مجموعة مفاهيم و تعاريف لتلامذة 3 أداب

badfighter

نجم المنتدى
إنضم
30 نوفمبر 2008
المشاركات
1.536
مستوى التفاعل
3.811





مجموعة مفاهيم و تعاريف لتلامذة 3 أداب





تعربف الثقافة




لثقافة هي روح الأمة وعنوان هويتها، وهي من الركائز الأساس في بناء الأمم وفي نهوضها، فلكل أمة ثقافةٌ تستمدّ منها عناصرها ومقوماتها وخصائصها، وتصطبغ بصبغتها، فتنسب إليها. وكل مجتمع له ثقافتُه التي يتسم بها، ولكل ثقافة مميزاتها وخصائصها. ويعرف التاريخُ الإنسانيُّ الثقافةَ اليونانية، والثقافة الرومانية، والثقافة الهلِّينية، والثقافة الهندية، والثقافة المصرية الفرعونية، والثقافة الفارسية. ولما استلم العرب زمام القيادة الفكرية والثقافية والعلمية للبشرية في القرن السابع للميلاد، واستمروا في مركزهم المتميّز إلى القرن الخامس عشر منه، عرف العالم الثقافة العربية الإسلامية في أوج تألقها، حتى إذا ما تراجع العرب والمسلمون عن مقدمة الركب الثقافي العالمي، ودبَّ الضعف في كيانهم، وتوقفوا عن الإبداع في ميادين الفكر والعلم والمعرفة الإنسانية، انحسر مدُّ ثقافتهم، وغلب عليهم الجمود والتقليد، وضعفوا أمام تيارات الثقافة الغربية العاتية التي أثّرت بقوةٍ في آدابهم وفنونهم وطرق معيشتهم.

والثقافة كلمة عريقة في اللغة العربية أصلاً، فهي تعني صقل النفس والمنطق والفطانة، وفي القاموس المحيط : ثقف ثقفاً وثقافة، صار حاذقاً خفيفاً فطناً، وثقَّفه تثقيفاً سوَّاه، وهي تعني تثقيف الرمح، أي تسويته وتقويمه.

واستعملت الثقافة في العصر الحديث للدلالة على الرقيّ الفكري والأدبي والاجتماعي للأفراد والجماعات. والثقافة ليست مجموعةً من الأفكار فحسب، ولكنها نظريةٌ في السلوك بما يرسم طريق الحياة إجمالاً، وبما يتمثّل فيه الطابع العام الذي ينطبع عليه شعبٌ من الشعوب، وهي الوجوه المميّزة لمقوّمات الأمة التي تُمَيَّزُ بها عن غيرها من الجماعات بما تقوم به من العقائد والقيم واللغة والمبادئ، والسلوك والمقدّسات والقوانين والتجارب. وفي الجملة فإن الثقافة هي الكلُّ المركَّب الذي يتضمن المعارف والعقائد والفنون والأخلاق والقوانين والعادات.


وتتميّز الثقافة بعدة خصائص منها :

أ‌) أنها ظاهرة إنسانية، أي أنها فاصلٌ نوعيُّ بين الإنسان وسائر المخلوقات، لأنها تعبيرٌ عن إنسانيته، كما أنها وسيلتُه المثلى للالتقاء مع الآخرين.

ب‌) أنها تحديدٌ لذات الإنسان وعلاقاته مع نظرائه، ومع الطبيعة، ومع ما وراء الطبيعة، من خلال تفاعله معها، وعلاقاته بها، في مختلف مجالات الحياة.

ت‌) أنها قوام الحياة الاجتماعية وظيفةً وحركةً، فليس من عمل اجتماعي أو فنّي جمالي أو فكري يتم إنسانياً خارج دائرتها. وهي التي تيسّر للإنسان سبل التفاعل مع محيطه مادةً وبشراً ومؤسسات.

ث‌) أنها عملية إبداعية متجدّدة، تُبدع الجديدَ والمستقبليَّ من خلال القرائح التي تتمثّلها وتعبّر عنها، فالتفاعل مع الواقع تكييفاً أو تجاوزاً نحو المستقبل، من الوظائف الحيوية لها.

