كلّ يوم آية

الموضوع في 'ارشيف المنتدى الإسلامي' بواسطة AlHawa, بتاريخ ‏7 ماي 2007.

حالة الموضوع:
مغلق
  1. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      07-05-2007 18:26
    :besmellah2:


    ما رأيكم أن يدخل كلّ واحد و يكتب آية من القرآن و يا حبّذا لو ذيّلها بتفسير و عبر!

    كما أرجوا أن لا يثبّت الموضوع حتّى نتنافس في الرّدّ فيه حتّى يبقى من المواضيع الأولى!






    و أكون البادي إن شاء الله



    الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (41 سورة الحج)

    شرح الآية ودلالاتها:

    ذكر الله في هذه الآية علامة من ينصره، وبها يعرف أن من ادعى أنه ينصر الله وينصر دينه، ثم لم يتصف بهذا الوصف فهو كاذب، فقال:

    الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أي: ملّكناهم إياها، وجعلناهم المتسلطين عليها، من غير منازع ينازعهم ولا معارض.

    - أَقَامُوا الصَّلاةَ في أوقاتها وحدودها وأركانها وشروطها في الجمعة والجماعات.

    - وَآتَوُا الزَّكَاةَ التي عليهم خصوصا، وعلى رعيتهم عموما: آتوها أهلها الذين هم أهلها.

    - وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وهذا يشمل كل معروف عرف حسنه شرعا وعقلا من حقوق الله وحقوق الآدميين.

    - وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ أي كل منكر شرعا وعقلا، معروف قبحه.

    والأمر بالشيء والنهي عنه يدخل فيه مالا يتم إلا به.

    فإذا كان المعروف والمنكر يتوقف على تعلم وتعليم، أجبروا الناس على التعلم والتعليم، وإذا كان يتوقف على تأديب مقدر شرعا، أو غير مقدر كأنواع التعزير قاموا بذلك، وإذا كان يتوقف على جعل أناس متصدين له لزم ذلك، ونحو ذلك مما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به.

    ثم أخبر الله أن له عاقبة الأمور جميعا، وقد أخبر أن العاقبة للتقوى.

    فمن ولّاه الله على العباد من الحكام، وقام بأمر الله كانت له العاقبة الحميدة والحالة الرشيدة، ومن تسلط عليهم بالجبروت، وأقام فيهم هوى نفسه، فإنه وإن حصل له ملك موقّت فإن عاقبته غير حميدة، وولايته مشؤومة، وعاقبته مذمومة.


    انظر: تفسير ابن سعدي ص490 (ط. اللويحق)
     
  2. aymenbenrom

    aymenbenrom عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏30 سبتمبر 2006
    المشاركات:
    329
    الإعجابات المتلقاة:
    40
      07-05-2007 21:10
    بسم الله الرحمن الرحيم


    فكرة رائعة وممتازة


    ***********



    قال تعالى وهو أصدق القائلين في الآية الثالثة من سورة النور:

    أعوذ بالله من الشيطان الرجيم

    (الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين)

    صدق الله العظيم



    ***********

    التفسير

    هذا خبر من اللّه تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أومشركة، أي لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك {الزانية لا ينكحها إلا زان} أي عاص بزناه {أو مشرك} لا يعتقد تحريمه، عن ابن عباس رضي اللّه عنه قال: ليس هذا بالكناح إنما هو الجماع لا يزني بها إلا زان أو مشرك (هذا إسناد صحيح عن ابن عباس وقد روي نحو ذلك عن مجاهد وعكرمة والضحاك ومقاتل وسعيد بن جبير)، وقوله تعالى: {وحرم ذلك على المؤمنين} أي تعاطيه والتزوج بالبغايا أو تزويج العفائف بالرجال الفجار، وقال أبو داود الطيالسي عن ابن عباس {وحرم ذلك على المؤمنين} قال: حرم اللّه الزنا على المؤمنين، وقال قتادة ومقاتل بن حيان: حرم اللّه على المؤمنين نكاح البغايا، وهذه الآية كقوله تعالى: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان}، وقوله: {محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان} الآية، ومن ههنا ذهب الإمام أحمد إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب، فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا، وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة، لقوله تعالى: {وحرم ذلك على المؤمنين}. عن عبد اللّه بن عمرو قال: كانت امرأة يقال لها أم مهزول وكانت تسافح، فأراد رجل من أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يتزوجها، فأنزل اللّه عزَّ وجلَّ: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} (رواه النسائي والإمام أحمد). وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان رجل يقال له (مرثد بن أبي مرثد) وكان رجلاً يحمل الأسارى من مكة حتى يأتي بهم المدينة، قال: وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها (عناق) وكانت صديقة له، وأنه واعد رجلاً من أسارى مكة يحمله، قال: فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة، قال: فجاءت عناق فأبصرت سواد ظل تحت الحائط، فلما انتهت إليَّ عرفتني، فقلت: مرثد، فقالت: مرحباً وأهلاً، هلم فبت عندنا الليلة، قال، فقلت: يا عناق حرم اللّه الزنا، فقالت: يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم، قال: فتبعني ثمانية ودخلت الحديقة، فانتهيت إلى غار أو كهف، فدخلت فيه فجاءوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا، فظل بولهم على رأسي، فأعماهم اللّه عني، قال: ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته، وكان ثقيلاً حتى انتهيت إلى الأذخر، ففككت عنه أحبله، فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة، فأتيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقلت: يا رسول اللّه أنكح عناقاً أنكح عناقاً - مرتين؟ - فأمسك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، فلم يرد عليّ شيئاً حتى نزلت {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين}، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم: "يا مرثد الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة فلا تنكحها". (رواه الترمذي والنسائي وأبو داود واللفظ للترمذي).
     
