مقال من مجلة الزيتونة

mansour33

عضو مميز
عضو قيم
إنضم
18 نوفمبر 2007
المشاركات
716
مستوى التفاعل
2.367
:besmellah1:

الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على خير المرسلين, صلى الله عليه و سلم و على آله الطيبين الطاهرين, أمَا بعد, إخوة الإيمان أحييكم بتحية الإسلام : السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.
يسعدني أن أنقل لكم مقالا من مقالات مجلة الزيتونة يتمثل في سؤال و جواب حول رأي ابن عبد البر في خبر الآحاد, الهدف من هذا النقل ليس الخوض في الإجابة عن السؤال بقدر ما أريد أن لفت الأنظار إلى طريقة و منهجية الإجابة الزيتونية, لينتبه الجميع و يحذروا من بعض الأفكار الأحبشية التي قد تلبس ثوبا تونسيا ليُظنَ أنها زيتونية فتغزو المواقع التونسية و لا حول و لاقوة إلا بالله.

السؤال:

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

قال ابن عبد البر في التمهيد في أثناء كلامه عن إفادة خبر الواحد العلم أو العمل: "الذي نقول به أنه يوجب العمل دون العلم كشهادة الشاهدين والأربعة سواء وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات ويعادى ويوالى عليها ويجعلها شرعا ودينا في معتقده على ذلك جماعة أهل السنة ولهم في الأحكام ما ذكرنا وبالله توفيقنا".

ففي صدر الفقرة يذكر "أنه يوجب العمل دون العلم"، ويذكر بعدها ما يعارض كلامه فيقول: " وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات ويعادى ويوالى عليها ويجعلها شرعا ودينا في معتقده".

فهل هناك من تفسير لهذا التعارض، وما هو الرأي الصحيح لابن عبد البر في خبر الآحاد. وجزاكم الله خيرا.



الجواب:

الكاتب: ياسين بن علي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه



بداءة، علينا أن نحرر نقطة ألا وهي: عدم إفادة خبر الآحاد للعلم (القطع أو اليقين) عند ابن عبد البر.

قال في مقدمة التمهيد (ج1 ص8، مطبعة فضالة- المحمدية – المغرب- الطبعة الثانية 1982م): "الذي نقول به: أنه يوجب العمل دون العلم".

وهذه القاعدة أي عدم إفادة خبر الآحاد للعلم، هي التي سار عليها ابن عبد البر في كتابه التمهيد أثناء مناقشته للمسائل الأصولية والفروعية التي تكلم عليها. ومثال ذلك:

قال (ج7 ص17): "فالله أعلم بما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله في السماء إن كان قاله فإن أخبار الآحاد لا يقطع عليها".

وقال (ج7 ص261): "وقد صحت عن النبي صلى الله عليه وسلم في (قل هو الله أحد) أحاديث عدة من جهة نقل الآحاد لا نقطع على عينها".

وقال (ج8 ص292): "وإنما لم تجز القراءة به في الصلاة لأن ما عدا مصحف عثمان فلا يقطع عليه، وإنما يجري مجرى السنن التي نقلها الآحاد، لكن لا يقدم أحد على القطع في رده".

وقال (ج9 ص285): "والذي أقول به في هذا الباب تسليم الأمر لله عز وجل وترك القطع على الله بالشؤم في شيء؛ لأن أخبار الآحاد لا يقطع على عينها، وإنما توجب العمل فقط".

وقال: (ج19 ص24): "والله عز وجل أعلم بالساعة أي الساعات هي؟ لأن أخبار الآحاد لا يقطع على معانيها".

والحاصل، فإنّ رأي ابن عبد البر الذي كرره في أكثر من موضع من كتاب التمهيد (وكذلك من كتاب الاستذكار)، هو أنّ خبر الآحاد عنده لا يفيد العلم والقطع.

ولكن، إذا كان خبر الآحاد لا يفيد القطع عند ابن عبد البر، فهل يعني ذلك أنه يردّه؟ والجواب هو: أنه لا يردّ خبر الآحاد. قال: "الذي نقول به: أنه يوجب العمل دون العلم"، وقال: "أخبار الآحاد لا يقطع على عينها، وإنما توجب العمل فقط".

