم، وهذا الحسد أزعج النسائي وضاقت به نفسه حتى عزم على الخروج من البلد كلها، قال الإمام الدارقطني: كان النسائي أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح من السقيم من الآثار، وأعرفهم بالرجال، فلما بلغ هذا المبلغ، حسدوه، فخرج إلى الرملة بفلسطين وذلك في أواخر سنة 302هـ.

خرج النسائي إلى الشام وفي نيته نشر العلم النافع، ورد ما غالى من أهلها على أمير المؤمنين علي رضي الله عنه، فلما وصل إلى الرملة بفلسطين، عقد مجلسًا للتحديث بجامعها الكبير، وأخذ في رواية الأحاديث في فضل علي رضي الله عنه وآل البيت وفي باقي الصحابة، وكانت بلاد الشام معقل الأسرة الأموية وقاعدة ملك بني أمية ودمشق ظلت عاصمة الخلافة الأموية وعاصمة الدولة الإسلامية، طوال حكم الأمويين، فلما أخذ النسائي في رواية أحاديث فضل الصحابة، طلبوا منه أن يروي حديثًا في فضل معاوية رضي الله عنه، فامتنع النسائي من ذلك؛ لأنه وبمنتهى البساطة لم يخرّج حديثًا في فضل معاوية، ومروياته كلها ليس فيها حديث واحد في ذلك، فألحوا عليه، فرفض بشدة وكان كما قلنا ضابطًا متقنًا شديد التحري لألفاظه ورواياته للأحاديث، فألحوا عليه أكثر وشتموه، فرد عليهم بكلام شديد أحفظهم، إذ قال لهم: أي شيء أخرج؟ حديث اللهم: لا تشبع بطنه، وهو حديث صحيح أخرجه الإمام مسلم في صحيحه وكذلك أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده، ولكن ليس للنسائي سند في مروياته ليخرجه به ويحدثه للناس.

ولما كانت بلاد الشام معقلاً تاريخيًا وتقليديًا لبني أمية، وأنصارهم به كثر، وكذلك المتعصبون لهم، فإن النسائي لما قال ما قال لمن شتمه ووبخه لأنه لم يرو لهم حديثًا في فضل معاوية رضي الله عنه، فظنوا أن الإمام النسائي من مذهب آخر، ولم يعرفوا قدر هذا الإمام ومكانته العلمية، فقاموا عليه بكل جهل وتعصب، وكأنه واحد من اللصوص أو المجرمين، وأخذوا يضربونه بكل عنف، وفي أماكن حساسة من جسده، وكان النسائي وقتها، قد جاوز الخامسة والثمانين من العمر، فلم يحتمل الشيخ الكبير هذا الضرب المبرح، فخر مغشيًا عليه، ثم أخرجوه من المسجد بلا رحمة ولا شفقة، فلما أفاق قال لمن معه: احملوني إلى مكة كي أموت بها، ولكن القدر كان أسرع من مراده وبغيته، فمات في 13 صفر سنة 303هـ، فرزقه الله عز وجل حياة هنية وميتة سوية، وختم حياته بصيانة علمه وأحاديثه.


1zu0jp.jpg

17btrd.jpg

 

B.k.Hamza

كبار الشخصيات
إنضم
17 أوت 2008
المشاركات
5.271
مستوى التفاعل
28.896
الإمام ابن حِبَّان


10o1w28.jpg


خلال دراستنا التاريخية لأحداث وفعاليات المحن والابتلاءات التي تعرض لها علماء الأمة وجدنا أن غالبية هذه المحن كانت بسبب الحسد والتعصب المذهبي، أو بسبب فتوى أو قول أو رأي قال به العالم المبتلى، أو بسبب الثبات على الحق والجهر به والتصدي للظلم والظلمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهكذا، ولكن أن يبتلى العالم ويمتحن امتحانًا شديدًا ويكفر ويهدر دمه بسبب كلمة قالها لم يرد بها إلا الخير والحق!!! فهذه حقًا تعتبر من أعجب المحن، وهو عين ما جرى للإمام ابن حبان البستي.

10o1w28.jpg


التعريف به:

هو الإمام العلم العلامة، الحافظ المجود، شيخ خراسان، أحد أوعية العلم الكبار، ورجل من كبار رجالات الحديث، أبو حاتم محمد بن حبان البستي، صاحب الكتب الشهيرة والمصنفات الفائقة، ولد في مدينة بُست من أعمال سجستان في خراسان [مدينة في إيران الآن] سنة 273هـ، فأخذ في طلب الحديث منذ بواكيره، وخرج على عادة طلاب الحديث لرحلة علمية كبيرة وواسعة لسماع الحديث من شيوخه وأعلامه في شتى أرجاء الدولة الإسلامية، فطاف أولاً أقاليم خراسان كلها ثم العراق ودخل مصر والشام والسواحل والحجاز واليمن، حتى إنه قد حمل العلم والحديث عن أكثر من ألفي شيخ، فيا لها من همة عالية رفعت لمصاف علماء الأمة الكبار وحفاظها المعروفين.

