التحذير من الغلو ومرادفاته

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏30 أفريل 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      30-04-2007 00:37
    :besmellah2:

    التحذير من الغلو ومرادفاته

    الشيخ/ بدر بن ناصر البدر


    دين الإسلام دين الوسطية والاعتدال، وأمة الإسلام وسط بين الأمم(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ) ( البقرة : 143 ) وقد حارب الإسلام الغلو بكل صوره واتجاهاته ، وسنتناول في هذا المقال الحديث عن تعريف الغلو ومرادفاته.

    الغلو في اللغة :

    تدور الأحرف الأصلية لهذه الكلمة ومشتقاتها على معنى واحد ، يدل على : مجاوزة الحد والقدر .
    قال ابن فارس ( الغين واللام والحرف المعتل : أصل صحيح يدل على ارتفاع ومجاوزة قدر ، يقال : غلا السعر يغلو غلاءً ، وذلك ارتفاعه ، وغلا الرجل في الأمر غلواً إذا جاوز حده )(1).
    وقال الجوهري ( وغلا في الأمر يغلو غلواً ، أي : جاوز فيه الحد )(2).
    وقال ابن منظور (وأَصلُ الغَلاء الارتفاعُ ومُـجاوَزة القَدْرِ فـي كلِّ شيء , وغلا في الدين والأمر يغلو غلواً: جاوز حده )(3).

    الغلو في الاصطلاح :