  3. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      08-05-2007 16:24
    جزاك الله أخي في مساندتك و أعذرني و الإخوة أنّي لن أردّ بعد الآن على المشاركات لكي يكون هذا الموضوع جماعيّا

    سورة الفاتحة مكية
    آياتها سبع نزلت بعد المدثر


    بسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7)

    يردد المسلم هذه السورة القصيرة ذات الآيات السبع ، سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة على الحد الأدنى؛ وأكثر من ضعف ذلك إذا هو صلى السنن؛ وإلى غير حد إذا هو رغب في أن يقف بين يدي ربه متنفلاً ، غير الفرائض والسنن . ولا تقوم صلاة بغير هذه السورة لما ورد في الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من حديث عبادة بن الصامت : « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » .
    إن في هذه السورة من كليات العقيدة الإسلامية ، وكليات التصور الإسلامي ، وكليات المشاعر والتوجيهات ، ما يشير إلى طرف من حكمة اختيارها للتكرار في كل ركعة ، وحكمة بطلان كل صلاة لا تذكر فيها . .
    تبدأ السورة : { بسم الله الرحمن الرحيم } . . ومع الخلاف حول البسملة : أهي آية من كل سورة أم هي آية من القرآن تفتتح بها عند القراءة كل سورة ، فإن الأرجح أنها آية من سورة الفاتحة ، وبها تحتسب آياتها سبعاً . وهناك قول بأن المقصود بقوله تعالى : { ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم } هو سورة الفاتحة بوصفها سبع آيات { من المثاني } لأنها يثنى بها وتكرر في الصلاة .
    والبدء باسم الله هو الأدب الذي أوحى الله لنبيه - صلى الله عليه وسلم - في أول ما نزل من القرآن باتفاق ، وهو قوله تعالى : { اقرأ باسم ربك . . . } وهو الذي يتفق مع قاعدة التصور الإسلامي الكبرى من أن الله { هو الأول والآخر والظاهر والباطن } فهو - سبحانه - الموجود الحق الذي يستمد منه كلُّ موجود وجودَه ، ويبدأ منه كل مبدوء بدأه . فباسمه إذن يكون كل ابتداء . وباسمه إذن تكون كل حركة وكل اتجاه .
    ووصفه - سبحانه - في البدء بالرحمن الرحيم ، يستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها . . وهو المختص وحده باجتماع هاتين الصفتين ، كما أنه المختص وحده بصفة الرحمن . فمن الجائز أن يوصف عبد من عباده بأنه رحيم؛ ولكن من الممتنع من الناحية الإيمانية أن يوصف عبد من عباده بأنه رحمن . ومن باب أولى أن تجتمع له الصفتان . . ومهما يختلف في معنى الصفتين : أيتهما تدل على مدى أوسع من الرحمة ، فهذا الاختلاف ليس مما يعنينا تقصيه في هذه الظلال؛ إنما نخلص منه إلى استغراق هاتين الصفتين مجتمعتين لكل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها .
    وإذا كان البدء باسم الله وما ينطوي عليه من توحيد الله وأدب معه يمثل الكلية الأولى في التصور الإسلامي . . فإن استغراق معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها في صفتي { الرحمن الرحيم } يمثل الكلية الثانية في هذا التصور ، ويقرر حقيقة العلاقة بين الله والعباد .
    وعقب البدء باسم الله الرحمن الرحيم يجيء التوجه إلى الله بالحمد ووصفه بالربوبية المطلقة للعالمين : { الحمد لله رب العالمين }
    والحمد لله هو الشعور الذي يفيض به قلب المؤمن بمجرد ذكره لله .. فإن وجوده ابتداء ليس إلا فيضاً من فيوضات النعمة الإلهية التي تستجيش الحمد والثناء . وفي كل لمحة وفي كل لحظة وفي كل خطوة تتوالى آلاء الله وتتواكب وتتجمع ، وتغمر خلائقه كلها وبخاصة هذا الإنسان . . ومن ثم كان الحمد لله ابتداء ، وكان الحمد لله ختاماً قاعدة من قواعد التصور الإسلامي المباشر : { وهو الله لا إله إلا هو ، له الحمد في الأولى والآخرة . . . } ومع هذا يبلغ من فضل الله - سبحانه - وفيضه على عبده المؤمن ، أنه إذا قال : الحمد لله . كتبها له حسنة ترجح كل الموازين . . في سنن ابن ماجه عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثهم أن « عبداً من عباد الله قال : » يا رب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك « . فعضلت الملكين فلم يدريا كيف يكتبانها . فصعدا إلى الله فقالا : يا ربنا ، إن عبداً قد قال مقالة لا ندري كيف نكتبها . قال الله - وهو أعلم بما قال عبده - : » وما الذي قال عبدي؟ « قالا : يا رب ، أنه قال : لك الحمد يا رب كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك . فقال الله لهما : اكتباها كما قال عبدي حتى يلقاني فأجزيه بها » .
    والتوجه إلى الله بالحمد يمثل شعور المؤمن الذي يستجيشه مجرد ذكره لله - كما أسلفنا- أما شطر الآية الأخير : { رب العالمين } فهو يمثل قاعدة التصور الإسلامي ، فالربوبية المطلقة الشاملة هي إحدى كليات العقيدة الإسلامية . . والرب هو المالك المتصرف ، ويطلق في اللغة على السيد وعلى المتصرف للإصلاح والتربية . . والتصرف للإصلاح والتربية يشمل العالمين - أي جميع الخلائق - والله - سبحانه - لم يخلق الكون ثم يتركه هملاً . إنما هو يتصرف فيه بالإصلاح ويرعاه ويربيه . وكل العوالم والخلائق تحفظ وتُتعهد برعاية الله رب العالمين . والصلة بين الخالق والخلائق دائمة ممتدة قائمة في كل وقت وفي كل حالة .