10o1w28.jpg


مصنفاته:

لابن حبان مصنفات كثيرة وشهيرة لم يبق منها للأسف الشديد سوى النذر اليسير، أشهرها على الإطلاق كتاب الأنواع والتقاسيم الذي أطلق عليه أهل العلم اسم (المسند الصحيح)، وهو كتاب لا يقدر على الكشف منه إلا من حفظه تمامًا، وقد التزم ابن حبان فيه بنظام دقيق... قال هو عنه في مقدمته: (شرطنا في نقله ما أودعناه في كتابنا؛ ألا نحتج إلا بأن يكون في كل شيخ فيه خمسة أشياء: العدالة في الدين بالستر الجميل، الثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه، الثالث: العقل بما يحدَّث من الحديث، الرابع: العلم بما يحيل المعنى من معاني ما روى، الخامس: تعري خبره من التدليس).

كما له كتب أخرى مشهورة مثل: التاريخ، الضعفاء، العلل، مناقب الشافعي، موقوف ما رفع، الهداية، وكتب كثيرة ضاعت بسبب فساد الأحوال، وذلك لأنه قد أوقف كتبه كلها لطلبة العلم في داره، فلما انتشرت الفتن والاضطرابات وضعف أمر الخلافة والسلطان، استولى المفسدون على داره وضاعت كتبه العلمية.

10o1w28.jpg


ثناء الناس عليه:

لابن حبان مكانة كبيرة ومنزلة عالية في سماء علم الحديث؛ بحيث إنه كان ممن يشد إليه الرحال لسماع كتبه وأسانيده، وقد اعترف له معاصروه ومن جاء بعده بالعلم والفضل والتقدم؛ فهذا تلميذه أبو عبد الله الحاكم وهو من كبار علماء الحديث وصاحب كتاب المستدرك يقول عنه: (كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ ومن عقلاء الرجال، وقد أقام عندنا في نيسابور وبنى الخانقاه (مثل المدرسة) وقرئ عليه جملة من مصنفاته ثم خرج إلى وطنه سجستان عام 340هـ وكانت الرحلة إليه لسماع كتبه).

وقال عنه الحافظ أبو سعد الإدريسي: (كان ابن حبان من فقهاء الدين وحفاظ الآثار، عالمًا بالطب وبالنجوم [يقصد الفلك] وفنون العلم، وقد صنف المسند الصحيح، وقد تولى قضاء سمرقند زمانًا فنشر الفقه والعلم هناك بين الناس).

وقال عنه الخطيب البغدادي: كان ابن حبان ثقة نبيلاً فهمًا.

ولولا أن ابن حبان قد أقدم على توثيق المجاهيل في مسنده لارتفع شأن هذا المسند إلى مصاف الكتب الستة، وأيضًا لزادت مكانته ودرجته في مصاف العلم والعلماء.

10o1w28.jpg


مـحنتـه:

تعتبر المحنة التي تعرض لها الإمام ابن حبان وكادت تودي بحياته وتقضي على تراثه وعلمه من أعجب المحن والفتن التي يتعرض لها أحد من أهل العلم، وتدل على مدى خطورة الجهل بمعاني الألفاظ ومدلولاتها، وأيضًا تدل على مدى خطورة تحميل الألفاظ والأقوال من أوجه الكلام ما لا تحتمله ولا يتفق مع دين وعقيدة ومكانة قائلها، ويحضرنا عند الحديث عن محنة ابن حبان العجيبة مقولة الإمام مالك الشهيرة: [إذا قال الرجل قولاً يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهًا والإيمان من وجه واحد حملناها على الإيمان] لأنها تكاد تنطبق على هذه المحنة الغريبة.

ومفاد الحادثة أن الإمام ابن حبان أثناء إلقائه لأحد الدروس في نيسابور سئل عن النبوة فقال: النبوة "العلم والعمل"، وكان يحضر مجلسه بعض الوعاظ فقام إليه واتهمه بالزندقة والقول بأن النبوة مكتسبة، وارتفعت الأصوات في المجلس وهاج الناس بين مؤيد للتهمة ونافٍ لها، وخاضوا في هذا الخبر على كل وجه، حتى كتب خصوم ابن حبان محضرًا بالواقعة وحكموا عليه فيه بالزندقة ومنعوا الناس من الجلوس إليه، وهُجر الرجل بشدة، وبالغوا في أذية ابن حبان وتمادوا في ذلك حتى كتبوا في أمر قتله وهدر دمه إلى الخليفة العباسي وقتها، فكتب بالتحري عن الأمر وقتله إن ثبتت عليه التهمة، وبعد أخذ ورد اتضحت براءة ابن حبان ولكنهم أجبروه على الخروج من نيسابور إلى سجستان. وهناك وجد أن الشائعات تطارده والتهمة ما زالت تلاحقه. وتصدى له أحد الوعاظ هناك واسه يحيى بن عمار وظل يؤلب عليه حتى خرج من سجستان وعاد إلى بلده "بست"، وظل بها حتى مات رحمه الله مهمومًا محزونًا من الأباطيل وتهم الزندقة والإلحاد.