    اجتهد العلماء في وضع تعريف للغلو في عبارات موجزة ، مرتبطة بأصله اللغوي ، ومن تلك التعريفات :
    - قال الراغب ( الغلو : تجاوز الحد ، يقال ذلك إذا كان في السعر غلاء ، وإذا كان في القدر والمنزلة غلو )(4).
    - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ( الغلو : مجاوزة الحد، بأن يزاد في الشيء في حمده أو ذمه على ما يستحق ونحو ذلك )(5).
    - قال السمين ( قيل معناه : لا تجاوزوا فيه القدر الذي حد لكم ، وأصل الغلو المجاوزة للشيء والزيادة، وقيل معناه : لا تشددوا على الناس فتنفروهم )(6).
    - قال الحافظ ابن حجر ( المبالغة في الشيء والتشديد فيه بتجاوز الحد )(7) .
    - قال السيوطي ( الغلو : الإفراط ومجاوزة الحد ، ومنه غلا السعر )(8) .
    وضابط الغلو هو: تعدي ما أمر الله به وهو الطغيان الذي نهى الله عنه في قوله : (ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي)[ طه:81](9)، والخير كل الخير في التوسط والتوازن بين الغلو والتقصير أو بين الإفراط والتفريط أو بين الطغيان والإخسار على حد تعبير القرآن الكريم ، قال تعالى : (والسماء رفعها ووضع الميزان، ألا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان) [ الرحمن : 7–9] .
    والطغيان هو : تجاوز حد الوسط إلى جانب الغلو والإفراط ، والإخسار هو : تجاوزه إلى جانب التقصير والتفريط .
    ويتضح من تعريفات العلماء السابقة بأن الغلو في ميزان الشرع هو مجاوزة الحد في الأمر المشروع ، وذلك بالزيادة فيه أو المبالغة إلى الحد الذي يخرجه عن الوصف الذي أراده الشارع الحكيم العليم الخبير ، وذلك لأن الحق واسطة بين الإفراط والتفريط .
    قال عمر بن عبد العزيز في كتاب أرسله إلى رجل يسأله عن القدر: ( وقد قصّر قوم دونهم – أي دون الصحابة – فجفوا ، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم )(10).
    وقال الحسن البصري ( سننكم – والله الذي لا إله إلاّ هو – بينهما بين الغالي والجافى )(11).
    وقال ابن القيم ( ما أمر الله بأمر إلاّ وللشيطان فيه نزعتان : إما إلى تفريط وإضاعة ، وإما إلى إفراط وغلو ، ودين الله وسط بين الجافي عنه والغالي فيه ، كالوادي بين جبلين ، والهدى بين ضلالتين ، والوسط بين طرفين ذميمين ، فكما أن الجافي عن الأمر مضيع له ، فالغالي فيه مضيع له ، هذا بتقصيره عن الحد ، وهذا بتجاوزه )(12) .
    والغلو في الدين آفة قديمة ابتليت بها الأمم من قبلنا كما بليت بها هذه الأمة منذ فجر الإسلام .
    وقد وردت نصوص من الذكر الحكيم في غلو أهل الكتاب في دينهم ، والقصد من ذلك هو تحذير هذه الأمة من داء الغلو العضال ، كما حذر النبي ( أمته من ذلك في حجة الوداع ليلة جمع ، كما رواه لنا حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عم رسول الله ( : ابن عباس رضي الله عنهما .
    وللأمة المسلمة سمة بارزة هي الوسطية والاعتدال ، قال تعالى : (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا)[البقرة : 143] .
    فمن شاد الدين وغالبه ، فقد خالف مقصد الشارع من التشريع ، كما خرج عن سمة الأمة : العدل والوسطية .
    ومن مرادفاته :
    أولاً : التنطع
    مأخوذ من النّطع ، وهو الغار الأعلى من الفم، ثم استعمل في كل تعمق قولاً أو فعلاً(13)، قال ابن فارس (والتنطع في الكلام التعمق)(14)، وقال الجوهري (وتنطع في الكلام أي : تعمق فيه)(15) , وقال ابن منظور (والتنطع في الكلام التعمق فيه ... المتنطعون هم المتعمقون المغالون في الكلام)(16) .
    وفي الاصطلاح : هو التكلف المؤدي إلى الخروج عن السنة, وهو داء لا دواء له إلا بتركك إياه برمته(17). وقد روى مسلم عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي ( قال ( هلك المتنطعون ) , قالها ثلاثاً , قال النووي في شرحه للحديث ( أي : المتعمقون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم)(18).
    والملاحظ أن النبي ( قد استعمل هنا لفظة ( الهلاك ) كما استعملها في حديث النهي عن الغلو , مما يدل على أن معنى التنطع قريب من معاني الغلو , وفيه إشارة أيضاً إلى عاقبة الغلاة والمتنطعين في أمور الدين , وكفى بهذا زجراً وترهيباً .
    وقد يكون التنطع بمعنى التعنت في السؤال عن عويص المسائل التي يندر وقوعها حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتى بالإذن ، وقد نبه القرآن الكريم على هذا الأمر ، فقال تعالى :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ) (المائدة : 101) فالآيات والأحاديث السابقة تهدف جميعها إلى اتباع منهج التسهيل والتخفيف والبعد عن التنطع والتدقيق في فروع المسائل والقضايا حتى لا يتم تجاوز اليسر إلى العسر والخروج من السعة إلى الحرج الذي نفاه الله في قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ ) ( الحج , 78 )، ومما لا ريب فيه أن سلوك مسلك التنطع يدفع إلى التشدد في الأمور الصغيرة والضيق بكل مخالف فيها عكس ما تجلبه السماحة واليسر من أسباب الوفاق والوئام.
    قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:(إياكم والتبدع، وإياكم والتنطع، وإياكم والتعمق، وعليكم بالدين العتيق)(19).
    قال ابن حجر: وفيه التحذير من الغلو في الديانة، والتنطع في العبادة، بالحمل على النفس فيما لم يأذن فيه الشرع، وقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة(20).

