أيّها الإنسان.. انظر من حولك وتفكر

NOURI TAREK

كبير مسؤولي منتدى الأخبار الطبية
طاقم الإدارة
إنضم
27 نوفمبر 2008
المشاركات
193.757
مستوى التفاعل
457.531
:besmellah1:





:wlcm:








أيّها الإنسان.. انظر من حولك وتفكر








هذه الرسالة أوجهها إليه.. إلى مَن ذكره الله تعالى في كتابه الكريم ما يربو على خمسين مرة.. هي إلى ذلك المخلوق المكرّم الذي رعاه سبحانه وتعالى منذ كان نظفة من ماء مهين لا حول لها ولا قوة، ثم كان علقة ثم أصبح مضغة.. إلى من كسا الله عظامه لحماً ثم أنشأه بقدرته خلقاً آخر، ووهبه الحياة ورزقه برحمته من حيث لا يحتسب.



إنه أنا وأنت أيّها الإنسان وكل مَن خلقه الله تعالى فجعله بشراً سوياً، وسخر له الكون بما فيه وجعله مع ضعفه قوياً أميراً على مخلوقاته المسخّرة لخدمته وراحته في هذه الحياة الدنيا.



أمَا فكرتَ يوماً أيّها الإنسان لِمَ خُلقتَ وفيمَ خلقت ولماذا خلقت ؟

وأنت بالأمس القريب منذ عدة سنوات هي عمرك لم تكن شيئاً مذكوراً. كما قال تعالى: (هَل أتَى عَلَى الإنسان حينٌ مِّنَ الدّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مّذْكُوراً) (الإنسان/ 1).



خلقك الله تعالى في أحسن صورة، وامتن عليك بذلك فقال: (لَقَدْ خَلَقْنا الإنسانَ في أحْسَنِ تَقْويم) (التين/ 4).

ذاك الإنسان هو آدم عليه السلام وذريته ومنها أنا وأنت، وقد خلق الله الإنسان في أحسن ما يكون في اعتداله واستواء شبابه؛ هو مستوٍ، وله لسان ذلق، ويد وأصابع يقبض بها. خلقه مزيّناً بالعقل، مؤدّياً للأمر، مهديّاً بالتمييز، مديد القامة يتناول مأكوله بيده. خلقه حيّاً عالماً، قادراً مريداً متكلماً، سميعاً بصيراً، مدبّراً حكيماً، فهذا يدلك على أنك أحسنُ خلق الله باطناً وظاهراً، جمال هيئة، وبديع تركيب، الرأس بما فيه، والصدر بما جمعه، والبطن بما حواه، والفرج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه، فليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، ولذلك قال الفلاسفة: إنه هو العالم الأصغر إذ كل ما في المخلوقات جُمِع فيه.



أمَا تفكرتَ يوماً أيّها الإنسان وأنت المخلوق المكرّم المصطفى على سائر المخلوقات لِمَ كل هذا التكريم لك.. أمّا نظرتَ ساعة في هذا الكون الواسع من حولك وتساءلتَ عن سرّ تهيئته وتسخيره لك.. أمَا رأت عيناك من الآيات الباهرات ما يدعوك للإيمان بأن لك ولها إلهاً عظيماً، وموجداً قادراً، وخالقاً حكيماً.. أمّا تجلس كل يوم على مائدته العامرة الممدودة لك ليل نهار تأكل من رزقه وتتمتع بنعمه وتسكن في أرضه.. أمّا قلّبت ناضريك في نفسك لتبصر تلك الحقيقة فتعرف الغاية ويصير لك في حياتك هدف تسعى إليه وغاية تهدف إلى تحقيقها.



إن نداءات القرآن تتوالى إليك آية بعد آية، ونداء إثر نداء؛ لتعرف هذه الغاية التي حللتَ بسببها على الدنيا ضيفاً لأجل مسمى، فأصْغِ سمعك لها وأنصِت لمدلولها.




- الابتلاء بالخير والشر:



فأنت أيّها الإنسان خُلقتَ للابتلاء.. خلقك الله ليكلفك بالعمل بعد الخلق؛ لأن الابتلاء لا يقع إلا بعد تمام الخلقة، وليختبرك بالخير والشر، خلقك لتحمل الأمانة، أمانة الدين فتكون مأموراً بالطاعة ومنهياً عن المعاصي، خلقك ليختبر شكرك في السراء وصبرك في الضراء. ومنحك وسائل المساعدة من سمع تسمع به الهدى وبصر تبصره به وعقل ينظر ويتفكر، وقلب يعي ويؤمن، قال تعالى: (إنّا خَلَقنا الإنسان مِن نُطْفَةٍ أمْشاج نّبْتَليهِ فَجَعَلْناهُ سَميعاً بَصيراً) (الإنسان/ 2).