ولكن هل مجرد كلمة واحدة تجلب على هذا العلم الفذ كل هذه المتاعب؟ ونحن نقول إن هذه الكلمة وأمثالها قد تفعل مثل ذلك وزيادة إذا ألقيت على أسماع من لا يفهم معاني اللغة ومدلولاتها، وأيضًا إذا ألقيت على أسماع الحاسدين والموتورين الذين يتربصون بأمثال هذا العالم العلامة الدوائر، وينتظرون أي مناسبة وفرصة ولو بشطر كلمة للنيل منه.

فإن كلمة: النبوة العلم والعمل، يقولها المسلم ويقولها الزنديق، يقولها المسلم ويقصد بها مهم النبوة، إذ من أكمل صفات النبي العلم والعمل، فما من نبي قط إلا وهو على أكمل حال من العلم والعمل، وليس كل من برز فيهما نبيًا؛ لأن النبوة محض اصطفاء من الله عز وجل، لا حيلة للعبد في نيلها ولا اكتسابها، وابن حبان لم يرد حصر المبتدأ في الخبر، وذلك نظير قوله صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة) ومعلوم أن عرفة هو ركن الحج الأعظم، ولكن لا يكفي وحده حتى يصير العبد حاجًا، بل هناك أركان وفروض أخرى لشعيرة الحج، ولكن عرفة هو مهم الحج، كما أن العلم والعمل مهم النبوة وهذا ما قصده وأراده ابن حبان، وهذا ما يجب أن يحمل كلامه عليه وهذا اللائق بمكانته وعلمه، وأيضًا اللائق بخلق المسلم الصادق الذي يحسن الظن بإخوانه المسلمين.

وأيضًا هذه الكلمة يقولها الفيلسوف الزنديق وهو يقصد بها أن النبوة مكتسبة ينتجها العلم والعمل وكثرة الرياضات والمجاهدات، وهذا كفر مخالف للقرآن والسنة وإجماع المسلمين، وهذا ما لا يريده ابن حبان ولا يقصده أبدًا وحاشاه، فهو من كبار علماء الأمة وأئمتها، ولكن الجهل والحقد والحسد أعمى قلوب معارضيه حتى خاضوا فيه وأجبروه على الرحيل من مكان لآخر حتى استقر في بلده وبها مات، وما أشبه هذه الحادثة بما جرى للبخاري.

فرحم الله الرجلين وأجزل لهما المثوبة وجعل من أبناء الأمة من يذبون عن أعراضهم ويدفعون عنهم الأباطيل والأكاذيب ويكشفون بطلان تهم خصومهم، ويعرفون أبناء المسلمين حقيقة علماء هذا الدين.



1zu0jp.jpg

17btrd.jpg

 

B.k.Hamza

كبار الشخصيات
إنضم
17 أوت 2008
المشاركات
5.271
مستوى التفاعل
28.896

الإمام ابن خزيمة

10o1w28.jpg


يعتبر الحسد هو السبب الرئيسي لمعظم المحن والابتلاءات التي تعرض لها علماء الأمة، وعادة ما يكون الحسد بسبب مكانة العالم ومنزلته بين الناس ومحبة العالمين له، أو بسبب جراءته في الحق والصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي صفات غالبًا ما تكون في العلماء الربانيين، ولكن أن يحسد العالم بسبب نجابة تلاميذه والتفوق العلمي لهم، فهذا هو العجب حقًا، ومما يؤرخ له في مقامنا هذا.

10o1w28.jpg


التعريف به:

هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه، شيخ الإسلام، إمام الأئمة، أحد أركان السنة، أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري الشافعي، صاحب التصانيف الهامة، وُلد سنة 223هـ، وأخذ في طلب العلم في حداثته، فاعتنى بسماع الحديث والفقه وتضلع فيهما، حتى صار يضرب به المثل في سعة العلم والإتقان، وقد شرب ماء زمزم في حجه بنية العلم النافع، فكان الله - عز وجل - قد فتح على قلبه وفهمه ينابيع العلم والحكمة، فكان من أفراد العالم ذكاءً وفهمًا، مع زهد وعزوف عن الدنيا وزينتها، لا يدخر شيئًا، كل ما يملكه ينفقه على أهل العلم، حتى أنه لم يكن يميز بين العشرة والعشرين، ربما دفع العشرة على أنها خمسة.