    ثانياً : التعمق

    قال الجوهري ( وعمّق النظر في الأمور تعميقاً , وتعمق في كلامه أي : تنطع )(21)، وقال ابن منظور (المتعمق : المبالغ في الأمر المتشدد فيه، الذي يطلب أقصى غايته )(22)، وقال ابن الأثير ( المتعمق : المبالغ في الأمر المتشدد فيه، الذي يطلب أقصى غايته )(23)، وقال الحافظ ابن حجر (المبالغة في تكلف ما لم يكلف به )(24)، ( التعمق : التشديد في الأمر حتى يتجاوز الحد فيه )(25) .
    وقد سمى النبي – صلى الله عليه وسلم – المتشددين في الدين بالمتعمقين، فقد روى البخاري في صحيحه عن أنس – رضي الله عنه – قال: واصل النبي – صلى الله عليه وسلم – آخر الشهر، وواصل أناس من الناس، فبلغ النبي – صلى الله عليه وسلم – فقال (لو مد بي الشهر لواصلت وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إني لست مثلكم ، إني أظل يطعمني ربي ويسقيني)(26).
    وفي مصنف عبدالرزاق عن ابن سيرين عن عبيدة قال: مر النبي – صلى الله عليه وسلم –عليهم فلم يردوا عليه، أو قال: فلم يتكلموا، فسأل عنهم، فقيل: نذروا أو حلفوا ألا يتكلموا اليوم، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم –:(هلك المتعمقون)، يعني: المتنطعين(27).
    قال صاحب عون المعبود (هلك المتنطعون) أي: المتعمقون، الغالون، المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم، قاله النووي . قال الخطابي: المتنطع المتعمق في الشيء، المتكلف للبحث عنه على مذاهب أهل الكلام الداخلين فيما لا يعنيهم الخائضين فيما لا تبلغه عقولهم )(28) .
    قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:(إياكم والتبدع، وإياكم والتنطع، وإياكم والتعمق، وعليكم بالدين العتيق)(29).

    ثالثاً : التشدد

    قال الجوهري ( التشديد خلاف التخفيف )(30)، وهو نزوع إلى ما يناقض التخفيف والتيسير .
    عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( لن يشاد الدين أحد إلا غلبه )(31)، قال ابن الأثير ( أي : يقاويه ويقاومه، ويكلف نفسه من العبادة فيه فوق طاقته، والمشاددة المغالبة )(32)، وقال الحافظ ابن حجر ( والمعنى : لا يتعمق أحد في الأعمال الدينية ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيغلب، قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوة ، فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة ، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال ، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل )(33).
    وقد أنكر القرآن الكريم على أصحاب نزعة التشديد والتضييق على النفس في تحريم الطيبـات والزينة التي أخرج الله لعباده ، فقال تعالى :(يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المُسْرِفِينَ * قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق) (الأعراف 31- 32 ) وقال تعالى (َا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ المُعْتَدِينَ ) (المائدة 87) .
    وفي السنة النبوية الشريفة نجد أن الرسول (قاوم كل اتجاه ينزع إلى التشديد ويميل إلى الغلو في التدين ، فأنكر عليه الصلاة والسلام على من بالغ من أصحابه في التقشف والتعبد مبالغة تخرجه عن حد الاعتدال والتوسط الذي هو منهج الإسلام القويم ، ففي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها ( أن ناسا من أصحاب رسول الله ( سألوا أزواج النبي ( عن عمله في السر فكأنهم تقالوها (أي عدوها قليلة) فقال بعضهم : لا آكل اللحم.. وقال بعضهم : لا أتزوج النساء ، وقال بعضهم الآخر : لاأنام على فراش ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما بال قوم يقول أحدهم كذا وكذا ، لكني أصوم وأفطر وأنام وأقوم وآكل اللحم وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني )(34).
    فإذا كان بعض الصحابة قد بالغ في العبادة وتشدد في الإعراض عن الدنيا فإن التوجيه النبوي واضح في التنبيه والتحذير من عدم التوازن والاعتدال في فهم الدين وتطبيقه ، والغلو والتشدد في معاملة النفس والأهل والناس .

    رابعاً : التعنت

    قال الجوهري ( العنت : الإثم والوقوع في أمر شاق )(35)، وقال ابن منظور (العنت : دخول المشقة على الإنسان ، ولقاء الشدة )(36), وقال صاحب إعانة الطالبين (التعنت: أي التشدد )(37)، وقال ابن الأثير ( العنت : المشقة والفساد والهلاك )(38)، فالتشدد والتعنت بمعنى واحد .
    ومنه قوله تعالى (ولو شاء الله لأعنتكم ) أي : ولو شاء الله لضيق عليكم وأحرجكم وشدد عليكم ، ولكنه وسع عليكم وخفف عنكم وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، قال ابن عباس رضي الله عنهما ( يقول : ولو شاء الله لأحرجكم فضيق عليكم ، ولكنه وسع ويسر )(39)، وقال قتادة ( يقول : لجهدكم فلم تقوموا بحق ولم تؤدوا فريضة )(40)، وعن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن الله لم يبعثني مُعَنتاً ولا متعنتاً ، ولكن بعثني معلماً ميسراً )(41).