    والربوبية المطلقة هي مفرق الطريق بين وضوح التوحيد الكامل الشامل ، والغبش الذي ينشأ من عدم وضوح هذه الحقيقة بصورتها القاطعة . وكثيراً ما كان الناس يجمعون بين الاعتراف بالله بوصفه الموجد الواحد للكون ، والاعتقاد بتعدد الأرباب الذين يتحكمون في الحياة . ولقد يبدو هذا غريباً مضحكاً . ولكنه كان وما يزال . ولقد حكى لنا القرآن الكريم عن جماعة من المشركين كانوا يقولون عن أربابهم المتفرقة : { ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى } كما قال عن جماعة من أهل الكتاب : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } وكانت عقائد الجاهليات السائدة في الأرض كلها يوم جاء الإسلام ، تعج بالأرباب المختلفة ، بوصفها أرباباً صغاراً تقوم إلى جانب كبير الآلهة كما يزعمون!
    فإطلاق الربوبية في هذه السورة ، وشمول هذه الربوبية للعالمين جميعاً ، هي مفرق الطريق بين النظام والفوضى في العقيدة .لتتجه العوالم كلها إلى رب واحد ، تقر له بالسيادة المطلقة ، وتنفض عن كاهلها زحمة الأرباب المتفرقة ، وعنت الحيرة كذلك بين شتى الأرباب . . ثم ليطمئن ضمير هذه العوالم إلى رعاية الله الدائمة وربوبيته القائمة . وإلى أن هذه الرعاية لا تنقطع أبداً ولا تفتر ولا تغيب ، لا كما كان أرقى تصور فلسفي لأرسطو مثلاً يقول بأن الله أوجد هذا الكون ثم لم يعد يهتم به ، لأن الله أرقى من أن يفكر فيما هو دونه! فهو لا يفكر إلا في ذاته! وأرسطو - وهذا تصوره - هو أكبر الفلاسفة ، وعقله هو أكبر العقول!
    لقد جاء الإسلام وفي العالم ركام من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار . . يختلط فيها الحق بالباطل ، والصحيح بالزائف ، والدين بالخرافة ، والفلسفة بالأسطورة . . والضمير الإنساني تحت هذا الركام الهائل يتخبط في ظلمات وظنون ، ولا يستقر منها على يقين .
    وكان التيه الذي لا قرار فيه ولا يقين ولا نور ، هو ذلك الذي يحيط بتصور البشرية لإلهها ، وصفاته وعلاقته بخلائقه ، ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص .
    ولم يكن مستطاعاً أن يستقر الضمير البشري على قرار في أمر هذا الكون ، وفي أمر نفسه وفي منهج حياته ، قبل أن يستقر على قرار في أمر عقيدته وتصوره لإلهه وصفاته ، وقبل أن ينتهي إلى يقين واضح مستقيم في وسط هذا العماء وهذا التيه وهذا الركام الثقيل .
    ولا يدرك الإنسان ضرورة هذا الاستقرار حتى يطلع على ضخامة هذا الركام ، وحتى يرود هذا التيه من العقائد والتصورات والأساطير والفلسفات والأوهام والأفكار التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري ، والتي أشرنا إلى طرف منها فيما تقدم صغير . ( و سيجيء في استعراض سور القرآن الكثير منها ، مما عالجه القرآن علاجاً وافياً شاملاً كاملاً ) .
    ومن ثم كانت عناية الإسلام الأولى موجهه إلى تحرير أمر العقيدة ، وتحديد التصور الذي يستقر عليه الضمير في أمر الله وصفاته ، وعلاقته بالخلائق ، وعلاقة الخلائق به على وجه القطع واليقين .
    ومن ثم كان التوحيد الكامل الخالص المجرد الشامل ، الذي لا تشوبه شائبة من قريب ولا من بعيد . . هو قاعدة التصور التي جاء بها الإسلام ، وظل يجلوها في الضمير ، ويتتبع فيه كل هاجسة وكل شائبة حول حقيقة التوحيد ، حتى يخلصها من كل غبش . ويدعها مكينة راكزة لا يتطرق إليها وهم في صورة من الصور . . كذلك قال الإسلام كلمة الفصل بمثل هذا الوضوح في صفات الله وبخاصة ما يتعلق منها بالربوبية المطلقة . فقد كان معظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه الفلسفات والعقائد كما تخبط فيه الأوهام والأساطير .
    . مما يتعلق بهذا الأمر الخطير ، العظيم الأثر في الضمير الإنساني . وفي السلوك البشري سواء .
    والذي يراجع الجهد المتطاول الذي بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل في ذات الله وصفاته وعلاقته بمخلوقاته ، هذا الجهد الذي تمثله النصوص القرآنية الكثيرة . . الذي يراجع هذا الجهد المتطاول دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل في ذلك التيه الشامل الذي كانت البشرية كلها تهيم فيه . . قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر ، وإلى كل هذا التدقيق الذي يتتبع كل مسالك الضمير . . ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد المتطاول ، كما تكشف عن مدى عظمة الدور الذي قامت به هذه العقيدة - وتقوم في تحرير الضمير البشري وإعتاقه؛ وإطلاقه من عناء التخبط بين شتى الأرباب وشتى الأوهام والأساطير!