10o1w28.jpg

ثناء الناس عليه:

كان ابن خزيمة درة زمانه في العلم والفقه والزهد والورع، لذلك كان كلمة إجماع لم يختلف عليه أحد، بل الجميع القاصي والداني مقر بفضله معترف بمكانته وقدره، وهذه طائفة من ثناء الناس عليه:

ـ قال الحافظ أبو علي النيسابوري: لم أر أحدًا مثل ابن خزيمة، وهو يقول مثل هذا وقد رأى الإمام النسائي صاحب السنن.

ـ قال ابن حبان البستي: ما رأيت على وجه الأرض من يحفظ صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها، حتى كأن السنن كلها بين عينيه إلا ابن خزيمة فقط.

ـ قال الدارقطني: كان ابن زخيمة إمامًا ثبتًا معدوم النظير.

ـ قال الإمام ابن سريج: ابن خزيمة يستخرج النكت من حديث رسول الله بالمنقاش.

ـ قال أبو عثمان الحيري: إن الله ليدفع البلاء عن أهل هذه المدينة ـ يقصد نيسابور ـ لمكان أبي بكر بن خزيمة.

ـ سئل إمام الجرح والتعديل ابن أبي حاتم عن ابن خزيمة فقال لمن سألوه: ويحكم هو يسأل عنا ولا نسأل عنه، هو إمام يقتدى به.

مصنفاته:

لابن خزيمة مصنفات تزيد على مائة وأربعين كتابًا سوى المسائل الفقهية وهي تزيد وحدها على مائة جزء، ويعتبر ابن خزيمة واحدًا من أهم منظري العقيدة الصحيحة عقيدة السلف الصالح، وله كتاب «التوحيد» من أشهر كتب العقيدة السلفية في القرن الثالث الهجري، أطلق فيه عبارات قوية وحاسمة فيما يتعلق بالمذاهب المخالفة لعقيدة السلف، منها قوله السائر: من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر حلال الدم وكان ماله فيئًا، وقال: القرآن كلام الله - تعالى -ومن قال إنه مخلوق فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل ولا يدفن في مقابر المسلمين.

10o1w28.jpg


مـحنتـه:

كان لابن خزيمة عظمة في النفوس وجلالة في القلوب لعلمه ودينه واتباعه للسنة، وبلغ الإمام رتبة الاجتهاد وتفرد على أهل زمانه وتقدمهم في السن والعلم، وكان له أصحاب وتلاميذ صاروا في حياته نجوم عصرهم وأئمة كبارًا يشد إلى حلقهم الرحال، ولعل ذلك سبب تسمية ابن خزيمة بإمام الأئمة، ومن هؤلاء الأصحاب الأئمة: أبو علي الثقفي وهو أول من حمل علوم الشافعي ودقائق ابن سريج إلى خراسان، وأبو بكر الصبغي خليفة ابن خزيمة في الفتوى وأحسن الجماعة تصنيفًا وأحسنهم سياسة في مجالس السلاطين، وأبو بكر بن أبي عثمان وهو أكثرهم جمعًا للعلوم ورحلة له وهو شيخ المجاهدين، وأبو محمد يحيى بن منصور وكان من أصلح الناس للقضاء.

وتبدأ فصول محنة ابن خزيمة عندما ورد إلى نيسابور رجل معتزلي فاسد العقيدة والطوية أيضًا اسمه منصور الطوسي، وأخذ هذا الرجل في حضور مجالس ابن خزيمة لسماع آرائه وأقواله في العقيدة، فلما عاين ما عاين من الأربعة الذين سميناهم داخله الحسد وأكل قلبه الغل، وأخذ يخطط من أجل إيقاع الفرقة بين الإمام وأصحابه، واجتمع مع رجل على شاكلته هو أبو عبد الرحمن الواعظ القدري المعتزلي، واتفقا على تفاصيل المؤامرة وعلى بث الوشايات الكاذبة عند الإمام ابن خزيمة بحق أصحابه، واتهامهم بالخوض في باب العقائد، وأنهم على مذهب الكلابية [منسوب لابن سعيد بن كلاب]، وبالفعل أخذ الرجلان في الكلام بحق هؤلاء الأئمة عند أستاذهم ابن خزيمة.

وحدث ذات مرة أن تكلم أبو علي الثقفي عن مسألة كلام الله بعد أن ثار خلاف بشأنها في إحدى حلق العلم، وكان ابن خزيمة ينهي أصحابه عن هذه المسألة تحديدًا وعن الخوض في الكلام عمومًا، فانتهز منصور الطوسي الفرصة وأسرع إلى الشيخ ابن خزيمة وقال له: ألم أقل للشيخ: إن هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية؟ فجمع ابن خزيمة أصحابه وقال لهم: ألم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام؟ ولم يزدهم على هذا ذلك اليوم.