    خامساً : التطرف

    التطّرف تفعَّل – بتشديد العين – من طرف يطرف طَرَفاً بالتحريك، وهو الأخذ بأحد الطرفين والميل لهما : إما الطرف الأدنى أو الأقصى(42)، ومنه أطلقوه على الناحية وطائفة الشيء.
    قال ابن فارس:( الطاء والراء والفاء أصلان، فالأول يدل على حد الشيء وحرفه، والثاني: يدل على حركة فيه)(43)، وقال الجصاص ( طرف الشيء إما أن يكون ابتداءه ونهايته ، ويبعد أن يكون ما قرب من الوسط طرفا)(44)، إن التطرف في اللغة - كما سبق - معناه : الوقوف في الطرف بعيداً عن الوسط ، وأصله في الحسيات كالتطرف في الجلوس أو الوقوف أو المشي ، ثم انتقل إلى المعنويات كالتطرف في الدين أو الفكر أو السلوك.
    فالتطرف هو مجاوزة حد الاعتدال والتوسط، ومفهومه في هذه الأزمنة : الغلو في عقيدة أو فكرة أو مذهب أو غيره يختص بجماعة أو حزب أو ما يختص به، ووصف الغلو بالتطرف له وجهه المسوغ له بأخذ أحد الطرفين ، كما قال الأول لا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ
    إن التطرف في جميع الأحوال ظاهرة مرضية تعبر عن حالة غضب واحتقان ، وهو مؤشر على وجود خلل ما في النفس الإنسانية أو في الظروف التي تحيط بتلك النفس ، والإنسان السوي بطبيعته يرفض التطرف ويضيق بالعنف لأن الفطرة السليمة تأبى ذلك وتنفر منه(45).
    وإذا كان مصطلح التطرف لم يرد في القرآن الكريم ولا في السنة النبوية، فقد وردت مصطلحات مرادفة له تحمل الدلالة نفسها وترمي إلى المفهوم نفسه ، ويظهر أن مصطلح (الغلو) هو أكثر تلك المصطلحات تعبيرا عن معنى التطرف، كما أنه أكثر ورودا في النصوص الشرعية وخاصة في السنة النبوية .
    ولما كان التطرف بعيداً عن الوسط ونقيضاً له ، فإن القرآن الكريم نص على خاصية الوسطية لكونها إحدى الخصائص العامة للإسلام وأبرز المعالم الأساسيـــة التي ميز الله - تعالى - بها أمــــة الإسلام عن غيرهــا ، قال تعالى( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً)( البقرة 143 ) فالأمة الإسلامية أمة العدل والاعتدال التي تشهد في الدنيا والآخرة على كل انحراف يمينا أو شمالا عن خط الوسط المستقيم.
    والإسلام يدين جميع أشكال التطرف والمغالاة وحركاتها المتعددة، سواء كانت تحمل اسم الإسلام أو غيره، لأن التطرف ليس من الإسلام في شيء، بل هو مرفوض في الإسلام كلياً في جميع الجوانب، فالإسلام دين وسط، كما يقول تعالى: ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً )، وينهى عن الغلو، كما قال تعالى: ( يا يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ ). وقوله تعالى: ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ ).
    العلاقة بين الغلو والتطرف والإفراط ونحوهما :
    الغلو – في الحقيقة – أعلى مراتب الإفراط في الجملة، فالغلو في الكفن مثلاً هو المغالاة في ثمنه والإفراط فيه .
    والغلو أخصّ من التطرف ؛ إذ إن التطرف هو مجاوزة الحدِّ، والبعد عن التوسط والاعتدال إفراطاً أو تفريطاً ، أو بعبارة أخرى : سلباً أو إيجاباً، زيادة أو نقصاً ، سواء كان غلوا أم لا، إذ العبرة ببلوغ طرفي الأمر، وهو الغلو في قول القائل :
    لا تغلُ في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميمُ
    فالغلو أخص من التطرف باعتبار مجاوزة الحد الطبيعي في الزيادة والنقص ، في حال النقص يسمى غلواً إذا بالغ في النقص، فيقال : غلا في النقص ، كما في قول اليهود جفاءً في حق المسيح ابن مريم عليه السلام . وكذلك في الزيادة إذا بالغ فيها كقول النصارى في المسيح ابن مريم غلواً إنه الله أو ابن الله، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً .
    والتطرف : الانحياز إلى طرفي الأمر، فيشمل الغلو ، لكن الغلو أخص منه في الزيادة والمجاوزة، ليس فقط بمجرد البعد عن الوسط إلى الأطراف ، أو بمعنى آخر: كل غلو فهو تطرف، وليس كل تطرفٍ غلواً(46).