- حكمة الخلق :



وأنت أيّها الإنسان لم تُخلق سُدى.. ولم تخلق هكذا عبثاً، تعالى الله سبحانه عن ذلك علواً كبيراً، فلم تُترك في هذه الدنيا مهملاً لا تُؤمر ولا تُنهَى، وكذلك لن تترك في قبرك بعد موتك منسياً، بل تُبعث وتحاسَب؛ لذا فأنت مأمور منهيّ في الدنيا، محشور إلى الله في الدار الآخرة. يقول لك خالقك العظيم: (أَيَحْسَبُ الإنسانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) (القيامة/ 36).



ويبين لك الغاية والحكمة من خلقك وتسخير الكون لك فيقول: (وَما خَلَقْتُ الجِنَ والإِنسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات/ 56).




- محاسبة النفس :



وأنت أيها الإنسان مسؤول.. فما الذي غرك يابن آدم بربك الكريم العظيم حتّى أقدمت على معصيته وقابلته بما لا يليق؟ إن الله تعالى يقول لك يوم القيامة: "إبن آدم ما غرك بي؟ إبن آدم ماذا أجبت المرسلين"؟ (الطبراني). ألم يطرق سمعك ذلك النداء الخالد فتؤمن وتتوب وترعوي عما أنت فيه: (يا أيُها الإنسانُ ما غَرّكَ بِرَبّكَ الكريم) (الانفطار/ 6). (يا أيُها الإنسانُ إنَك كادِحٌ إلى ربّكَ كَدْحاً فَمُلاقيهِ) (الانشقاق/ 6).

فأنت في دنياك تعمل عملاً تلقى الله به خيراً كان أو شراً، وإن كدحك هذا لضعيف، فإن استطعتَ أن يكون كدحك في طاعة الله فافعل، و"عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك ملاقيه". لذلك فإن عليك أيُها الإنسان أي تعمل لغدك المقبل يقيناً.. قال تعالى: (يا أيُها الذين آمَنُوا اتّقُوا اللهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مّا قَدّمَتْ لِغَدٍ واتّقُوا اللهَ إنّ اللهَ خَبيرٌ بما تَعْمَلُون) (الحشر/18).



فحاسب نفسك يا مسكين قبل أن تحاسَب، وانظر ماذا ادّخرتَ لها من الأعمال الصالحة ليوم عادك وعرضِك على ربك العظيم، فإنك معتقل بعملك يوم القيامة و(كُلُ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهينَةٌ) (المدثر/ 38).




- أعداء ثلاثة :



وأعداؤك أيُها الإنسان يتربصون بك.. وهم ثلاثة وكفى بهم عدواً، إنهم دنياك وشيطانك ونفسك، فاحترس من الدنيا النفس بترك الشهوات. واظفر بنفسك فمن ظفر بنفسه أفلح ونجا، ومن ظفرت به نفسه خسر وهلك، وجهادها هو الجهاد الأكمل ويقع بمنعها عن المعاصي، ومنعها من الشبهات، ومنعها من الإكثار من الشهوات المباحة، ولذلك قيل إن الناس على قسمين: قسم ظفرت به نفسه فملكته وأهلكته وصار طوعاً لها تحت أوامرها، وقسم ظفروا بنفوسهم فصارت طوعاً لهم منقادة لأوامرهم.



وأقوى المعين على جهادك هذا هو جهاد الشيطان بدفع ما يلقي فيها من الدعوة إلى الكفر والشك والنفاق، ورفض ما يدعوها إليه من الشبهة وتحسين المحرمات. وتمام ذلك من المجاهدة أن تكون متيقظاً لنفسك في جميع أحوالك، فإنه متى غفلتَ استهواك شيطانك ونفسك إلى الوقوع في المنهيات، وأصل مجاهدتها فطمها عن المألوفات وحملها على غير هواها، والنجاة بها إلى شاطئ الأمان؛ حيث برد الإيمان وصدق اليقين وتمام الإخلاص، فاحذر نفسك أيها الإنسان، ولا تكن أول المضيعين لها المفرطين في حقها.




- العودة إلى الفطرة :