لم يزل الطوسي يروح ويجول بفريته على مسامع الشيخ ابن خزيمة حتى جرَّأه على أصحابه واستحكمت الوحشة بين الشيخ وتلاميذه، وزادت الأمور سوءًا بتدخل بعض الأطراف الخارجية حتى وصل الحال بابن خزيمة ـ وكان قد جاوز الثمانين من العمر وضجر وضاق صدره ـ بأن أعلن في محضر من طلاب العلم بأن أصحابه الأربعة كذبة، وأنه محرم على كل طالب علم أن يقبل منهم شيئًا يروونه عن ابن خزيمة، وما هم بكذبة بل أئمة أثبات، ولكنه فعل الطوسي المنحرف الذي سعى بالنميمة والكذب، حتى انحرف الشيخ عن أقرب وأخص أصحابه.

اغتنم الطوسي وأبو عبد الرحمن القدري الفتنة في نشر مذهبهما في الاعتزال ووجدا من بعض الحسدة مثل البردعي وأبي بكر بن علي من يساعدهما على تأجيج الفتنة، فانتصب الحافظ أبو عمرو الحيري للصلح بين الجماعة، وشرح لابن خزيمة غرض المعتزلة في فساد الحال حتى استطاع أن يجمع بين الشيخ وأصحابه في مجلس وأصلح بينهم، وكتب الأصحاب عقيدتهم في محضر ووقع ابن خزيمة عليه بالصحة والسلامة، وأودع المحضر عند الحافظ الحيري حتى لا يبقى لمتقول كلام.

لم يكد ينقضي يوم واحد على الصلح وكتابة المحضر حتى أسرع الطوسي ومن على شاكلته من المعتزلة إلى الشيخ ابن خزيمة، وقالوا له: إنهم قد غدروا بك وغيروا من كلام المحضر ليوافق عقيدتهم عقيدة ابن كلاب، فغضب ابن خزيمة بشدة، وكما قلنا إنه كان شيخًا كبيرًا جاوز الثمانين، فأرسل إلى أبي عمرو الحيري يطلب المحضر للتأكد من صحة الخبر، فرفض الحيري، فقوي ظن ابن خزيمة بأنهم قد غدروا به وغيروا كلامه في المحضر، فظل ساخطًا مقاطعًا لأصحابه وتلاميذه الأئمة حتى مات بعد ذلك بقليل.

وهكذا نرى كيف أن أصحاب العقائد الباطلة والمذاهب الفاسدة كانوا وما زالوا يلعبون دورًا خطيرًا في فساد ذات البين وفي محن العلماء الربانيين، وأي محنة أشد على العالم من أن يقاطع تلاميذه ويعادي أخص أصحابه الذين كانوا مصدر فخره وأحد أسباب شهرته والله أعلم بالعاقبة.


1zu0jp.jpg

17btrd.jpg

 

B.k.Hamza

كبار الشخصيات
إنضم
17 أوت 2008
المشاركات
5.271
مستوى التفاعل
28.896
الإمام الطبري

10o1w28.jpg


التعصب من الأمراض المزمنة التي ضربت جسد الأمة الإسلامية، وهو داء موروث من أيام الجاهلية الأولى، قد ذر قرنه الحاد في جنبات الأمة، وأخذ أشكالاً عديدة أشدها التعصب المذهبي، والذي تسبب في إشعال نار صراعات كثيرة بين أتباع المذاهب الفقهية، وفي أتون هذه الصراعات المقيتة راح العديد من فطاحل علماء الأمة، والإمام الطبري واحد من هؤلاء الأعلام.

10o1w28.jpg


التعريف بالإمام:

هو الإمام العلم العلامة، المجتهد المطلق، شيخ الإسلام، وإمام المفسرين ورائد مدرسة التفسير بالأثر، وكبير مؤرخي الأمة الإسلامية، وأكبر علماء الإسلام تصنيفًا وتأليفًا، صاحب التصانيف البديعة؛ أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، ولد سنة 224هـ بمدينة آمل عاصمة إقليم طبرستان، وقد نذره أبوه لطلب العلم، فلما ترعرع وأتم حفظ القرآن وكان حسن الصوت به جدًا، سمح له أبوه بالسفر لطلب العلم، فطاف البلاد ودخل الشام ومصر وأكثر الترحال من مكان لآخر، ولقي نبلاء الرجال وكبار العلماء، حتى صار من أفراد الدهر علمًا وذكاءً وتصنيفًا، بل صار مثل البحر الزاخر بالعلوم المختلفة.