    سادساً : العنف

    مادة ( عنف ) مثلثة العين : بالرفع والفتح والكسر، وهو الشديد في القول والفعل ضد الرفق ، قال ابن منظور ( العنف الخرق بالأمر ، وقلة الرفق به، وهو ضد الرفق.
    عَنُفَ به وعليه يَعنُفُ عنفاً وعنافة ، وأعنفه ، وعنّفه تعنيفاً ، وهو عنيف إذا لم يكن رفيقاً في أمره . واعتنف الأمر : أخذه بعنف ، والتعنيف : التعيير واللوم )(47).
    وقال الفيروز آبادي ( العنف : مثلثة العين ضد الرفق ، عنف ككرم عليه وبه ، وأعنفته أنا وعنّفته تعنيفاً . والعنيف من لا رفق له بركوب الخيل ، والشديد من القول) (48).
    وفي الاصطلاح : الشدة والقسوة ضد الرفق(49)، في القول أو الرأي أو الفعل أو الحال .
    ومنهج الإسلام يقوم على الرفق واللين ، لا على العنف والشدة والغلظة، لأن العنف مفهوم سلبي يرمي إلى انتزاع المطالب بالقوة وإكراه الآخر على التنازل عنها أو الاعتراف بها بوسائط يتكبد خسائر من جراء استعمالها ، وهو أسلوب مرفوض في دين الإسلام والقيم الإنسانية والحضارية، لأنه يُحوّل القوة الفكرية والمادية والمعنوية من طاقة ضرورية للإنسان لبناء ذاته ومجتمعه وحضارته إلى طاقة تدميرية وقوة سلبية.
    بيد أن هذا التعريف للعنف يحتاج إلى مراقبة احترازية ضرورية ، فإن البعض يطلق على الحزم والعدل عنفاً ، وهذا غير صحيح، لأنه والحالة هذه يهدف إلى استعمال القوة لانتزاع الحقوق أو إقرارها على النحو الذي يرفع الظلم والجور ، ويحقق العدل والإنصاف(50) .
    وإذا كان مصطلح ( العنف ) لا ورود له في القرآن بهذا اللفظ فإننا في المقابل نجد أن بعض الأحاديث النبوية تتحدث عن هذا المصطلح في سياق الدعوة إلى نبذه والتحذير منه ، ففي الحديث ( إن الله - عز وجل - لم يبعثني معنفا )(51)، وفي الحديث أيضا ( إن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف )(52).
    وروى البخاري في صحيحه حديث عائشة رضي الله عنها في قصة اليهود لما قالوا : السام عليكم وردت عليهم باللعنة فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ( مهلاً يا عائشة ، عليك بالرفق , وإياك والعنف والفحش )(53).
    وقد بين القرآن الكريم منهـــج الإسلام القائم على الرفق واللين , ونبذ العنف والغلظة والشدة , ومن ذلك المنهج الصحيح الأمثل في الدعوة إلى الله , قال تعالى : (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ) [النحل : 125] .
    والدعوة بالحكمة تعني : الخطاب الذي يقنع العقول بالحجة والبرهان .
    والموعظة الحسنة تعني : الخطاب الذي يستميل النفوس ويؤثر في القلوب رغباً ورهباً .
    والجدال بالتي هي أحسن يعني : الحوار مع المخالفين بأحسن الطرق وأرق الأساليب التي تقربهم ولا تبعدهم ، وتقنعهم ولا تنفرهم .
    ولنا عبر ودروس في دعوة أنبياء الله أقوامهم مما جاء في قصصهم في القرآن الكريم ، فكانوا يبدؤون خطابهم ودعوتهم مع قومهم بـ(يا قوم) إشعاراً منهم بأنهم آحاد وأفراد منهم مع رقة الأسلوب ولين الجانب .
    من ذلك دعوة نوح لقومه، قال تعالى (كذبت قوم نوح المرسلين . إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون . إني لكم رسول أمين . فاتقوا الله وأطيعون . وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ([ الشعراء : 105–109 ] .