أيُها الإنسان.. هيّا إلى الإيمان.. وعُد إلى مَعين الفطرة الصافي.. امتثل أمر ربك وأسلِم له، وعُد إلى أصل فطرتك، فقد وُلدتَ مسلماً، و"إن الله عزّوجلّ خلق آدم وبنيه حنفاء مسلمين" و"كل مولود يولد على الفطرة". فاعلم أنَّهُ لا إلهَ إِلا اللهُ، وآمن بالله واليوم الآخر واعبد ربك الذي خلقك وتوكل عليه، واعمل ليوم البعث والنشور، واعلم أن الإسلام هو الفطرة (فَأقمْ وَجْهَكَ للدّين حَنيفاً فطْرَتَ الله التي فَطَرَ النّاسَ عليها لا تَبْديلَ لخِلْق الله ذلكَ الدّينُ القَيِّمُ وَلَكِنّ أكْثَرَ النّاس لا يَعْلَمُونَ) (الروم/ 30). فهو الدين القيم (فَأَقِمْ وَجْهَكَ للدّين القَيِّمِ مِن قَبْل أن يَأتيَ يُوْمٌ لا مَرَدّ لَهُ مِنَ اللهِ يَوْمَئِذٍ يصّدَعُونَ) (الروم/ 43)، لذا فاعبد ربك وحده لا شريك له، واحذر أن تجعل له شريكاً، وهل يقبل من عاقل أن يعبد غير خالقه وموجده، أو يكفر فيجحد ألوهيته، وهل له أن يطيع غير مالكه، أو يشكر غير رازقه، وهل يحق له أن ينسى المحسن له دوماً، الواهب له نعماً لا تعد ولا تحصى؟! إن هذا لا يكون بحال من إنسان ذي عقل وله إرادة وحرية واختيار، وعنده من وسائل الهدى والإبصار، فمَن كان هذا شأنه وحاله فهو إلى المعرفة أقرب وإلى الإيمان أرجَى. فهلم أيها الإنسان وارفع راية التسليم والإذعان، وامتثل الأمر بلا كبر أو جدال.. قال تعالى: (وَاعْبُدُوا اللهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) (النساء/ 36)، وهذا حق الله عليك وعلى كل إنسان.




- لا تكن هكذا :



لا تكن ظلوماً لنفسك جهولاً بربك، قال تعالى: (إنّا عَرَضْنا الأمانَة على السّماوات والأرْض والجِبال فأبَيْنَ أن يَحْملْنَها وأشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَها الإنسانُ إنّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً) (الأحزاب/ 72)، والأمانة تعم جميع وظائف الدين وهي الفرائض التي ائتمنك الله عليها.



- لا تتجاوز قدرك كعبد ضعيف مملوك وتستكبر على ربك أن أغناك، قال تعالى: (كَلّا إنّ الإنسانَ لَيَطْغَى* أَن رّآهُ اسْتَغْنى) (العلق/ 6- 7).



- احذر أن تكون في عداد الهالكين الذين أقسم الله تعالى على خسارتهم فقال: (والعَصْرِ* إنّ الإنسان لَفي خُسْرٍ) (العلق/ 1- 2).



- لا تكن جاهلاً بحكمة وجودك في الدنيا فما شرفك الله على ملائكته إلا بالعلم، وهو سبحانه (عَلّمَ الإنسانَ ما لَمْ يَعْلَم) (العلق/ 5).



- لا تكن الدنيا أكبر همك فهي دار عناء وكبد ومشقة، قال تعالى: ( لَقَد خَلَقْنا الإنسانَ في كَبَد) (البلد/ 4). فاعمل لراحتك بعد مفارقةً دنيا النصب.



- لا تكن ذلك الإنسان الظلوم لنفسه الكفور بربه لجاحد نعمه، قال تعالى: (إنّ الإنسان لِرَبّه لَكَنُودٌ) (العاديات/ 6)، (.. وَإن تَعُدّوا نِعْمَتَ الله لا تُحْصُوها إنّ الإنسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ) (إبراهيم/ 34).



- لا تكن مغروراً أن أنعم الله تعالى عليك وأنت مقيم على معصيته، واعلم أن ذلك ابتلاء لك وامتحان. قال تعالى: (فَأَمّا الإنسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأكرَمَهُ ونَعّمَهُ فَيَقُولُ رَبّي أكثرَمَنِ) (الفجر/ 15).



- لا تكن عبداً لمصلحتك فتكون كما قال الله تعالى: (وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنسان أعْرَضَ وَنَأَى بجَانبه وَإذا مَسّهُ الشّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَريضٍ) (فصلت/ 51).



- لا تكن من المصطففين فتنسب الفضل لغير أهله، قال عزّوجلّ: (فَإذا مَسّ الإنسانَ ضُرٌ دَعَانا ثُمّ إذا خَوّلْناهُ نعْمَةً مّنّا قالَ إنّمَا أو تيتُهُ عَلَى عِلْم بَلْ هي فِتْنَةٌ وَلكِنّ أكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) (الزمر/ 49).



- لا تكن من الحمقى وتنسى أن الرقابة عليك محكمة ودائمة بنص القرآن الكريم: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أقْرَبُ إلَيْه مِنْ حَبْلِ الوَريدِ) (ق/ 16).



- لا تكن غافلاً عما ينفعك فتتذكر حين لا تنفعك الذكرى (.. يَوْمَئذٍ يَتَذكّرُ الإنسانُ وأنّى لَهُ الذّكْرَى) (الفجر/ 23)، بل اتعظ وتب قبل الممات.









منقول للإفادة
 
أعلى