10o1w28.jpg


مكانته العلمية:

يعتبر ابن جرير الطبري من كبار أئمة الإسلام وعلم من أعلام الدين، يحكم بقوله ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من معاصريه، فقد كان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها، صحيحها وسقيمها، وناسخها ومنسوخها، عارفًا بأقوال السلف من الصحابة والتابعين، بصيرًا بأيام الناس وأخبارهم.

قال عنه الذهبي: كان ثقة، صادقًا، حافظًا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، علاّمة في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات وباللغة.

وقال عنه الإسفراييني الفقيه: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصّل تفسير محمد بن جرير لم يكن كثيرًا.

وقال عنه قرينه ورفيقه ابن خزيمة الملقب بإمام الأئمة: ما أعلم على أديم الأرض أعلم من محمد بن جرير.

وقال لأحد طلبة العلم الذين لم يكتبوا عن ابن جرير بسبب المحنة التي تعرض لها قال له: ليتك لم تكتب عن كل من كتب عنهم وكتبت عن محمد بن جرير.

10o1w28.jpg


مصنفاته:

يحتل الإمام ابن جرير الطبري المكانة الأولى في سلم التصنيف لعلماء الأمة، فهو أكثر علماء الإسلام تصنيفًا، ويعتبر رائد علمي التفسير والتاريخ في الإسلام، وعلى منواله نسج من جاء بعده، ولابن جرير مصنفات كثيرة زاخرة بالفوائد الجمة، أشهرها على الإطلاق كتاب «التفسير» الذي لم يصنف مثله، والذي لو ادعى عالم أن يصنف منه عشرة كتب، كل كتاب منها يحتوي على علم مفرد مستقصى لفعل. والذي قال عنه أهل العلم: لو سافر رجل إلى الصين حتى يحصّله لم يكن كثيرًا. وله كتاب «الملوك والرسل» من أنفس كتب التاريخ، والذي افتتح به مدرسة المؤرخين المسلمين وظل كل مؤرخي الإسلام يسيرون على نهجه في التأريخ، وله كتب أخرى مثل «لطيف القول»، و«تاريخ الرجال»، و«اختلاف علماء الأمصار»، و«القراءات والتنزيل والعدد»، وله كتاب «تهذيب الآثار» وهو من عجائب كتبه، ولكنه مات قبل تمامه، وله كتاب «المحاضر والسجلات»، و«ترتيب العلماء»، و«الفضائل»، و«الخفيف في الأحكام».

ولابن جرير كتب هامة ونفيسة في باب العقائد مثل كتاب «التبصير» وهو رسالة منه إلى أهل طبرستان يشرح فيها ما تقلده من أصول الدين على عقيدة السلف الصالح خاصة في باب الصفات، وتفسيره المشهور مشحون في آيات الصفات بأقوال السلف على الإثبات لها، لا على النفي والتأويل.

10o1w28.jpg


أهم صفاته:

لابن جرير الإمام صفات وخصال عظيمة وكثيرة، فلقد كان على طراز علماء الأمة الكبار وعلى نهج حياتهم، ولكنه كان يتميز بعدة أمور لم يشاركه فيها إلا قلائل من أفذاذ العلماء منها:

1ـ زهده: لقد كان ابن جرير شديد الزهد والورع، يرفض بشكل تام وفي كل موطن أن يتكسب بعلمه ويسترزق بما فتح الله عليه من العلوم والفضائل، وظل طول حياته يتقوت بما يرسله له أبوه من قريته بطبرستان، حتى إنه لما تأخرت عليه النفقة ذات مرة، باع بعض ملابسه، وعرض عليه الوزير الخاقاني أموالاً كثيرة ولكنه رفض أخذها بشدة، ورضي أن يعمل بالأجرة في تأديب الصبيان، وذات مرة أراد المكتفي الخليفة أن يحبس وقفًا تجتمع عليه أقاويل العلماء، فأحضر له ابن جرير، فأملى عليهم كتابًا لذلك، فأخرجت له جائزة كبيرة فامتنع من قبولها، فقيل له: تصدق بها، فلم يفعل وقال لهم: أنتم أولى بأموالكم وأعرف بمن تتصدقون عليه.

ولقد عرض عليه منصب القضاء وولاية المظالم عدة مرات ولكنه رفض بشدة على الرغم من كثرة الضغوط حتى من جانب تلاميذه ورفقائه.