ج‌) أنها إنجازٌ كمّيٌ مستمر تاريخياً، فهي بقدر ما تضيف من الجديد، تحافظ على التراث السابق، وتجدّد قيمه الروحية والفكرية والمعنوية، وتوحّد معه هويةَ الجديد روحاً ومساراً ومثلاً، وهذا هو أحد محركات الثقافة الأساس، كما أنه بُعدٌ أساسٌ من أبعادها







-- معنى الحضارة ومفهومها --


فأقول: الحِضارة والحَضارة لغة: هي الإقامة في الحضَر، والحضَر خلاف البادية، وهي المدن والقرى والريف، سُميت بذلك لأن أهلها حضروا الأمصار ومساكن الديار التي يكون لهم بها قرار وعمران، بخلاف الباد في البادية فهو في تنقل دائم يبحث عن الكلأ والماء، لا يعرف القرار ولا العمران.
ويُقال: فلان حضَري إذا كان من أهل الحاضرة، وفلان بدوي إذا كان من أهل البادية، والحضري لما تميز به عن البدوي بالثبات والإقرار وعدم التنقل والترحال فإن ذلك ساعده على أن يثري حضارته مقر إقامته بجميع مظاهر النمو والتطور، والإبداع العلمي والفني والعمراني، والاجتماعي .. فالحضارة هي محضن كل تطور أو إنجاز إنساني[1].
أما اصطلاحاً: فالحضارة هي عبارة عن مجموع المفاهيم، والقيم، والتصورات، والعقائد، والقوانين، والمبادئ، والعادات التي تشكل سلوكاً معيناً ومحدداً عند الإنسان، وتحدد له طريقة معينة في الحكم، والعيش، والحياة، والتعامل مع الآخرين.
فالصدق مثلاً: خلق ومفهوم وقيمة حضارية .. يهدي إلى البر .. ويترتب عليه سلوك إيجابي متحضر على مستوى الفرد والمجتمع .. بخلاف الكذب فهو خلق مذموم غير حضاري .. لأنه يهدي إلى الفجور والفساد .. ويشكل سلوكيات سلبية متخلفة مدمرة تسيء للفرد والمجتمع سواء.
وكذلك نقول: في خُلق ومفهوم الأمانة، والوفاء بالعهد، والعدل، والشورى، والإيثار، والشكر، والجود، والشجاعة، والحياء، والأدب .. والقناعة، والتواضع، وإغاثة الملهوف والمحتاج، وحب الخير للآخرين، ومفهوم الحرص على الوقت، وحسن استغلاله فيما ينفع .. والاقتصاد من غير تقتير ولا تبذير ولا إسراف .. والدقة في المواعيد .. والنظام والتنظيم .. وعدم الفضول وتدخل المرء فيما لا يعنيه .. والنظافة والحرص عليها، والرياضة الهادفة التي تُثمر جسداً سليماً وقوياً .. وحب الاطلاع والاستكشاف، والمطالعة والقراءة الراشدة الواعية، والحرص على العلم، والتعلُّمِ، والتعليم .. والعلم التجريبي التطبيقي .. وحب العمل والانتاج والاعتماد على النفس؛ فاليد العليا خير وأحب إلى الله تعالى من اليد السفلى .. فهذه كلها مفاهيم وقيم حضارية معتبرة .. تعطي وتفرز سلوكاً إيجابياً نافعاً ومتحضراً .. مؤداه إلى عمران الأرض بما ينفعها وينفع ساكنيها .. وكل مفهوم حضاري يكون ضده بالضرورة مفهوماً غير حضاري .. والعمل به مؤداه إلى سلوك سلبي مذموم غير متحضر .. ينعكس على الأرض وساكنيها بالضر والفساد، والشر؛ فإذا قلنا مثلاً بأن الوفاء بالعهد مفهوم حضاري فيكون ضده الغدر وهو مفهوم غير حضاري، وكذلك العدل، فضده الظلم وهو مفهوم غير حضاري .. وهكذا بقية المفاهيم والقيم الأخرى.