    وإن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها . . كل هذا لا يتجلى للقلب والعقل كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية من العقائد والتصورات ، والأساطير والفلسفات! وبخاصة موضوع الحقيقة الإلهية وعلاقتها بالعالم . . عندئذ تبدو العقيدة الإسلامية رحمة . رحمة حقيقية للقلب والعقل ، رحمة بما فيها من جمال وبساطة ، ووضوح وتناسق ، وقرب وأنس ، وتجاوب مع الفطرة مباشر عميق .
    { الرحمن الرحيم } . . هذه الصفة التي تستغرق كل معاني الرحمة وحالاتها ومجالاتها تتكرر هنا في صلب السورة ، في آية مستقلة ، لتؤكد السمة البارزة في تلك الربوبية الشاملة؛ ولتثبت قوائم الصلة الدائمة بين الرب ومربوبيه . وبين الخالق ومخلوقاته . . إنها صلة الرحمة والرعاية التي تستجيش الحمد والثناء . إنها الصلة التي تقوم على الطمأنينة وتنبض بالمودة ، فالحمد هو الاستجابة الفطرية للرحمة الندية .
    إن الرب الإله في الإسلام لا يطارد عباده مطاردة الخصوم والأعداء كآلهة الأولمب في نزواتها وثوراتها كما تصورها أساطير الإغريق . ولا يدبر لهم المكائد الانتقامية كما تزعم الأساطير المزورة في « العهد القديم » كالذي جاء في أسطورة برج بابل في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين .
    { مالك يوم الدين } . . وهذه تمثل الكلية الضخمة العميقة التأثير في الحياة البشرية كلها ، كلية الاعتقاد بالآخرة . . والملك أقصى درجات الاستيلاء والسيطرة . ويوم الدين هو يوم الجزاء في الآخرة . . وكثيراً ما اعتقد الناس بألوهية الله ، وخلقه للكون أول مرة؛ ولكنهم مع هذا لم يعتقدوا بيوم الجزاء . . والقرآن يقول عن بعض هؤلاء : { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن : الله } ثم يحكي عنهم في موضع آخر : { بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون : هذا شيء عجيب . أإذا متنا وكنا تراباً؟ ذلك رجع بعيد } والاعتقاد بيوم الدين كلية من كليات العقيدة الإسلامية ذات قيمة في تعليق أنظار البشر وقلوبهم بعالم آخر بعد عالم الأرض؛ فلا تستبد بهم ضرورات الأرض . وعندئذ يملكون الاستعلاء على هذه الضرورات . ولا يستبد بهم القلق على تحقيق جزاء سعيهم في عمرهم القصير المحدود ، وفي مجال الأرض المحصور .
    وعندئذ يملكون العمل لوجه الله وانتظار الجزاء حيث يقدره الله ، في الأرض أو في الدار الآخرة سواء ، في طمأنينة لله ، وفي ثقة بالخير ، وفي إصرار على الحق ، وفي سعة وسماحة ويقين . . ومن ثم فإن هذه الكلية تعد مفرق الطريق بين العبودية للنزوات والرغائب ، والطلاقة الإنسانية اللائقة ببني الإنسان . بين الخضوع لتصورات الأرض وقيمها وموازينها والتعلق بالقيم الربانية والاستعلاء على منطق الجاهلية . مفرق الطريق بين الإنسانية في حقيقتها العليا التي أرادها الله الرب لعباده ، والصور المشوهة المنحرفة التي لم يقدر لها الكمال .
    وما تستقيم الحياة البشرية على منهج الله الرفيع ما لم تتحقق هذه الكلية في تصور البشر . وما لم تطمئن قلوبهم إلى أن جزاءهم على الأرض ليس هو نصيبهم الأخير . وما لم يثق الفرد المحدود العمر بأن له حياة أخرى تستحق أن يجاهد لها ، وأن يضحي لنصرة الحق والخير معتمداً على العوض الذي يلقاه فيها . .
    وما يستوي المؤمنون بالآخرة والمنكرون لها في شعور ولا خلق ولا سلوك ولا عمل . فهما صنفان مختلفان من الخلق . وطبيعتان متميزتان لا تلتقيان في الأرض في عمل ولا تلتقيان في الآخرة في جزاء . . وهذا هو مفرق الطريق . .
    { إياك نعبد وإياك نستعين } . . وهذه هي الكلية الاعتقادية التي تنشأ عن الكليات السابقة في السورة . فلا عبادة إلا لله ، ولا استعانة إلا بالله .
    وهنا كذلك مفرق طريق . . مفرق طريق بين التحرر المطلق من كل عبودية ، وبين العبودية المطلقة للعبيد! وهذه الكلية تعلن ميلاد التحرر البشري الكامل الشامل . التحرر من عبودية الأوهام . والتحرر من عبودية النظم ، والتحرر من عبودية الأوضاع . وإذا كان الله وحده هو الذي يُعبد ، والله وحده هو الذي يُستعان ، فقد تخلص الضمير البشري من استذلال النظم والأوضاع والأشخاص ، كما تخلص من استذلال الأساطير والأوهام والخرافات . .
    وهنا يعرض موقف المسلم من القوى الإنسانية ، ومن القوى الطبيعية . .
    فأما القوى الإنسانية - بالقياس إلى المسلم - فهي نوعان : قوة مهتدية ، تؤمن بالله ، وتتبع منهج الله . . . وهذه يجب أن يؤازرها ، ويتعاون معها على الخير والحق والصلاح . . وقوة ضالة لا تتصل بالله ولا تتبع منهجه . وهذه يجب أن يحاربها ويكافحها ويغير عليها .
    ولا يهولن المسلم أن تكون هذه القوة الضالة ضخمة أو عاتية . فهي بضلالها عن مصدرها الأول - قوة الله - تفقد قوتها الحقيقة . تفقد الغذاء الدائم الذي يحفظ لها طاقتها . وذلك كما ينفصل جرم ضخم من نجم ملتهب ، فما يلبث أن ينطفىء ويبرد ويفقد ناره ونوره ، مهما كانت كتلته من الضخامة . على حين تبقى لأية ذرة متصلة بمصدرها المشع قوتها وحرارتها ونورها : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله } غلبتها باتصالها بمصدر القوة الأول ، وباستمدادها من النبع الواحد للقوة وللعزة جميعاً .