2ـ همته: كما قلنا من قبل يعتبر ابن جرير أكثر علماء الإسلام تصنيفًا وتأليفًا، والسر وراء ذلك همته العالية التي تفوق قمم الجبال الشامخات، حتى إنه مكث أربعين سنة يكتب في كل يوم منها أربعين ورقة، وكان يستخير الله - عز وجل - قبل أن يشرع في تأليف أي مصنف، ولم يكن في زمانه ولا بعده ـ على ما أظن ـ من له مثل همته العالية في التحصيل والتأليف، حتى إنه قال لأصحابه: هل تنشطون لتاريخ العالم من آدم إلى وقتنا؟ قالوا: كم قدره؟ قال: نحو ثلاثين ألف ورقة. فقالوا: هذا مما تفنى الأعمار قبل تمامه! فقال: إنا لله! ماتت الهمم، فاختصر ذلك في نحو ثلاثة آلاف ورقة، ولما أن أراد أن يملي التفسير قال لهم نحوًا من ذلك، ثم أملاه على نحو من قدر التاريخ.

3ـ شدته في الحق: حيث كان ممن لا تأخذه في الله لومة لائم مع عظيم ما يلحقه من الأذى والشناعات من جاهل وحاسد وملحد، شديد التمسك بالسنة وأصولها حتى إنه أفتى بقتل من سب الشيخين وقال عنهما إنهما ليسا بإمامي هدى.

10o1w28.jpg


محنته:

كان ابن جرير الطبري من أكبر علماء الوقت، محبوبًا من الجميع، مجمعًا على إمامته بين الناس، من رجالات الكمال، وكلها صفات حميدة وعظيمة تحتاج إليها الأمة، ولكنها عادة ما تجلب لصاحبها الكثير من المتاعب مع الأقران والمتنافسين، والذين تسلل الغيرة إلى قلوبهم تجاه أمثال هؤلاء الأعلام المحبوبين، وهذا هو عين ما وقع للإمام ابن جرير الطبري.

كان المذهب الحنبلي هو المذهب السائد بأرض العراق خلال القرنين الثالث والرابع الهجري، وذلك بفضل صمود الإمام أحمد - رحمه الله - في محنة خلق القرآن وهذا الصمود أعلى من شأن الحنابلة ورفع قدرهم في أعين الناس والعامة، وأقبلوا على تعلم العلم وفقًا للمذهب الحنبلي، حتى أصبح الحنابلة أغلبية بأرض العراق، وكان رأس الحنابلة بالعراق الإمام أبا بكر محمد بن الحافظ أبي داود صاحب السنن، وكانت بينه وبين الإمام ابن جرير الطبري مشاحنات وخلافات، وكلاهما لا ينصف الآخر، ووقع بينهما ما يقع بين الأقران في كل عصر ومكان، ولو وقف الخلاف بين الرجلين عند هذا الحد لكان الأمر هينًا يسيرًا، لتوافر أمثال هذه الخلافات في كل عصر، ولكن هذا الخلاف قد أخذ منحنى جديدًا حتى تحول إلى محنة كبيرة للإمام ابن جرير الطبري.

ذلك أن الحنابلة حزب أبي بكر بن أبي داود قد دفعهم التعصب المذهبي المقيت لأن يشنعوا على ابن جرير ويشيعوا عليه الأكاذيب والأباطيل الذي هو منها براء، بل هو من أبعد الناس عما اتهموه به؛ ذلك أن الحنابلة قد أشاعوا على الإمام الطبري أنه من الروافض، ورموه بالتشيع والإمامية، وشعبوا عليه بشدة، وصدقهم كثير ممن لا عقول لهم إلا في آذانهم، وكان سبب هذا الرواج وانتشار هذه الشناعات عدة أمور منها:

1ـ جمع ابن جرير الطبري لطرق حديث «غدير خم» وذلك في أربعة أجزاء باهرة تدل على سعة علمه ومروياته، وهو الحديث الشهير ((من كنت مولاه، فعلي مولاه...)) وهو الحديث العمدة عند جميع طوائف الشيعة والذين يستدلون به على أحقية علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وبنيه في الخلافة، وهو حديث صحيح لا شك فيه، ولكن لا دلالة فيه على أحقية علي - رضي الله عنه - في الخلافة، وتأويله يختلف بالكلية عما ذهب إليه الروافض الجهلة، وكان السبب وراء جمع ابن جرير لطرق هذا الحديث؛ هو قيام أبي بكر بن أبي داود وغيره من علماء الحنابلة بتضعيف هذا الحديث، ومن باب الأمانة العلمية وليس من باب الميل للتشيع أو التأثر به قام الإمام الطبري بجمع طرق الحديث، وقد أقر أبو بكر بن أبي داود بعد ذلك بصحة حديث الغدير.