    وقال تعالى عن هود عليه السلام : ( و إلى عاد أخاهم هودًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ... ) [ الأعراف : 65 ] .
    وعن صالح : ( وإلى ثمود أخاهم صالحًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ... ) [ الأعراف : 73].
    وعن شعيب : ( وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ... ) [الأعراف:85].
    وفي خطاب أبي الأنبياء خليل الرحمن إبراهيم – عليه السلام – لأبيه في دعوته إلى توحيد الله تعالى والابتعاد عن عبادة الأوثان ، كان معه في غاية الرقة والرأفة واللين والرحمة.
    يقول الله تعالى ( إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئًا . يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لا يأتك فاتبعني أهدك صراطًا سويًا . يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيًا . يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليًا ) [مريم: 42–45] .
    ونموذج آخر من رسل الله عليهم السلام موسى – عليه السلام – مع الطاغية فرعون الذي ادعى الربوبية والألوهية : ( فقال أنا ربكم الأعلى ( [ النازعات : 24 ] , حيث أمره – سبحانه وتعالى – هو وأخاه هارون بتليين القول لفرعون : ( فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى ( [ طه : 42–44 ] ، وأمره تعالى حين ذهب إلى فرعون الطاغية بقوله : ( فقل هل لك إلى أن تزكى . وأهديك إلى ربك فتخشى ( [ النازعات : 18،19 ] .
    ونبي الرحمة المهداة الرؤوف الرحيم ، الذي بعثه الله رحمة للعالمين، يدعو إلى الرفق وينكر العنف في أحاديثه وسيرته ومنهجه في الحياة كلها ، فهو صاحب الخلق العظيم , المتمم لمكارم الأخلاق , ومن تربيته النبوية الكريمة لأصحابه في معاملة الجاهل وعدم تعنيفه ما جاء في حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال : قام أعرابي فبال في المسجد ، فتناوله الناس ، فقال لهم النبي ( : ( دعوه وهر يقوا على بوله سجلاً من ماء ، فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين)(54).
    قال الحافظ ابن حجر في شرحه الحديث السابق ( وفيه الرفق بالجاهل وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف إذا لم يكن ذلك منه عنادا ، ولا سيما إن كان ممن يحتاج إلى استئلافه ، وفيه رأفة النبّي – صلى الله عليه وسلم – وحسن خلقه)(55).
    وكان النبي – صلى الله عليه وسلم – يحب التخفيف والتيسير على الناس ، وينهى عن التعسير والتشديد ، فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أنه عليه الصلاة والسلام قال : ( يسّروا ولا تعسروا ، وبشّروا ولا تنفروا)(56)، وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت : ( ما خيّر رسول الله ( بين أمرين قط إلاّ اختار أيسرهما ما لم يكن إثما ، فان كان ثم ّإثم كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول الله ( لنفسه قط إلاّ أن تنتهك حرمة الله ، فينتقم لله تعالى )(57).
    .
     