واعلم أن أعظم وأجل وأرقى مفهوم حضاري على الإطلاق هو مفهوم التوحيد؛ الذي يحمل المرء على أن يُفرد الخالق -سبحانه وتعالى- بالعبادة، والقصد، والطاعة، والمحبة، والتحاكم .. وبالتالي فإن أسوأ وأخنع وأقبح مفهوم حضاري على الإطلاق هو الشرك؛ الذي يُعبد العبيد للعبيد، والذي يحمل المرء على أن يتخذ أنداداً وشركاء يعبدهم ويطيعهم، ويحتكم إليهم، ويضحي في سبيلهم من دون الله -عز وجل- .. وعلى هذا المفهوم الحضاري مدار الخلاف والصراع ـ على مدار التاريخ كله ـ بين أهل التوحيد من جهة، وبين أهل الشرك والباطل بكل أطيافهم وتجمعاتهم ومسمياتهم من جهة أخرى.
هذا الخلاف حول هذا المفهوم الحضاري ( التوحيد ) أدى إلى خلاف حول مفاهيم حضارية أخرى مرتبطة به؛ كمفهوم " الحرية " مثلاً؛ هل هي مطلقة أم مقيدة، وما هي المساحة المسموح بها، والمساحة الممنوعة، ومن هي الجهة التي تحدد نسبة هذه الحرية .. وكذلك مفهوم السيادة العليا في الأرض لمن تكون؛ من الحاكم، من له الأمر فيُطاع، من له خاصية التشريع والتحليل والتحريم، والتحسين والتقبيح؛ للخالق أم للمخلوق .. لله تعالى وحده أم لعبد الله .. وكذلك القيم الحضارية ذات العلاقة بتحديد خصوصيات وحقوق الخالق -سبحانه وتعالى- وخصوصيات وصلاحيات الإنسان، وحقوقه وواجباته .. فهذا النوع من القيم هي محطة تنازع واختلاف بين أمة الإسلام أو الحضارة الإسلامية، والحضارات الأخرى بكل مسمياتها وصورها .. وهذه مسألة سنعود إليها ـ إن شاء الله ـ بشيء من التفصيل عند الحديث عن أوجه الخلاف بين القيم الحضارية للحضارة الإسلامية، والقيم الحضارية للحضارات الأخرى.
فإن عُلِم هذا الذي تقدم يُقال: عندما يتصرف المرء بطريقة صحيحة راقية أخلاقية ومسؤولة .. يُقال عنه هذا إنسان متحضر .. وإذا تصرف بطريقة خاطئة، متخلفة، غير أخلاقية ولا مسؤولة .. يُقال عنه هذا إنسان متخلف .. همجي .. غير متحضر.
فالسلوك الإنساني .. أيَّاً كان نوعه .. وكانت نتائجه .. ليس هو الحضارة .. وإنما هو عبارة عن نتاج المفاهيم والتصورات الحضارية التي ينتمي إليها هذا الإنسان ويعتقد بها .. والتي أفرزت عنده هذا السلوك .. فإن كان سلوكاً إيجابياً ممدوحاً فهذا دليل على وجود قيم حضارية إيجابية وممدوحة .. وإن كان سلوكاً سلبياً مذموماً فيكون ذلك دليلاً على عدم وجود قيم حضارية إيجابية معتبرة عند هذا الإنسان .. وإنما يكون دليلاً على وجود قيم وأخلاقيات متخلفة غير متحضرة ولا راقية .. فالسلوك الإنساني ـ اياً كان نوعه ـ هو التعبير الصادق عن نوعية ومدى جودة تلك القيم الحضارية التي ينتمي إليها الإنسان.