    وأما القوى الطبيعية فموقف المسلم منها هو موقف التعرف والصداقة ، لا موقف التخوف والعداء . ذلك أن قوة الإنسان وقوة الطبيعة صادرتان عن إرادة الله ومشيئته ، محكومتان بإرادة الله ومشيئته ، متناسقتان متعاونتان في الحركة والاتجاه .
    إن عقيدة المسلم توحي إليه أن الله ربه قد خلق هذه القوى كلها لتكون له صديقاً مساعداً متعاوناً؛ وأن سبيله إلى كسب هذه الصداقة أن يتأمل فيها . ويتعرف إليها ، ويتعاون وإياها ، ويتجه معها إلى الله ربه وربها . وإذا كانت هذه القوى تؤذيه أحياناً ، فإنما تؤذيه لأنه لم يتدبرها ولم يتعرف إليها ، ولم يهتد إلى الناموس الذي يسيرها .
    ولقد درج الغربيون - ورثة الجاهلية الرومانية - على التعبير عن استخدام قوى الطبيعة بقولهم : « قهر الطبيعة » . . ولهذا التعبير دلالته الظاهرة على نظرة الجاهلية المقطوعة الصلة بالله ، وبروح الكون المستجيب لله . فأما المسلم الموصول القلب بربه الرحمن الرحيم ، الموصول الروح بروح هذا الوجود المسبحة لله رب العالمين . . فيؤمن بأن هنالك علاقة أخرى غير علاقة القهر والجفوة . أنه يعتقد أن الله هو مبدع هذه القوى جميعاً . خلقها كلها وفق ناموس واحد ، لتتعاون على بلوغ الأهداف المقدرة لها بحسب هذا الناموس . وأنه سخرها للإنسان ابتداء ويسر له كشف أسرارها ومعرفة قوانينها . وأن على الإنسان أن يشكر الله كلما هيأ له أن يظفر بمعونة من إحداها . فالله هو الذي يسخرها له ، وليس هو الذي يقهرها : { سخر لكم ما في الأرض جميعاً } وإذن فإن الأوهام لن تملأ حسه تجاه قوى الطبيعة؛ ولن تقوم بينه وبينها المخاوف . . إنه يؤمن بالله وحده ، ويعبد الله وحده ، ويستعين بالله وحده . وهذه القوى من خلق ربه . وهو يتأملها ويألفها ويتعرف أسرارها ، فتبذل له معونتها ، وتكشف له عن أسرارها . فيعيش معها في كون مأنوس صديق ودود . . وما أروع قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو ينظر إلى جبل أُحد : « هذا جبل يحبنا ونحبه » ففي هذه الكلمات كل ما يحمله قلب المسلم الأول محمد - صلى الله عليه وسلم - من ود وألفة وتجاوب ، بينه وبين الطبيعة في أضخم وأخشن مجاليها .
    وبعد تقرير تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي؛ وتقرير الاتجاه إلى الله وحده بالعبادة والاستعانة . . يبدأ في التطبيق العملي لها بالتوجه إلى الله بالدعاء على صورة كلية تناسب جو السورة وطبيعتها :
    { اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالين } . .
    { اهدنا الصراط المستقيم } . . وفقنا إلى معرفة الطريق المستقيم الواصل؛ ووفقنا للاستقامة عليه بعد معرفته . . فالمعرفة والاستقامة كلتاهما ثمرة لهداية الله ورعايته ورحمته . والتوجه إلى الله في هذا الأمر هو ثمرة الاعتقاد بأنه وحده المعين . وهذا الأمر هو أعظم وأول ما يطلب المؤمن من ربه العون فيه .
    فالهداية إلى الطريق المستقيم هي ضمان السعادة في الدنيا والآخرة عن يقين . . وهي في حقيقتها هداية فطرة الإنسان إلى ناموس الله الذي ينسق بين حركة الإنسان وحركة الوجود كله في الاتجاه إلى الله رب العالمين .
    ويكشف عن طبيعة هذا الصراط المستقيم : { صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } . . فهو طريق الذين قسم لهم نعمته . لا طريق الذين غضب عليهم لمعرفتهم الحق ثم حيدتهم عنه . أو الذين ضلوا عن الحق فلم يهتدوا أصلاً إليه . . إنه صراط السعداء المهتدين الواصلين . .
    وبعد فهذه هي السورة المختارة للتكرار في كل صلاة ، والتي لا تصح بدونها صلاة . وفيها على قصرها تلك الكليات الأساسية في التصور الإسلامي؛ وتلك التوجهات الشعورية المنبثقة من ذلك التصور .
    وقد ورد في صحيح مسلم من حديث العلاء بن عبد الرحمن مولى الحرقة عن أبيه ، عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : « يقول الله تعالى : قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين . فنصفها لي ونصفها لعبدي ، ولعبدي ما سأل . . إذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين . قال الله : حمدني عبدي . وإذا قال الرحمن الرحيم . قال الله أثنى عليّ عبدي . فإذا قال : مالك يوم الدين . قال الله : مجدني عبدي . وإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين . قال : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل . فإذا قال : اهدنا الصراط المستقيم . صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين . قال : هذا لعبدي ولعبدي ما سأل » .
    ولعل هذا الحديث الصحيح - بعدما تبين من سياق السورة ما تبين - يكشف عن سر من أسرار اختيار السورة ليرددها المؤمن سبع عشرة مرة في كل يوم وليلة؛ أو ما شاء الله أن يرددها كلما قام يدعوه في الصلاة . .