  2. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      30-04-2007 00:38
    الهوامش:
    (1) معجم مقاييس اللغة ( باب العين واللام من كتاب الغين ، ج4ص387،388 .
    (2) الصحاح ، ج6ص2448 ، مادة :غلا .
    (3) لسان العرب ، ج15ص131،132 .
    (4) المفردات 364 .
    (5 ) اقتضاء الصراط المستقيم ، ج1ص328، 329 .
    (6) عمدة الحفاظ 3/ 172 .
    (7) فتح الباري ، ج13ص278 ، انظر : المعجم الوسيط مادة (غلا) .
    (8) الإتقان 1/ 135 .
    (9) انظر : الوسطية في القرآن الكريم للدكتور : علي محمد الصلابي ، ص46 .
    (10) رواه الدارمي في سننه ج1ص77 رقم 220 في المقدمة : باب في كراهية أخذ الرأي .
    (11) المصدر السابق .
    (12) مشكلة الغلو ، للدكتور : عبد الرحمن اللويحق ،ج1 ص30 نقلاً عن مدارج السالكين.
    (13) النهاية في غريب الحديث لابن الأثير 5/74.
    (14) معجم مقاييس اللغة 1032 .
    (15) الصحاح 3/ 1291 .
    (16) لسان العرب 8/ 357 .
    (17) إعانة الطالبين (1/104).
    (18) انظر عون المعبود 12/235
    (19) إعلام الموقعين (4/150).
    (20) فتح الباري (12/301).
    (21) الصحاح 4/ 1533 , وانظر : معجم مقاييس اللغة 703 .
    (22) لسان العرب 10/ 271 .
    (23) النهاية في غريب الحديث 3/ 299 .
    (24) فتح الباري 4/ 203 .
    (25) فتح الباري 13/ 278 .
    (26) صحيح البخاري – كتاب التمني – باب ما يجوز من اللو 13/ 225 برقم 7241 .
    (27) مصنف عبدالرزاق ( 8/436).
    (28) عون المعبود (12/235)، شرح النووي على صحيح مسلم (16/220).
    (29) إعلام الموقعين (4/150).
    (30) الصحاح 2/ 493 .
    (31) صحيح البخاري: كتاب الإيمان – باب الدين يسر 1/ 93 برقم 39. ومسلم في صحيحه كتاب المنافقين.
    (32) النهاية في غريب الحديث 2/ 451 , وانظر : لسان العرب 3/ 232 .
    (33) فتح الباري 1/ 94 .
    (34) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب النكاح.
    (35) الصحاح 1/ 258 .
    (36) لسان العرب 2/ 61 .
    (37) إعانة الطالبين (1/10).
    (38) النهاية في غريب الحديث 3/ 306 .
    (39) جامع البيان 3/ 708 , تفسير ابن أبي حاتم 2/ 397 .
    (40) جامع البيان 3/ 708 , الدر المنثور 1/ 256 .
    (41) جزء من حديث رواه مسلم في صحيحه – كتاب الطلاق – باب بيان أن تخييره امرأته لا يكون طلاقاً إلا بالنية 10/ 81 .
    (42) لسان العرب 9/ 216 – 217 .
    (43) معجم مقاييس اللغة (2/90).
    (44) أحكام القرآن (3/250).
    (45) ينظر : , قضايا الإرهاب والعنف والتطرف في ميزان القرآن والسنة 12 ,التطرف في الدين 6- 7 .
    (46) الغلو 22- 23 .
    (47) لسان العرب ،9 / 257،258 .
    (48) القاموس المحيط ، 3/ 178 .
    (49)النهاية لابن الأثير : مادة عنف .
    (50) العنف والديمقراطية ص 26 , قضايا الإرهاب والعنف والتطرف في ميزان القرآن والسنة 10 .
    (51) رواه الإمام احمد في مسنده 3/328 , من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه .
    (52) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب البر والصلة والآداب – باب فضل الرفق 16/ 146 من حديث عائشة رضي الله عنها .
    (53) رواه البخاري في صحيحه ، كتاب الأدب ، باب لم يكن النبي فاحشا ولا متفاحشا , 10/ 452 برقم 6030 .
    (54) رواه البخاري – كتاب الوضوء – باب صب الماء على البول في المسجد 1/ 323 برقم 220 .
    (55) فتح الباري 1/ 325 .
    (56) رواه البخاري – كتاب العلم – باب ما كان النبي ( يتخولهم بالموعظة والعلم كيلا ينفروا 1/163 برقم 69 , رقم الحديث 69 ، مسلم ، رقم الحديث : 1734.
    (57)البخاري - رقم الحديث 3560 ، ومسلم 2327
     
  3. محمد بوبكر

    محمد بوبكر كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏12 جويلية 2006
    المشاركات:
    4.349
    الإعجابات المتلقاة:
    690
      30-04-2007 00:40
    مشكور اخي ................
     
  4. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      30-04-2007 00:41
    العفو أخي......
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...