2ـ الأمر الثاني والذي كان سببًا لتصديق كثير من البسطاء والعامة لفرية تشيع الطبري، يرجع إلى وجود عالم من علماء الشيعة الإمامية يحمل نفس الاسم ونفس الكنية وهو أبو جعفر محمد بن جرير بن رستم الطبري، وكان من كبار الروافض، وقد صنف كتبًا كثيرة في ضلالات التشيع مثل كتاب «المسترشد في الإمامة» و«الرواة عن أهل البيت»، وقد أدى هذا التشابه العجيب لخلط الناس بين الرجلين، وشتان ما بينهما، ولقد أحسن الإمام الذهبي - رحمه الله - صنعًا عندما أورد ترجمة الطبري الرافضي مباشرة خلف ترجمة جبل السنة ابن جرير الطبري، حتى لا يختلط الأمر على الناس، وللتمييز بين الرجلين.

3ـ الأمر الثالث هو قيام الإمام ابن جرير الطبري بتأليف كتاب ضخم في اختلاف العلماء، ولم يذكر فيه الإمام أحمد بن حنبل على أساس أنه من كبار المحدثين، فظن الحنابلة أن الطبري قد تعمد ذلك للتقليل من شأن فقه الحنابلة، فشعبوا عليه، وأطلقوا بحقه العظائم والفظائع، ولعل ذلك هو السبب الرئيس في محنة الطبري واضطهاد الحنابلة له.

هذه الأمور وغيرها جعلت فصول المحنة تستحكم، وتضيق حلقاتها على الإمام الطبري؛ فبعد هجمة شرسة من الشناعات والأباطيل والأكاذيب بحق هذا العالم الجليل قام الحنابلة بالتشويش على الطبري في مجالسه، وتنفير الطلبة من مجالسه، ومع ذلك ظل الإمام صابرًا محتسبًا مواظبًا على الدرس لا ينقطع عنه، حتى قام الحنابلة ذات يوم بسبه وشتمه أثناء الدرس، وأقاموه بالقوة من حلقة الدرس ومنعوه من الجلوس للتدريس، وألزموه القعود في بيته.

نقل الطبري دروسه إلى بيته فكان يجتمع مع طلبة العلم في بيته، فأغاظ ذلك الأمر الحنابلة بشدة، فدفعهم التعصب المذهبي المذموم لأبعد دركات الغلو والظلم، حيث قاموا بمحاصرة بيت الطبري ومنعوه من الخروج من بيته، ومنعوا طلاب العلم من الدخول عليه، حتى إن كل طلاب العلم والحديث الذين دخلوا بغداد سنة 309هـ لم يجتمعوا به ولم يرووا عنه شيئًا بسبب طغيان جهلة الحنابلة، ومنهم الإمام حسنيك بن علي دخل بغداد ولم يكتب شيئًا عن الطبري، وعندما علم أستاذه ابن خزيمة ذلك قال لتلميذه «حسنيك»: (ليتك لم تكتب عن كل من كتبت عنهم وسمعت من أبي جعفر، وبئس ما فعلت الحنابلة بحقه).

ظل الطبري حبيسًا في بيته يعاني من الاضطهاد الشديد، ولا يدخل عليه أحد إلا القليل من خاصته، وكان قد جاوز الخامسة والثمانين وأنهكته السنون، ورحلات طلب العلم في شتى بقاع الأرض، وزادت المحنة من آلامه وأوجاعه، والجهلة والمتعصبون لا يردهم شيء، لا مكانة علمية ولا كبر سن، ولا مؤلفات ومصنفات عظيمة في التفسير والتاريخ وغيرهما، وظل الجهلة محاصرين لبيت الطبري حتى حان وقت الرحيل في شوال سنة 309هـ، وقد ظل الطبري يردد الشهادة قبل موته عدة مرات، ثم مسح يده على وجهه وغمض بصره بيده، وبسطها وقد فارقت روحه الحياة.

وبلغت المحنة أوجها ووصل التعصب إلى ذروته، وظل الحنابلة على حصارهم لبيت الطبري حتى بعد أن بلغهم خبر وفاته، مما دفع أصحاب الطبري لأن يدفنوه في صحن داره برحبة يعقوب ببغداد، ولم يخرج الطبري من حصاره حتى بعد موته، ولكن هذا الحصار والتعصب المقيت لم يمنع الناس أن يأتوا إلى بيته للصلاة عليه حتى إن الناس ظلوا عدة شهور يصلون على قبره ليلاً ونهارًا.

رحل الطبري عن دنيانا الفانية محاصرًا مظلومًا مضطهدًا من الجهلة والمتعصبين، وراح ضحية محنة مقيتة، وإن كان خصومه قد نالوا من دنياه، فإنه ولا شك قد نال من آخرتهم، وقد رفع الله - عز وجل - ذكره بين الناس وقام له سوق الثناء والفضل والدعاء ولم ينفض، في حين باء الجهلة والمتعصبون بالخسران والنكران في الدنيا والآخرة.

1693go3.jpg


1zu0jp.jpg

17btrd.jpg


إنشاء الله

 
أعلى