فالإنجاز العلمي التجريبي ـ قديماً وحديثاً ـ يشترك فيه جميع بني البشر .. وأسبابه مبذولة للجميع .. وبالتالي فهو ليس دليلاً ولا مقياساً على تحضر أو حضارة شعب من الشعوب .. وإنما هو دليل على وجود جزء من تلك المفاهيم والقيم الحضارية التي ينتمي إليها ذاك الشعب أو غيره .. ألا وهي قيمة الاهتمام والحرص على العلم التجريبي التطبيقي.
فالآلة المصنَّعة .. مهما كانت ضخمة وهامة ومتطورة .. ليست هي الحضارة .. وإنما المفاهيم والقيم والتصورات .. التي كانت سبباً في وجود هذه الآلة .. والتي تحكم وتحدد الطريقة التي تُستخدم بها هذه الآلة .. هي الحضارة، ومن خلالها يُحكم على صاحبها بالتحضر أم لا أو كم هي نسبة التحضر التي يتحلى بها!
فالذي يُصنِّع سلاحاً متطوراً وفتاكاً مدمراً .. لكي يستخدمه لأغراض الشر والفساد والتخريب والدمار في الأرض .. ولأغراضه الشخصية الذاتية أو الحزبية الضيقة .. فهذا رغم ملكه لهذا السلاح الفتاك وتصنيعه له .. فهو إنسان غير متحضر .. لا يُمكن أن يُنسَب إلى الحضارة والتحضر في شيء .. ولو نُسب مجازاً فهو يُنسب إلى حضارة متخلفة همجية غير راقية .. ولا إنسانية!
فهذا الذي يصنِّع قنبلة ضخمة فتاكة .. ليقتل بها الأطفال والنساء، وغيرهم من الآمنين ممن صان الشرع حرماتهم .. وليدمر البيوت على رؤوسهم .. فهذا رغم تصنيعه لهذه القنبلة الضخمة لا يُمكن أن يُصنَّف بأنه إنسانٌ متحضر أو يُوصَف فعله هذا بالتحضر والرقي، أو أنه ينتمي إلى قيم حضارية راقية معتبرة!
الإنسان الذي ينتهج مبدأ الغايات تبرر الوسائل؛ مهما كانت هذه الوسائل قذرة وسيئة ومنحطة .. لا يُمكن أن يُعتبر متحضراً ولا راقياً مهما كان متقدماً في الصناعات والتطاول في البنيان والعمران!
نقول ذلك لأن كثيراً من الباحثين فضلاً عن غيرهم يقيسون الحضارة والتحضر بمدى الإنجاز والتطور العلمي، ويظنون أن آلات التصنيع المتقدمة .. والتطاول في العمران .. التي يتمتع بها مجتمع من المجتمعات هي الحضارة ذاتها .. وهي دليل على تحضر ورقي ساكني هذه المجتمعات .. وهذا خطأ فاحش شائع لا بد من تصحيحه وتداركه!
المجتمع النبوي الأول في المدينة المنورة لم يكن يعرف التطاول في العمران والبنيان، ولا الصناعات الضخمة والمتطورة .. ومع ذلك فهو أعظم المجتمعات رقياً وتحضراً عرفها التاريخ من قبل وإلى يوم القيامة؛ لأنه كان قائماً على مجموعة من المفاهيم والقيم الحضارية الراقية النبيلة التي لا توازيها قيم ومفاهيم حضارية أخرى في أي موضع أو زمانٍ آخر، سرعان ما أعطت نتائجها، وانعكست آثارها الإيجابية على العالم أجمع، وفي سنوات معدودات .. فغيرت وجه التاريخ من أظلم صورة يُمكن أن تُعرَف إلى أشرق وأعدل وأعظم صورة!