    من في ظلال القرآن! أنظر الموسوعة الشّاملة
     
  4. slmf

    slmf كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏7 فيفري 2007
    المشاركات:
    2.629
    الإعجابات المتلقاة:
    2.520
      09-05-2007 01:43
    :besmellah1:

    بارك الله فيك

    ولوالديك الخير والبركة

    جازاك الله كل خير
     
  5. slmf

    slmf كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏7 فيفري 2007
    المشاركات:
    2.629
    الإعجابات المتلقاة:
    2.520
      09-05-2007 02:02
    بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

    لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1) وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2) أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَلَّن نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَن نُّسَوِّيَ بَنَانَهُ (4) بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5) يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6) فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9) يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (10) كَلَّا لَا وَزَرَ (11) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12) يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13) بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)

    صدق الله العظيم



    يطوف بيان السورة حول القيامة الكبرى فتنبىء بوقوع يوم القيامة أولا ثم تصفه ببعض أشراطه تارة، و بإجمال ما يجري على الإنسان أخرى، و ينبىء أن المساق إليه يبدأ من يوم الموت، و تختتم بالاحتجاج على القدرة على الإعادة بالقدرة على الابتداء.
    و السورة مكية بشهادة سياق آياتها.
    قوله تعالى: «لا أقسم بيوم القيامة» إقسام بيوم القيامة سواء قيل بكون «لا أقسم» كلمة قسم أو بكون لا زائدة أو نافية على اختلاف الأقوال.
    قوله تعالى: «و لا أقسم بالنفس اللوامة» إقسام ثان على ما يقتضيه السياق و مشاكلة اللفظ فلا يعبأ بما قيل: إنه نفي الأقسام و ليس بقسم، و المراد أقسم بيوم القيامة و لا أقسم بالنفس اللوامة.
    و المراد بالنفس اللوامة نفس المؤمن التي تلومه في الدنيا على المعصية و التثاقل في الطاعة و تنفعه يوم القيامة.
    و قيل: المراد به النفس الإنسانية أعم من المؤمنة الصالحة و الكافرة الفاجرة فإنها تلوم الإنسان يوم القيامة أما الكافرة فإنها تلومه على كفره و فجوره، و أما المؤمنة فإنها تلومه على قلة الطاعة و عدم الاستكثار من الخير.
    و قيل.
    المراد نفس الكافر الذي تلومه يوم القيامة على ما قدمت من كفر و معصية قال تعالى: «و أسروا الندامة لما رأوا العذاب»: يونس 54.
    و لكل من الأقوال وجه.
    و جواب القسم محذوف يدل عليه الآيات التالية، و التقدير ليبعثن، و إنما حذف للدلالة على تفخيم اليوم و عظمة أمره قال تعالى: «ثقلت في السماوات و الأرض لا تأتيكم إلا بغتة»: الأعراف 187 و قال: «إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى»: طه 15 و قال: «عم يتساءلون عن النبإ العظيم»: النبأ: 1.
    قوله تعالى: «أ يحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه» الحسبان الظن، و جمع العظام كناية عن الإحياء بعد الموت، و الاستفهام للتوبيخ، و المعنى ظاهر.
    قوله تعالى: «بلى قادرين على أن نسوي بنانه» أي بلى نجمعها و قادرين» حال من فاعل مدخول بلى المقدر، و البنان أطراف الأصابع و قيل: الأصابع و تسوية البنان تصويرها على ما هي عليها من الصور، و المعنى بلى نجمعها و الحال أنا قادرون على أن نصور بنانه على صورها التي هي عليها بحسب خلقنا الأول.
    و تخصيص البنان بالذكر - لعله - للإشارة إلى عجيب خلقها بما لها من الصور و خصوصيات التركيب و العدد تترتب عليها فوائد جمة لا تكاد تحصى من أنواع القبض و البسط و الأخذ و الرد و سائر الحركات اللطيفة و الأعمال الدقيقة و الصنائع الظريفة التي يمتاز بها الإنسان من سائر الحيوان مضافا إلى ما عليها من الهيئات و الخطوط التي لا يزال ينكشف للإنسان منها سر بعد سر.
    و قيل: المراد بتسوية البنان جعل أصابع اليدين و الرجلين مستوية شيئا واحدا من غير تفريق كخف البعير و حافر الحمار، و المعنى قادرين على أن نجعلها شيئا واحدا فلا يقدر الإنسان حينئذ على ما يقدر عليه مع تعدد الأصابع من فنون الأعمال، و الوجه المتقدم أرجح.
    قوله تعالى: «بل يريد الإنسان ليفجر أمامه» قال الراغب: الفجر شق الشيء شقا واسعا.
    قال: و الفجور شق ستر الديانة يقال: فجر فجورا فهو فاجر و جمعه فجار و فجرة.
    انتهى، و أمام ظرف مكان استعير لمستقبل الزمان، و المراد من فجوره أمامه فجوره مدى عمره و ما دام حيا، و ضمير «أمامه» للإنسان.
    و قوله: «ليفجر أمامه» تعليل ساد مسد معلله و هو التكذيب بالبعث و الإحياء بعد الموت، و «بل» إضراب عن حسبانه عدم البعث و الإحياء بعد الموت.
    و المعنى: أنه لا يحسب أن لن نجمع عظامه بل يريد أن يكذب بالبعث ليفجر مدى عمره إذ لا موجب للإيمان و التقوى لو لم يكن هناك بعث للحساب و الجزاء.
    هذا ما يعطيه السياق في معنى الآية، و لهم وجوه أخر ذكروها في معنى الآية بعيدة لا تلائم السياق أغمضنا عن ذكرها.
    و ذكر الإنسان في الآية من وضع الظاهر موضع الضمير و النكتة فيه زيادة التوبيخ و المبالغة في التقريع، و قد كرر ذلك في الآية و ما يتلوها من الآيات أربع مرات.
    قوله تعالى: «يسأل أيان يوم القيامة» الظاهر أنه بيان لقوله: «بل يريد الإنسان ليفجر أمامه» فيفيد التعليل و أن السائل في مقام التكذيب و السؤال سؤال تكذيب إذ من الواجب على من دعي إلى الإيمان و التقوى، و أنذر بهذا النبإ العظيم مع دلالة الآيات البينة و قيام الحجج القاطعة أن يتخذ حذره و يتجهز بالإيمان و التقوى و يتهيأ للقاء اليوم قريبا كان أو بعيدا فكل ما هو آت قريب لا أن يسأل متى تقوم الساعة؟ و أيان يوم القيامة؟ فليس إلا سؤال مكذب مستهزىء.