وبعد أن قرّر ابن عبد البر قاعدة وجوب العمل بخبر الواحد إذا صح، عمّم القاعدة على الأصول والفروع، فلم يفصل بين العمل بها في أبواب العقيدة أو أبواب المعاملات أو أبواب العبادات، فهو إذن يعمل بها في كل أبواب الدّين. ومن هنا قال (في التمهيد، ج1 ص8): "الذي نقول به أنه يوجب العمل دون العلم كشهادة الشاهدين والأربعة سواء، وعلى ذلك أكثر أهل الفقه والأثر، وكلهم يدين بخبر الواحد العدل في الاعتقادات، ويعادى ويوالى عليها ويجعلها شرعا ودينا في معتقده".

وفي هذا المقام نشير إلى نقطتين:

النقطة الأولى: من المعلوم أنّ هناك جملة من الطوائف أنكرت العمل بخبر الآحاد مطلقا، فردت كل الأحاديث التي وردت في وصف الجنة والنار وغير ذلك من المغيّبات. وقد أشار ابن عبد البر إلى هذا في (مقدمة التمهيد، ج1 ص2) بقوله: "وأجمع أهل العلم من أهل الفقه والأثر في جميع الأمصار، فيما علمت، على قبول خبر الواحد العدل وإيجاب العمل به إذا ثبت ولم ينسخه غيره من أثر أو أجماع، على هذا جميع الفقهاء في كل عصر من لدن الصحابة إلى يومنا هذا، إلا الخوارج وطوائف من أهل البدع شرذمة لا تعد خلافا". ومن هنا، فقد خصّ ابن عبد البر العقيدة بالذكر، لتأكيد قاعدة العمل بخبر الآحاد والردّ على الطوائف التي أنكرت ذلك. ومراده، أنّ منهج أهل الأثر والفقه العمل بخبر الآحاد في المعتقدات، فما بالك بالعبادات والمعاملات وغير ذلك من فروع الدين.

النقطة الثانية: لقائل أن يقول: الإيمان هو التصديق الجازم، وخبر الآحاد لا يتحقّق فيه شرط الجزم والقطع، فكيف يكون من العقيدة التي يشترط فيها العلم أي الاعتقاد الجازم؟

والجواب من ثلاثة وجوه:

الوجه الأول: أنّ محل الإشكال الذي يوحي بتناقض ابن عبد البر في كلامه هو اشتراط الجزم مع التصديق في مسمى الإيمان، أما مع عدم اشتراط الجزم فلا إشكال. والذي ظهر لي من تتبع كلام ابن عبد البر أنه يعرّف الإيمان بالتصديق، فلم يشترط الجزم معه. ولما كان خبر الآحاد الصحيح موجبا للتصديق من قبيل غلبة الظن، فقد أدخل ابن عبد البر ما أوجبه في مسمى الإيمان. وبعبارة أخرى، فالإيمان والمغيبات تثبت عنده بما صح من خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بغضّ النظر عن قطعيته أو ظنيته، فإذا ثبت الخبر وجب العمل.

الوجه الثاني: أنّ الإيمان عند ابن عبد البر قول وعمل. والعمل لا يشترط فيه اليقين، ويكتفى فيه بغلبة الظن. ومن هنا، نجد الرجل يقول في أكثر من موضع إن خبر الآحاد الصحيح يوجب العمل. وإذا كان خبر الآحاد يوجب العمل، وكان العمل من الإيمان، فالبديهي وفق منهجه أن يثبت الإيمان عنده بخبر الآحاد.

الوجه الثالث: أنّ التفرقة بين ما يفيد القطع وما يفيد الظن تفيد في حصر العقيدة التي يجزم بها، وتفيد أيضا في حصر ما يكفر مخالفه وما لا يكفر. وقد أشار ابن عبد البر إلى هذا المعنى في مواضع كثيرة من كتابه. ومثال ذلك، نجده يقول (في التمهيد، ج1 ص3): "ولأئمة فقهاء الأمصار في إنفاذ الحكم بخبر الواحد العدل مذاهب متقاربة، بعد إجماعهم على ما ذكرت لك من قبوله وإيجاب العمل به دون القطع على مغيبه". ومن المعلوم أنّ عدم القطع على الدليل يفيد عدم تكفير المخالف.

وعليه، إذا أخذنا بعين الاعتبار ما تقرر من منهج الرجل، فلا تناقض في كلامه.

بقي أن نقول، هل يصحّ ما ذهب إليه ابن عبد البر من تقسيم وما خطه من منهج؟ والجواب هو: أنّ السؤال يتعلق بحلّ الإشكال في كلام الرجل، أما هل يصح قوله أو لا يصح، فتلك مسألة أخرى. والله أعلم.

09 رمضان 1429هـ

انتهى.

المصدر : http://www.azeytouna.net/Cevab-Sual/cevab_sual034.htm
 
أعلى