العــدل والمســاواة






المطلب الأول

مفهوم العدل والمساوة

الفرع الأول: مفهوم العدل:

العدل في اللغة:


العَدْلُ: ما قام في النفوس أنه مستقيم، وهو ضد الجور، ويقال: عَدَلَ عن الطريق عُدُولاً، مال عنه وانحرف.

والعَدْلُ: الحكم بالحق، يقال: هو يقضي بالحق، ويعدل، والعَدْلُ والعِدْلُ والعَدِيلُ سواء، أي النظير والمثيل، فعِدل الشيء مثله من ضده، أو مقداره. والتعادل: التساوي، وعدَّلته تعديلاً فاعتدل: سوَّيته فاستوى، وعَدَلْتُ فلاناً بفلان، إذا سوَّيت بينهما، وتعديل الشيء، تقويمه، يقال: عدَّلته تعديلاً، فاعتدل، إذا قومته فاستقام([1]).

العدل في الاصطلاح:

عرفه الجرجاني ـ رحمه الله ـ بقوله: " هو عبارة عن الأمر المتوسط بين طرفي الإفراط والتفريط "([2]).

ويقول في موضع آخر: " والعدل مصدر بمعنى العدالة، وهو عبارة عن الاستقامة على طريق الحق، بالاجتناب عما هو محظور ديناً "([3]).

العدل في الكتاب والسنة:

إن الشريعة الإسلامية جاءت لإحقاق الحق، وإقامة العدل، وإرساء قواعده، وإخراج الإنسان عن الظلم وداعية الهوى؛ فالعدل يمثل دعامة وطيدة وميزة حقيقية للشريعة الإسلامية، ويشهد لذلك ما جاء في كتاب ربنا، وسنة نبينا r.

أولاً: القرآن الكريم:

1. قال الله سبحانه: ** يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَدَاءَ للهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيَّاً أَوْ فَقِيراً فَاللهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً{([4]).

وجه الدلالة: في هذه الآية أمر الله تعالى عباده أن يكونوا مبالغين في تحري العدل، ودعاهم أن يكونوا شهداء بالحق والعدل، دون التأثر بهوى النفس من قرابة أو مودة، فقط أن يقيموا الشهادة خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى، والتزاماً لتعاليمه، حتى ولو على أنفسهم، أو أقرب الناس إليهم.

2. قال الله عز وجل: ** إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالعَدْلِ {([5]).

وجه الدلالة: يخاطب الله تعالى ولاة أمور المسلمين أن أدوا ما ائتمنتكم عليه رعيتكم مـن فيئهم، وحقوقهم، وأموالهم، وصدقاتهم إليهم على ما أمركم الله تعالى بأداء كل شيء من ذلك إلى من هو له، وإذا حكمتم بين رعيتكم أن تحكموا بالعدل والإنصاف، ذلك حكم الله الذي أنزله في كتابه، وبينه على لسان رسوله r([6]).

ثانياً: السنة:

قال النبي r: " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ " أولهم " الإِِمَامُ العَادِلُ"([7])، وقال: " إِذَا حَكَمْتُمْ، فَاعْدِلُواْ، وَإِذَا قَتَلْتُمْ، فَأَحْسِنُواْ، فَإِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ مُحْسِنٌ، يُحِبُّ الإِحْسَانَ"([8]).

وجه الدلالة: يدل الحديثان على أن الحاكم مأمور بالعدل في حكمه، واختصاصه بمنزلة عظيمة، حيث يكون من الذين يستظلون بظل الله يوم القيامة.

الفرع الثاني: مفهوم المساواة:

المساواة في اللغة:

السَّوَاءُ: العدل، قال الله تعالى: ** فَاْنبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ {([9]) يقال: سَاوى الشيءُ الشيءَ، إذا عادله؛ ويقال: فلان وفلان سَواء، أي متساويان؛ وقوم سَواء؛ لأنه مصدر لا يثنى ولا يجمع؛ وهما على سَوِيَّةٍ من هذا الأمر، أي على سواء؛ والسَّوِيَّةُ وَالسَّوَاءُ: العدل والنصفة؛ وسَوَاءُ الشَّيْءِ: وسطه، قال الله تعالى: ** فِي سَوَاءِ الجَحِيمِ {([10]) ، يقال: مكان سواء، أي متوسط بين المكانين.

وسَوَاءُ الشيء: مثله، والجمع أسواء، ومنه: استوى الشيئان وتساويا: تماثلا.

وَسَوَاءُ الشيء: غيره، تقول: مررت برجل سُواك وسِواك وسَوائِك، أي غيرك، وقصد القوم سوى زيد، أي غيره([11]).

المساواة في الاصطلاح:

يمكن تعريف المساواة بأنها: " تَمَاثُلٌ كَامِلٌ أَمَامَ القَانُونِ، وَتَكَافُؤٌ كَامِلٌ إِزَاءَ الفُرَصِ، وَتَوَازُنٌ بَيْنَ الَّذِينَ تَفَاوَتَتْ حُظُوظُهُمْ مِن الفُرَصِ المُتَاحَةِ لِلجَمِيعِ "([12]).