    قوله تعالى: «فإذا برق البصر و خسف القمر و جمع الشمس و القمر» ذكر جملة من أشراط الساعة، و بريق البصر تحيره في إبصاره و دهشته، و خسوف القمر زوال نوره.
    قوله تعالى: «يقول الإنسان يومئذ أين المفر» أي أين موضع الفرار، و قوله: «أين المفر» مع ظهور السلطنة الإلهية له و علمه بأن لا مفر و لا فرار يومئذ من باب ظهور ملكاته يومئذ فقد كان في الدنيا يسأل عن المفر إذا وقع في شدة أو هددته مهلكة و ذلك كإنكارهم الشرك يومئذ و حلفهم كذبا قال تعالى: «ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا و الله ربنا ما كنا مشركين»: الأنعام: 23، و قال: «يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم»: المجادلة: 18.
    قوله تعالى: «كلا لا وزر» ردع عن طلبهم المفر، و الوزر الملجأ من جبل أو حصن أو غيرهما، و هو من كلامه تعالى لا من تمام كلام الإنسان.
    قوله تعالى: «إلى ربك يومئذ المستقر» الخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و تقديم «إلى ربك» و هو متعلق بقوله: «المستقر» يفيد الحصر فلا مستقر إلى غيره فلا وزر و لا ملجأ يلتجأ إليه فيمنع عنه.
    و ذلك أن الإنسان سائر إليه تعالى كما قال: «يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه»: الانشقاق: 6 و قال: «إن إلى ربك الرجعى»: العلق: 8 و قال: «و أن إلى ربك المنتهى»: النجم: 42، فهو ملاقي ربه راجع و منته إليه لا حاجب يحجبه عنه و لا مانع يمنعه منه و أما الحجاب الذي يشير إليه قوله: «كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون»: المطففين: 15 فسياق الآيتين يعطي أن المراد به حجاب الحرمان من الكرامة لا حجاب الجهل أو الغيبة.
    و يمكن أن يكون المراد بكون مستقره إليه رجوع أمر ما يستقر فيه من سعادة أو شقاوة و جنة أو نار إلى مشيته تعالى فمن شاء جعله في الجنة و هم المتقون و من شاء جعله في النار و هم المجرمون قال تعالى: «يعذب من يشاء و يغفر لمن يشاء»: المائدة: 40.
    و يمكن أن يراد به أن استقرارهم يومئذ إلى حكمه تعالى فهو النافذ فيهم لا غير قال تعالى: «كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم و إليه ترجعون»: القصص: 88.
    قوله تعالى: «ينبؤا الإنسان يومئذ بما قدم و أخر» المراد بما قدم و أخر ما عمله من حسنة أو سيئة في أول عمره و آخره أو ما قدمه على موته من حسنة أو سيئة و ما أخر من سنة حسنة سنها أو سنة سيئة فيثاب بالحسنات و يعاقب على السيئات.
    و قيل: المراد بما قدم ما عمله من حسنة أو سيئة فيثاب على الأول و يعاقب على الثاني، و بما أخر ما تركه من حسنة أو سيئة فيعاقب على الأول و يثاب على الثاني، و قيل، المراد ما قدم من المعاصي و ما أخر من الطاعات، و قيل، ما قدم من طاعة الله و أخر من حقه فضيعه، و قيل: ما قدم من ماله لنفسه و ما ترك لورثته و هي وجوه ضعيفة بعيدة عن الفهم.
    قوله تعالى: «بل الإنسان على نفسه بصيرة و لو ألقى معاذيره» إضراب عن قوله، «ينبؤا الإنسان» إلخ، و البصيرة رؤية القلب و الإدراك الباطني و إطلاقها على الإنسان من باب زيد عدل أو التقدير الإنسان ذو بصيرة على نفسه.
    و قيل: المراد بالبصيرة الحجة كما في قوله تعالى، «ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات و الأرض بصائر»: إسراء، 102 و الإنسان نفسه حجة على نفسه يومئذ حيث يسأل عن سمعه و بصره و فؤاده و يشهد عليه سمعه و بصره و جلده و يتكلم يداه و رجلاه، قال تعالى: «إن السمع و البصر و الفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا»: إسراء 36، و قال «شهد عليهم سمعهم و أبصارهم و جلودهم»: حم السجدة، 20.
    و قال، «و تكلمنا أيديهم و تشهد أرجلهم»: يس: 65.
    و قوله: «و لو ألقى معاذيره» المعاذير جمع معذرة و هي ذكر موانع تقطع عن الفعل المطلوب، و المعنى هو ذو بصيرة على نفسه و لو جادل عن نفسه و اعتذر بالمعاذير لصرف العذاب عنها.
    و قيل: المعاذير جمع معذار و هو الستر، و المعنى و إن أرخى الستور ليخفي ما عمل فإن نفسه شاهدة عليه و مآل الوجهين واحد.
    بحث روائي​
    في تفسير القمي،: في قوله تعالى: «و لا أقسم بالنفس اللوامة» قال: نفس آدم التي عصت فلامها الله عز و جل.
    أقول: و في انطباقها على الآية خفاء.
    و فيه،: في قوله: «بل يريد الإنسان ليفجر أمامه» قال: يقدم الذنب و يؤخر التوبة و يقول: سوف أتوب.
    و فيه،: في قوله: «فإذا برق البصر» قال: يبرق البصر فلا يقدر أن يطرف.
    و فيه،: في قوله تعالى: «بل الإنسان على نفسه بصيرة - و لو ألقى معاذيره» قال: يعلم ما صنع و إن اعتذر.
    و في الكافي، بإسناده عن عمر بن يزيد قال: إني لأتعشى مع أبي عبد الله (عليه السلام) و تلا هذه الآية «بل الإنسان على نفسه بصيرة و لو ألقى معاذيره، ثم قال: يا أبا حفص ما يصنع الإنسان أن يعتذر إلى الناس بخلاف ما يعلم الله منه؟ إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقول: من أسر سريرة ألبسه الله رداها إن خيرا فخير و إن شرا فشر.
    و في المجمع، و روى العياشي بإسناده عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما يصنع أحدكم أن يظهر حسنا و يستر سيئا؟ أ ليس إذا رجع إلى نفسه يعلم أنه ليس كذلك؟ و الله سبحانه يقول: «بل الإنسان على نفسه بصيرة» إن السريرة إذا صلحت قويت العلانية:. أقول: و رواه في أصول الكافي، بإسناده عن فضل أبي العباس عنه (عليه السلام).
    و فيه، عن العياشي عن زرارة قال، سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ما حد المرض الذي يفطر صاحبه؟ قال، «بل الإنسان على نفسه بصيرة» هو أعلم بما يطيق:. أقول: و رواه في الفقيه، أيضا.
     