فالمساواة خضوع لسلطان قانون الإسلام الذي لا يفرق بين واحد وآخر، وليس لأحد أن يدعي الرقي والتمتع بالحقوق، فلم يجعل منزلة أو ميزة حقاً لأفراد أسرة معينة لا يستمتع بها سواهم، فكل مناصب الدولة من إمارة المؤمنين إلى أصغر منصب فيها، حق مشاع بين أفراد الأمة([13]).

المساواة في الكتاب والسنة:

المساواة سمة من سمات الإسلام، وأصل من أصوله، فالإسلام يقرر أن الناس سواسية، وفي ظله تذوب فوارق الجنس واللون، وتتحطم صفة الحسب والجاه والسلطان، فلا تفاضل بينهم في إنسانيتهم، وإنما التفاضل يرجع إلى أسس أخرى.

فالله تعالى خلق الناس بحسب فطرتهم متماثلين، وكذلك ولدتهم أمهاتهم أحراراً متكافئين، ولكن دخولهم في ملاحم الحياة الاجتماعية ينزع عنهم لباس التماثل والتساوي، ويرفع بعضهم فوق بعض درجات([14]).

والأدلة في الشريعة الإسلامية تترى في تقرير هذا المبدأ:

أولاً: القرآن الكريم:

1. قال الله تعالى: ** يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنَ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُم {([15]).

وقال سبحانه: ** يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً {([16]).

وجه الدلالة: في هاتين الآيتين ينادي الله تعالى الناس قاطبةً، ويردهم إلى الأصل الذي انبثقوا منه، ليقرر أن هذه البشرية جنسها واحد، ونسبها يتصل في رحم واحد، ومن اجتمعت فيهم هذه الأصول، فلا مجال لأن يدعي أحدهم العلو بالفروق الطارئة على الإنسانية، فربهم واحد، وأبوهم واحد، وهم متساوون في جميع الحقوق.

2. قال عز وجل: ** وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً {([17]).

وجه الدلالة: إن الله تعالى أرسل نبيه r للناس جميعاً، ولم يختص به فئة دون

فئة، أو أمة دون أخرى، وكذلك أرسله رحمة للعالمين ** وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلعَالَمِينَ {([18]).

ثانياً: السنة:

1. أكد النبي r على مبدأ المساواة الذي قرره القرآن الكريم في حجة الوداع فقال: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ: أَلا إِنَّ رَبَّكُم وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُم وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍ عَلَى أَعْجَمِي، وَلا لعْجَمِي عَلَى عَرَبِي، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلا بِالتَّقْوَى "([19]).

وجه الدلالة: يفيد الحديث أن الناس كلهم سواء، وأن الفوارق الطارئة بين البشر ليس لها قيمة في ميزان الإسلام؛ بل القيمة والفضل فقط بالتقوى.

2. قال r " إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عَيْبَةَ الجَاهِلِيَّةِ، وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ، النَّاسُ بَنُو آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ "([20]).

وجه الدلالة: بين النبي r أن الإسلام قد ألغى الجاهلية وما فيها من عنصرية، ووضع معياراً واحداً فقط للتفاضل بين الناس، ألا وهو تقوى الله تعالى.

ثالثاً: في حياة الصحابة y:

تجلى إرساء المساواة في حياة الصحابة y بالمواقف العظيمة التي وقفوها يوم أن تبوؤوا الخلافة والإمارة، فلم يستعلوا على الناس، ولكن نادوا بتواضع: أن لا فرق بين حاكم ومحكوم، فهذا أبو بكر الصديق t حينما تولى الخلافة يقول: " أما بعد أيها الناس! فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن الصدق أمانة والكذب خيانة، الضعيف منكم قوي عندي، حتى أريح عليه حقـه إن

شاء الله، والقوي منكم الضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله "([21]).

وهذا عمر بن الخطاب t يقول لسعد بن أبي وقاص t ـ لما ولاه إمارة الجيش ـ: " يا سعد سعد بني وهيب! لا يغرنك من الله أن قيل: خال رسول الله، وصاحب رسول الله، فإن الله عز وجل لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكنه يمحو السيئ بالحسن، فإن الله ليس بينه وبين أحد نسب إلا طاعته، فالناس شريفهم ووضيعهم في ذات الله سواء، الله ربهم، وهم عباده، يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة "([22]).

والإسلام قرر الحماية القانونية، والمساواة أمام القضاء حتى لغير المسلمين، فها هو عمر t يقول لعمرو بن العاص t ـ يوم أن استكبر ابنه على شاب قبطي ـ: " متى استعبدتم الناس، وقد ولدتهم أمهامتهم أحراراً؟! "([23]).




المطلب الثاني

موقف غير المسلمين من العدل والمساواة


لم يَرُقْ للذين تربعت الدنيا بزخرفها على قلوبهم، وقد تشبثوا بالوسائط المادية، أن يذعنوا للإسلام، وهو ينادي بأن الناس سواسية كأسنان المشط، وأنهم كلهم متساوون في الحقوق السياسية وغيرها، ولا فرق بين غني وفقير، ولا وجيه وصعلوك، ولا حاكم ومحكوم، كيف وهم الأغنياء أصحاب الحسب والجاه والسلطان، يرون أنفسهم سادة فوق الناس، ويتفاخرون بآبائهم وأجدادهم؟! فقد جاء الإسلام ليحطم كل هذه النعرات، ويذيب الفوارق، فالله سبحانه وتعالى يضع الأنساب يوم القيامة، ولا يرفع إلا من انتسب إليه: ** فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ {([24]).

والرسول r يبين أن التكبر والتفاخر بالأنساب يوصل صاحبه إلى النار، فقال: " أَوْحَى اللهُ إِلَى مُوسَى: أَنَّ هَذَيْنِ المُنْتَسِبَيْنِ، أَمَّا أَنْتَ أَيُّهَا المُنْتَمِي، أَو المُنْتَسِبُ إِلَى تِسْعَةٍ فِي النَّارِ، فَأَنْتَ عَاشِرُهُمْ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا هَذَا المُنْتَسِبُ إِلَى اثْنَيْنِ فِي الجَنَّةِ، فَأَنْتَ ثَالِثُهُمَا فِي الجَنَّةِ "([25]).

وها هو r يحذر من أمور الجاهلية، فيقول: " أَرْبَع فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ، لا يَتْرُكُونَهُنَّ: الفَخْرُ فِي الأَحْسَابِ، وَالطَعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنجوم، وَالنِّيَاحَةُ "([26]).

وقد ترجم النبي r المساواة منذ إشراقة الدعوة الإسلامية، حيث كان يجمع في مجلسه الأغنياء، كأبي بـكر، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، والفقـراء،

كبلال، وصهيب رضي الله عنهما، فأبى مشركو قريش أن يجتمعوا والضعفاء في مجلس واحد، وقالوا لرسول الله r: نريد أن تجعل لنا منا مجلساً تعرف لنا به العرب فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك، فنستحي أن ترانا مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك، فأقمهم عنا، فإذا نحن فرغنا، فاقعد معهم إن شئت، فنزل قوله تعالى: ** وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالغَدَاةِ وَالعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ{([27])"([28]).

والأمم قبل الإسلام كانت تعرف معنى العدل والظلم، ولكنها ما كانت تعرف حدود كـل منهما، فكانت تلك الحدود متداخلة، شأنها في ذلك شأن أكثر المعاني المجردة إذ ذاك، فإذا نظرنا إلى الشعب اليوناني نراه قد فَرَّق بين من ينتسب إلى أصل يوناني، وبين من لم يَمُتَّ إليه بسبب، فجعل للأولين جميع الحقوق الوطنية، وخولهم حق السيادة على الآخرين؛ وجاراه في ذلك الشعب الروماني مضيفاً إلى ذلك شيئاً من الغلو، فلم يفرق بين من هو من أصل روماني وبين غيره فحسب، بل فرق بين الخاصة والعامة أيضاً، فجعل للأولين الزعامة والقيادة والحماية، وفرض على الآخرين الخضوع والانقياد والطاعة([29]).

واليهود كانوا ولا يزالون يعتقدون أنهم شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وهم الذين قالوا عن طالوت القائد المختار من الله: ** أَنَّى يَكُونُ لَهُ المُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالمُلْكِ مِنْهُ {([30])، يعني أنه ليس من نسل الملوك، إنما هو من سبط وضيع ليس أهلاً للقيادة.