  6. slmf

    slmf كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏7 فيفري 2007
    المشاركات:
    2.629
    الإعجابات المتلقاة:
    2.520
  7. slmf

    slmf كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏7 فيفري 2007
    المشاركات:
    2.629
    الإعجابات المتلقاة:
    2.520
      09-05-2007 02:07
  8. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      20-06-2007 16:41
    [​IMG]

    شرح الآية ودلالاتها:

    المراد بالطاغوت هنا: عبادة غير الله.

    وقد استحق المؤمنون هذه البشارة لاجتنابهم عبادة الطاغوت؛ لأن ذلك هو الممدوح، واستحقوها أيضا لإنابتهم إلى الله بعبادته وإخلاص الدين له، وبذلك انصرفت دواعيهم من عبادة الأصنام إلى عبادة الملك العلام، ومن الشرك والمعاصي إلى التوحيد والطاعات. فاستحقوا البشرى التي لا يقدر قدرها ولا يعلم وصفها إلا من أكرمهم بها، وهذا شامل للبشرى:

    في الحياة الدنيا بالثناء الحسن، والرؤيا الصالحة، والعناية الربانية من الله، التي يرون في خلالها أنه مريد لإكرامهم في الدنيا والآخرة.

    ولهم البشرى في الآخرة عند الموت، وفي القبر، وفي القيامة.

    وخاتمة البشرى ما يبشرهم به الرب الكريم من دوام رضوانه وبره وإحسانه، وحلول أمانه في الجنة.


    انظر: تفسير ابن سعدي ص656 (ط. اللويحق)
     
  9. bessem86

    bessem86 عضو فعال

    إنضم إلينا في:
    ‏14 جوان 2007
    المشاركات:
    494
    الإعجابات المتلقاة:
    21
      20-06-2007 21:30
    لا اله الا الله
     
  10. AlHawa

    AlHawa كبار الشخصيات

    إنضم إلينا في:
    ‏31 ديسمبر 2006
    المشاركات:
    5.523
    الإعجابات المتلقاة:
    10.749
      23-06-2007 00:24
    ثمرة الإنابة إلى الله

    [​IMG]

    شرح الآية ودلالاتها:

    جاءت هذه الآية بعد قول الله تعالى: أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (ق /6-7)

    وفي هذا إشارة إلى أن ما في هذا الخلق الباهر من إتقان وشدة وقوة دليل على كمال قدرة الله تعالى.

    وما فيها من الحسن وبديع الصنعة وبديع الخلقة دليل على أن الله أحكم الحاكمين، وأنه بكل شيء عليم.

    وما فيها من المنافع والمصالح للعباد دليل على رحمة الله التي وسعت كل شيء، وجوده الذي عم كل حي.

    وما فيها من عظيم الخلقة وبديع النظام دليل على أن الله تعالى هو الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، ولم يكن له كفوا أحد، وأنه الذي لا تنبغي العبادة والذل والحب إلا له.

    ودلت الآية على أن في النظر في هذه الأشياء تبصرة من عمى الجهل، وتذكر لما ينفع في الدين والدنيا، ولما أخبر الله به وأخبرت به رسله، ولكن ذلك لا يكون إلا ثمرة عن الإنابة إلى الله بالإقبال عليه بالحب والخوف والرجاء وإجابة داعيه، أما المُعرض فما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون .


    انظر: تفسير ابن سعدي ص747 (ط. اللويحق)
     
حالة الموضوع:
مغلق

مشاركة هذه الصفحة

جاري تحميل الصفحة...