والعرب في الجاهلية كانوا يتألفون من طبقتين: الطبقة العليا، وتضم الملوك والأشراف يتربعون على العرش، ويحكمون وفـق هواهم، والطبقة الدنيـا، وتضم

العبيد والإماء والرعاة والخدم وغيرهم([31]).

والأمم الديمقراطية التي تدعي أن العالم الإنساني مدين لها بمبادئ العدل والمساواة، لا تزال تسير في سياستها بما يخالف هذا المبدأ، وإن طبقته وأرست معالمه في حياتها، إلا أن نظرتها تظل قاصرة تنبع من عقل دنيوي.

من خلال هذا، وتتبع موقف غير المسلمين من العدل والمساواة، ونظرة الإسلام إلى هذه القضية يشعر الإنسان بسمو مبادئ الإسلام، وهي تدعو إلى العدل والمساواة بين الناس قاطبة، في الوقت الذي يرى دعوة الطواغيت إلى الفرقة والاختلاف والتشرذم.

أبي الإسلام لا أب لي سواه إن افتخروا بقيس أو تميم([32])



([1]) ابن منظور: لسان العرب (11/430 – 432)، الرازي: مختار الصحاح (1/176)، الفيومي: المصباح المنير (2/44 – 45)، مادة: عدل.

([2]) الجرجاني: التعريفات (1/191).

([3]) السابق (1/191- 192).

([4]) سورة النساء: الآية (135).

([5]) سورة النساء: من الآية (58).

([6]) الطبري: التفسير (5/146).

([7]) البخاري: الصحيح (كتاب الجماعة والإمامة، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد 1/234 ح 629)، من حديث أبي هريرة t.

([8]) الطبراني: المعجم الأوسط (6/40 ح 5735)، والحديث صحيح، الألباني: السلسلة الصحيحة (1/840ح469).

([9]) سورة الأنفال: من الآية (58).

([10]) سورة الصافات: من الآية (55).

([11]) ابن منظور: لسان العرب (1/318 – 319)، الرازي: مختار الصحاح (1/136).

([12]) عمارة: الإسـلام والأمن الاجتماعي (ص: 95).

([13]) خلاف: السياسة الشرعية (ص: 42 – 43).

([14]) حسين: الحرية في الإسلام (ص: 27).

([15]) سورة الحجرات: من الآية (13).

([16]) سورة النساء: من الآية (1).

([17]) سورة سبأ: من الآية (28).

([18]) سورة الأنبياء: الآية (107).

([19]) أحمد: المسند (حديث رجل من أصحاب النبي r 5/411 ح 23536)، والحديث صحيح، الألباني: السلسلة الصحيحة (6/449 ح 2700).

([20]) أحمد: المسند (مسند أبي هريرة t 16/456 ح 10791)، وحسنه الأرناؤوط في تحقيق المسند.

([21]) ابن كثير: البداية والنهاية (3/301)، السيوطي: تاريخ الخلفاء (ص: 56)، الطبري: التاريخ (2/237- 238).

([22]) ابن كثير: البداية والنهاية (7/35)، الطبري: التاريخ (2/382).

([23]) ابن الجوزي: مناقب عمر (ص: 98 – 99).

([24]) سورة المؤمنون: الآية (101).

([25]) أخرجه أحمد: المسند (مسند أبي بن كعب 5/128 ح 21216)، والحديث صحيح، الألباني: السلسلة الصحيحة (3/265 ح 1270).

([26]) أخرجه مسلم: الصحيح (كتاب الجنائز، باب التشديد في النياحة 2/644 ح 934).

([27]) سورة الأنعام: جزء الآية (52).

([28]) أخرجه ابن ماجه: السنن (كتاب الزهد، باب مجالسة الفقراء 2/1382 ح 4127)، والحديث صحيح، الألباني: صحيح ابن ماجه (2/1382 ح 4127).

([29]) طبارة: روح الدين الإسلامي (ص: 299 – 300).

([30]) سورة البقرة: من الآية (247).

([31]) عالية: نظام الدولة والقضاء والعرف في الإسلام (ص: 102 – 103).

([32]) ابن القيم: مدارج السالكين (3/174).


أخوكم badfighter
 
أعلى